خطر توجيه ضربات غير مباشرة لا يزال قائمًا

الجمعة،7 شباط(فبراير)،2020

لم ينتهِ الانتقام الإيراني لمقتل سليماني بعد

كاثرين شاكدام 

لم ينتهِ الانتقام الإيراني لمقتل سليماني بعد

بعد اغتيال الأميركيين قاسم سليماني، دخل الشرق الأوسط في منعطف خطير، ويبدو أن إيران لن تكتفي بضرب قاعدة عين الأسد؛ إذ تحتاج لإشعال التوتر مع الولايات المتحدة لحشد جبهتها الداخلية المأزومة.

لقراءة المادة الأصل، أنقر على الرابط:

Wishful thinking: Is Iran truly done avenging the death of General Soleimani?

“إيلاف” من بيروت: إذا قُدر لإيران أن تلعب دورًا ثانويًا في “صفقة القرن” التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فقد يكون من الجيد أن نضع في الحسبان أنه في مواجهة الضغوط المتزايدة في الداخل والحاجة الملازمة لتعزيز مواقعها العسكرية الإقليمية في أعقاب اغتيال الجنرال قاسم سليماني، من غير المرجح أن تتخلى الجمهورية الإسلامية عن تهديداتها بالمزيد من الانتقام.

الراية الحمراء

على الرغم من أن خطر نشوب حرب واسعة النطاق يبدو متراجعًا حاليًا، فإنه سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن واشنطن وطهران سينسجان علاقات طبيعية وفقًا للوضع الراهن، خصوصًا أن الجنرال سليماني كان شخصًا محوريًا في خطط إيران الشرق أوسطية للتخلص من النفوذ الأميركي.

إذا كان قرار إيران رفع العلم الأحمر فوق مسجد جامكاران في مدينة قم الإيرانية يجسد دعوة إلى حرب عالمية ضد أعداء الله، وفقًا للتقاليد الشيعية الإسلامية، فإن قرار المرشد الإيراني علي خامنئي بضرب المصالح العسكرية الأميركية في العراق المجاور، في يناير الماضي، لا يمكن اعتباره إلا أول خطوة في خطة هجوم شاملة.

دعونا نقول الأمور كما هي: أصبحت فرص زعزعة الاستقرار أكبر كثيرًا بعد أن دخلت الولايات المتحدة رسميًا السباق الرئاسي، وعلى الرغم من استبعاد احتمال الصدام العسكري، فإن أي انتقام إيراني سيكون مدمرًا لكلا البلدين، وسيولد اضطرابات على مستوى العالم بدفع عدد من الدول للانجرار إلى المعركة، لذلك فإن قدرة طهران على إلحاق الأذى ليست محدودة.

يمكن الاستنتاج مما ذكرته آنفًا أن جهود التخريب ضد منشآت النفط السعودية، والعدوان العسكري من قبل الوكلاء الإقليميين، والهجمات الإلكترونية، والانتشار النووي وغيرها من التفاصيل، قد تصبح قريبًا خبزنا اليومي، بإذن من رئيس أميركي قصير النظر.

استخفاف ترمب

لا بد لي من الذكر أن هدفي من كتابة هذه المقالة هو أن نلاحظ أن الادعاءات الأولية لترمب بأن الولايات المتحدة لم تتكبد أي خسائر جسيمة خلال الضربة الصاروخية الإيرانية على العراق في 8 يناير الماضي، ضد الجيش الأميركي ردًا على اغتيال الجنرال سليماني، أثبتت في الواقع أنها غير دقيقة بشكل كبير.

أقرت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” الثلاثاء الماضي بأنّ عدد الجنود الأميركيين الذين أصيبوا بارتجاج في الدماغ جرّاء الصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران على قاعدة عين الأسد في غرب العراق ارتفع إلى 50 جنديًا. وأكد الناطق باسم البنتاغون توماس كامبل في بيان هذه الحصيلة الجديدة للقصف الإيراني، مشيرًا إلى أنّ “هذه هي الحصيلة في الوقت الراهن والعدد مرشّح للارتفاع”.

أوضح كامبل أنّ 31 من هؤلاء الجنود عولجوا في القاعدة وعادوا إلى الخدمة في وحداتهم، في حين أجلي 18 جنديًا إلى ألمانيا لتلقّي العلاج في مستشفى عسكري أميركي هناك، بينما نقل المصاب الأخير إلى مستشفى في الكويت.

قلل ترمب من خطورة إصابات الجنود الأميركيين الذين يخضعون للعلاج حاليًا نتيجة إصابتهم بارتجاج في الدماغ إثر الهجوم الإيراني على القواعد العسكرية في العراق، وقال في مؤتمر صحفي بدافوس: “سمعت أنهم يعانون من صداع وبعض الأشياء الأخرى. أستطيع أن أقول إن الإصابات ليست خطيرة جدًا”، معتبرًا أن إصابات الدماغ المحتملة أقل حدة من الأطراف المبتورة، على سبيل المثال.

حشد الداخل

يمكن أن نكتشف قريبًا أن إيران جادة حقًا في سعيها إلى الانتقام؛ إذ إن النظام الإيراني يحتاج إلى فعل يضخ الحياة في شرايينه. في مواجهة الضغوط المتزايدة في الداخل، ربما تختار الجمهورية الإسلامية إعادة توجيه الغضب العام ضد عدوها الولايات المتحدة، وبالتالي الحصول على دعم الشعب، حتى لو كان لفترة قصيرة فحسب، كما شهدنا في الأيام التي تلت اغتيال سليماني.

