عمر قدور: كاتب وروائي سوري
لا يندر أن يتذكر البعض منا واحداً من الشعارات الأولى للثورة وهو “واحد واحد.. الشعب السوري واحد”، ثم ينظر بأسى إلى ما تكشف عنه الواقع من تفتت المجتمع السوري. فخلال ثماني سنوات ونصف لم يثبت فقط أن الشعب ليس واحداً، بل ثبت أن تعبير “الشعب السوري” لا يعدو كونه نوعاً من الإنشاء لا تفنّده فحسب الحرب التي ينبغي أن نعترف بشقها الأهلي، وإنما يفنّده ذلك الاستعداد المسبق للحرب لدى شريحة من السوريين منذ المظاهرات الأولى، أو بالأحرى ذلك الاستعداد المعلن لإبادة الثائرين وما يمثّلون بنظرهم.
كي لا نتهم مطلقي الشعار بالسذاجة المفرطة، ربما يصحّ القول أن الشعار كان في الأصل يعبّر عن الرغبات والأمنيات أكثر مما يعبّر عن الواقع الذي يدركونه. ربما، من جهة آخر، كان يُراد به طمأنة الخائفين من التغيير، مع استبطان خاص للمسألة الطائفية التي أخرجتها سلطة الأسد إلى العلن والاستثمار الصريح فور اندلاع الثورة. وكما نعلم استهلك ما سُمّي “طمأنة الأقليات” إزاء التغيير اهتماماً لاحقاً من بعض قوى المعارضة، وحظي باهتمام أشدّ من قوى دولية في مقدمها الولايات المتحدة التي واظبت وزيرة خارجيتها آنذاك هيلاري كلينتون على التأكيد على هذه المسألة.
حصاد أربعة عقود من حكم الأسدية قبل الثورة ظهر بما رأيناه من انقسام مجتمعي، ولم تكن ظاهرة شاذة أن الحكم كان يتاجر بما هو أعلى من الوطنية، أي العروبة، بينما كان يشتغل على ما هو أدنى منها من عصبيات. الحق أن الأسدية بشعاراتها الكاذبة وباشتغالها الفعلي لم تكن تغادر الحيّز نفسه، فالخطاب العروبي أيضاً كان خطاباً عصبوياً غرائزياً، ولم يحمل فكر البعث تصورات واقعية لما يصوّره قضيته الأم، بل كان الرهان (إن وجد رهان حقيقي أصلاً) على تلك العصبيّة بالمعنى الشهير الذي طرحه ابن خلدون لصعود الأمم.
لقد شهدنا، بما يخالف تصوّر ابن خلدون، تضخماً لشتّى العصبيات في مسار من الانحدار العام. فضمن الحرب السورية لم تقدّم العصبيات التي تم الاستثمار فيها ما هو إيجابي لأصحابها قبل أن تكون إيجابية على الصعيد الكلي. إن سلوك قوى الأمر الواقع الممثّلة لها، وفي مقدمها الأسدية طبعاً، إزاء بيئتها ومناطق سيطرتها قدّم المثال الأسوأ، وظهرت سريعاً الفجوة الهائلة بين خطاب عصبوي يُفترض أن يكون جامعاً وواقع تسلط تتحكّم به قلّة مهيمنة. بعبارة أخرى، لم تظهر أي فئة سورية أيضاً وكأنها تمتلك مقومات لتكون شعباً منفصلاً، وبدا جلياً أن استنفار العصبيات لا يحل المعضلة الأساسية ولا يصنع شعوباً على أنقاض “الشعب السوري” الذي تبيّن أن لا وجود له.
