كيف أطاحت تركيا بمواثيق الأمم المتحدة
عاطف خير
رغم إقرار إعلان حقوق الإنسان العالمي بالأمم المتحدة في المادة (19) أن “لكل شخص حق التمتع بحرِية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرِيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”، وبالحديث عن الحريات سوف نجد أن الفيلسوف جون ستيوارت ميل من أوائل من نادوا بحرية التعبير عن أي رأي مهما كان هذا الرأي وقال “إذا كان كل البشر يمتلكون رأيا واحدا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا فان إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة”.
وكانت المحاولة الأولي لميلاد حرية الفكر والتعبير واحترام حقوق الإنسان في عام 1688، بعد الثورة التي قامت في إنجلترا ونصبت الملك وليام الثالث ملكا علي إنجلترا وبعد عام من تولية مقاليد الحكم أصدر البرلمان البريطاني قانون “حرية الكلام في البرلمان”.
ثم بعد عقود من الصراع في فرنسا تم إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا عام 1789، عقب الثورة الفرنسية والذي نص على أن حرية الرأي والتعبير جزء أساسي من حقوق المواطن.
ثم جاءت فكرة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من قبل هيئة الأمم المتحدة رداً على “الأفعال الهمجية التي آذت ضمير الإنسانية” أثناء الحرب العالمية الثانية. وكانت بمثابة اعتراف بأن حقوق الإنسان هي أساس الحرية والعدالة والسلام.
ثم بدأ العمل بشأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1946، بتشكيل لجنة صياغة مؤلفة من ممثلي عدد متنوع من البلدان، من بينها الولايات المتحدة ولبنان والصين. وتم توسيع لجنة الصياغة لاحقاً لتشمل ممثلين لدول أستراليا وشيلي وفرنسا والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة، مما أتاح إمكانية أن تستفيد الوثيقة من إسهامات دول جميع مناطق العالم وخلفياتها الدينية والسياسية والثقافية المتنوعة. ثم جرت مناقشة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من قبل جميع الدول الأعضاء في لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حتى تم اعتماده من الجمعية العامة للأمم المتحدة وتم المصادقة والعمل به دوليا بتوقيع (50) دولة فى 10 ديسمبر 1984، من بين تلك الدول لمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية، فرنسا,تركيا، السويد، الصين، بلجيكا، كند، الدنمارك، هولندا، لوكسمبورغ، الأرجنتين، لبنان، مصر، العراق، إيران، سوريا، شيلى، وكولومبيا، كوستريكا، وكوبا، بورما، الخ من قائمة الدول الـ (50).
وجاء من رحم الإعلان (30) مادة لحماية الحقوق والحريات تحفظ حقوق الفرد في المجتمعات وتضمن له حقوقه وحياة كريمة. ومن بين تلك المواد جاء نص المادة (9) “لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا”، وجاء نص المادة (2) من الإعلان العالمي لـ حقوق الإنسان
“لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِين، أو الرأي سياسيا وغير سياسي”.
ومع كل تلك المواد والسعي من الأمم المتحدة والدول الأعضاء لوضع قواعد وأسس تحفظ حقوق الإنسان إلا أنها أخفقت وتركت ثغرة مرور بأن وضعت ضمن أمام كل تلك الحقوق شريطة عدم الأضرار بالغير أو المجتمع دون قواعد محددة لهذا الضرر ومنها أصبح الضرر تقرره الدول حسبما تشاء بقوانين داخليه لا دولية حاكمه لزمام الأمور وبما يتعلق بالأمن القومي وسلامة المجتمع لكن تعرضت تلك الحقوق والحريات في بعض الدول إلي انتهاكات وهجمات شرسة خاصة في حرية التعبير السياسي والصحفي فأصبحت الاعتقالات أمر معتاد لدي البعض وكأنه أمر بديهي حيث لم يكن سهلا عليهم إصدار أي قانونا يمنع حرية الفكر التعبير السياسي والصحفي فلا يوجد سجين للرأي.