مع ترك مساحة صغيرة للتنيفس عن الإحباط المتزايد من ارتفاع معدلات البطالة والمستقبل الاقتصادي الكئيب، فإن النخبة الحاكمة في إيران قد تركز رهاناتها على الحرب لتأمين بقائها في السلطة بشكل أفضل.

يعود بنا هذا التحليل إلى الماضي، حيث يجادل البعض بأن نجاح إيران الثوري يعود إلى قرار صدام حسين اختراق دفاعاتها العسكرية. ومع توجيه مدافع العراق حينذاك إلى قرى إيران ومدنها، احتشد الإيرانيون حول روح الله الخميني، متعهدين بالقتال من أجل الوطن حتى النهاية.

لعبة النفط

بالنظر إلى المعطيات التي ذكرتها، يمكنني القول إن إيران لا تمتلك القدرة على التصعيد فحسب، لكن لديها كل الحوافز للقيام بذلك، من خلال الوكلاء والحرب غير المتماثلة، لتجنب إثارة رد فعل فوري من الولايات المتحدة. وتأتي محاولة الهجوم على أرامكو هذا الأسبوع بشكل مباشر ضمن هذا المنطق المتمثل في الانتقام المريح.

أعلنت جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن يوم الأربعاء 29 يناير الماضي، أنها شنت هجومًا واسعًا على مواقع في منطقة جازان السعودية طال منشآت لشركة “أرامكو” النفطية ومطارين وقاعدة عسكرية. وعلى الرغم من أن الهجوم قد تم إحباطه من قبل نظام الدفاع الجوي في المملكة العربية السعودية، فإن المزيد من المخاطر على سلامة المنشآت النفطية في المملكة لا تزال حقيقية وممكنة، فضلًا عن التأثير الذي سيحدثه هذا التصعيد على الأسواق العالمية.

لا شك في أن الولايات المتحدة أصبحت أقل اعتمادًا على النفط الأجنبي مقارنةً بالماضي، إلا أن الارتفاع المتواضع للأسعار قد يؤدي إلى حدوث ركود أوسع في اقتصادها، تمامًا كما حدث في عام 1990. وفي حين أن صدمة أسعار النفط ستعزز أرباح منتجي الطاقة الأميركيين، فإن الفوائد ستفوق التكاليف على مستهلكي النفط في الولايات المتحدة (الأسر والشركات).

في هذا السياق، بدهي القول إن اقتصادات العالم ستشعر أيضًا بالضيق، ما قد يؤدي إلى دوامة خطيرة من الأزمات. وبشكل عام، سوف يتباطأ الإنفاق والنمو الخاصين للولايات المتحدة، وكذلك النمو في جميع الاقتصادات الرئيسية المستوردة الصافية للنفط، بما في ذلك اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية وتركيا ومعظم الدول الأوروبية.

أشار مصرف الاستثمار العالمي “جي بي مورغان”، بأن إغلاق مضيق هرمز لمدة ستة أشهر قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 126 في المئة، إلى أكثر من 150 دولارًا للبرميل، ما يمهد الطريق لركود عالمي حاد. ووفق تقديراته، فحتى الاضطراب المحدود، مثل إغلاق المضيق لمدة شهر واحد، قد يدفع السعر إلى 80 دولارًا للبرميل.

الهجمات الإلكترونية

لكن النفط ليس سلاح إيران الوحيد. قد تثبت الهجمات الإلكترونية في وقت قريب أنها عنصر أساس في ذخيرة طهران الانتقامية. وبعد أيام من اغتيال سليماني، نصح المسؤولون الأميركيون الشركات ومشغلي البنية التحتية بالحذر الشديد. ومنذ أوائل يناير الماضي، أصدرت وزارة الأمن الداخلي عدة تحذيرات، وحتى قامت بتحديث النظام الاستشاري للإرهاب في البلاد بنشرة تتناول مخاطر الهجمات الإلكترونية الإيرانية.

نقلت شبكة “سي إن إن” الأميركية عن شركة “كلاود فير” لأمن الشبكات أنه بعد وقت قصير من اغتيال سليماني، زادت المحاولات التي تتخذ من إيران مقرًّا لها لاختراق المواقع الحكومية الفيدرالية والمحلية الأميركية بنسبة 50 في المئة، ثم واصلت تسارعها بعد ذلك. وجزم ماثيو برنس، الرئيس التنفيذي للشركة، بأن هذه الزيادة لها دلالة إحصائية خطيرة.

من المستحيل التنبؤ بدقة بنوايا إيران الحقيقية تجاه الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، إلا أن من الواضح أن انتقام طهران سيأتي في سلسلة من الهجمات، تهدف كل منها إلى إضعاف دفاعات أميركا ومكانتها الدولية، وإلى زعزعة استقرارها.

* كاثرين شاكدام محللة سياسية وباحثة تهتم بشكل خاص بالملف اليمني، مديرة وحدة اليمن في مؤسسة القرن القادم (Next Century Foundation)، ومستشارة سابقة في الشأن اليمني في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

موقع إيلاف