بعد حوالى مليون قتيل، وما نعرفه عن ارتهان قوى الأمر الواقع للصراع الخارجي، سيكون التساؤل عن مستقبل سوريا أشد مضاضة، فالاستدلال المنطقي يقول أن تلك المجموعات التي لم تكن شعباً من قبل تحتاج معجزة لتصبح شعباً فوق هذا الكم الهائل من الضحايا والمظلوميات. كأننا انتقلنا من النقيض إلى النقيض، من “الشعب السوري واحد” إلى استحالة وجود شعب سوري، واليأس هنا مردّه استمرار الصراع وعدم وجود تفاؤل بحل عادل، الأمر الذي سيفاقم نوازع الانتقام والثأر على المدى المتوسط والبعيد. ثمة تصورات تُطرح لحل هذه المعضلة، منها حدوث مصالحة تاريخية “هي أشبه بالمعجزة” تؤدي إلى فتح صفحة جديدة بين السوريين، ومنها تصورات عن العدالة الانتقالية لا تستند إلى دعم دولي ضروري، بينما الأقرب إلى التحقق خارجياً وداخلياً هو الرهان على أن السوريين الذين ابتلعوا من قبل مرغمين مجزرة مثل مجزرة حماة سيبتلعون المقتلة الكبرى مرغمين، ليبقوا أقل من شعب تحت سلطة الإكراه.
ما يهمنا في هذا الحيز الضيق هو تخليص مفهوم الشعب من عوامل التفاؤل أو اليأس المفرطين، فنحن لسنا شعباً واحداً حقاً، على قدم المساواة مع كوننا لسنا شعوباً، أما المستقبل فيحتمل أن نكون شعباً بقدر ما يحتمل مسارات مغايرة تماماً. في كل الأحوال، لا يمكننا التعويل على روابط عاطفية تجمع من يحملون الجنسية السورية لتصنع منهم شعباً، ولا يمكننا بناء عصبية هي “عصبية الشعب السوري” ينهض بها هؤلاء، لا لنقص في الوطنية لديهم ولكن لأن مفهوم الوطنية بدوره تنبغي مراجعته، وعلى نحو خاص مراجعة تسويقه على حساب مفهوم المواطنة.
صحيح أن تجربة نشوء الأمم في الغرب لم تخلُ من الإكراه، إلا أنها كانت مواكبة لصعود الرأسمالية، وهذه الأخيرة على رغم كل سلبياتها كانت متقدمة على الخليط الملَكي الإقطاعي الكنسي السائد قبلها، وكانت تحررية وديموقراطية بالمقارنة معه. مفهوم الشعب هو ابن هذه البيئة التحررية الديموقراطية، بمعنى أنه مشروط بها ولا وجود له خارجها إلا كاستخدام اصطلاحي يُراد به تمييز قوم عن أقوام أخرى. لا وجود لشعب لا يحكم، أو على الأقل لا يسعى في حال وقوعه تحت الاستبداد أو الديكتاتورية إلى استرجاع قراره الحر. في كل مكان كان استبداد طبقة، أو عرْق أو طائفة، هو الوصفة الأنسب للقضاء على مفهوم الشعب، وكان هذا الاستبداد يعمل غريزياً أو منهجياً على الحرب الأهلية التي تنتظر في آخر النفق أو على طوله.
سوريا ليست استثناء، والتأكيد الانفعالي أو الرغبوي على وجود شعب سوري، أو على استحالة وجوده، لا يقدّم شيئاً سوى إعاقة التفكير في المفهوم نفسه. إذ لن يكون هناك شعب سوري خارج التوافق الحر على مصالح مشتركة، وبعد سنوات من الصراع الدموي لن تكون هناك مصالحة تاريخية من دون الاتفاق على انتقال ديموقراطي مع حد واقعي من المحاسبة والعدالة، وهذا الانتقال بطبيعته يتضمن انعقاد نية أطرافه على أن تصبح شعباً. في النهاية، في أحسن الأحوال وخارج التجارب الاستعمارية، لا وجود لشعب واحد إلا عندما يتحد لمواجهة خطر يهدده، أما في الأوضاع الاعتيادية فإن الشعوب تنقسم وتتصارع سلمياً وديموقراطياً، ولا يحتاج أفرادها إلى التأكيد على أنهم شعب واحد.
—————————
عمر قدور: كاتب وروائي سوري
موقع: برو كاربرس. 2019/09/05