ومع تعرض بعض الدول لعمليات إرهابية اختلط في بعضها الأمر ليصبح الإرهاب متجرا القضايا وحلا سهلا للقضاء علي المعارضة بدعوي الأمن القومي والقضاء علي الإرهاب وهناك من استخدم قوانين مكافحة الإرهاب دون مخالفة أو استغلال لقمع معارضة أو تكميم أفواه الشعوب أو أقلام الصحفيين وهناك دول تحافظ علي حرية التعبير وحقوق الإنسان ومن بينهم أيضا من استغل هذا القانون بصورة ملتوية لقمع المعارضة كما حدث في تركيا أحد تلك الدول التي وقعت علي إعلان حقوق الإنسان والتي استغلت الوضع العالمي القائم ضد الإرهاب سعيا لمكافحته وقامت بقمع وإسكات المعارضة بتهمة الإرهاب والتي صارت أسهل التهم للنيل من المعارضين السياسيين والصحفيين وغيرهم ولك أن تضع ما تشاء ومن تشاء في مأزق واتهامات حتي يثبت براءته إن استطاع، وبتهمة كالـ “الدعاية الإرهابية” و“إهانة رئيس الدولة”، اعتمدت بشكل أساسي إلى تغريدات على موقع “تويتر”، حكم القضاء التركي، الجمعة 6 سبتمبر الحالي، على مسؤولة فرع اسطنبول في حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في البلاد، جنان قفطانجي أوغلو بالسجن لنحو (10) سنوات.
تلك المحاكمة التي استقطبت اهتماماً كبيراً داخل تركيا وخارجها، وضعت قفطانجي أوغلو أمام خمس أنهامات وهي “الدعاية الإرهابية” و“إهانة رئيس الدولة” و“إهانة موظف” و“إهانة الجمهورية التركية” و“الحض على الكراهية”.
وفي قضايا “الإرهاب” نجحت الأكاديمية التركية أوزليم شندينيز. بنيل حكم براءتها من تهمة “نشر دعاية إرهابية”، بعدما حُكم عليها سابقاً بالسجن بين (15) شهراً وثلاث سنوات لتوقيعها عريضةً عام 2016، تدعو إلى السلام وتنتقد حملة قمع عسكرية نفّذتها الحكومة التركية في جنوب شرقي البلاد، ضدّ “حزب العمال الكردستاني” الذي تصنّفه أنقرة إرهابياً. وفي سابقة قد تكون لصالح المئات غيرها من الموقّعين على هذه العريضة ويواجهون الاتهامات ذاتها، قالت الجماعة الحقوقية “أكاديميون من أجل السلام”، في حسابها على موقع “تويتر”، “تمت تبرئة أستاذتنا. وهذا أوّل قرار بالبراءة في قضايانا التي يُنظر فيها”.
ووفقاً لموقع “بيانيت” الإخباري المستقل، وقّعت الأكاديمية شندينيز من جامعة إغدير مع نحو ألفي أكاديمي آخر على العريضة المذكورة، وأدين نحو (200) منهم بتهمة “نشر دعاية إرهابية” في محاكم تركية، ولا يزالون ينتظرون محاكمتهم.
وبتهم أخري لم يسلم الصحفيين من القمع بعد أن بدأت تركيا حملة القمع ضد الصحفيين قبل محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، إلا أن الحملة اشتدت بعد الانقلاب، وقامت السلطات بإغلاق أكثر من (100) وسيلة إعلامية بموجب مرسوم حكومي.
و يواجه غالبية الصحفيين السجناء في تركيا وبعض دول العالم بنسبة (70%) – منهم – اتهامات بمناهضة الدولة، واتهامات أخري من قبيل الانتماء إلى جماعات تعتبرها السلطات منظمات إرهابية، أو تقديم المساعدة إلى هذه الجماعات. وازداد عدد الصحفيين السجناء بسبب اتهامات بنشر “أخبار كاذبة”.
فقائمة الصحفيين السجناء التي أعدتها لجنة حماية الصحفيين في إحصائها السنوي العالمي وجدت (251) صحفياً على الأقل محتجزون بسبب عملهم، وتصدرت تركيا القائمة ضاربة الرقم القياسي بأكثر بلد سجن أكبر عدد من الصحفيين في العالم . ولكن تلك الدول الأمنية التي تعيش في ظل حكم فردي ديكتاتوري وأنظمة قمعية لن تتوقف عن القمع ، رغم وجود تركيا وغيرها ضمن قائمة الدول التي أقرت إعلان حقوق الإنسان العالمي الصادر عن الأمم المتحدة.
المصدر: “القمة نيوز” الالكتروني، 7 أيلول/سبتمبر 2019

