«كورونا» بين الحقيقة والخرافة والمؤامرة

السبت،21 آذار(مارس)،2020

د. جبريل العبيدي

في زمن «كورونا» ورائحة الموت، وفقدان الأحبة ودفنهم بعيداً في غياب ذويهم، وحبس الأنفاس البشرية، في مقابل تنافس شركات الأدوية ومراكز الأبحاث على إنتاج اللقاح المضاد، ومحاولات لاحتكار تجاري لأي لقاح يمكن الإعلان عنه، تطفو على السطح نظريات وفرضيات المؤامرة، في محاولة لتفسير الحدث بهذا المنظور، وأن الفيروس نتاج حرب جرثومية وبيولوجية بين الصين وأميركا.
فرضيات المؤامرة طفت للعلن بعد أن صرَّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، بأن «الجيش الأميركي ربما يكون قد نقل (كوفيد – 19) إلى مدينة ووهان الصينية»، اتهامات كررها حتى المرشد الإيراني في تغريدة قائلاً: «فيروس (كورونا) بناءً على الأدلة قد يكون هجوماً بيولوجياً»، ليردّ عليه وزير الخارجية الأميركي: «كان عليك منع الطيران إلى ووهان الصينية، وعدم سجن مَن تحدث عن الأمر».
في ظل تقاذف الاتهامات، تزعم الصين أن «الجنود الأميركيين الذين شاركوا في مهرجان الألعاب العسكرية هم الذين نشروا الفيروس في ووهان، بهدف القضاء على الاقتصاد الصيني، وإزاحته من أمام أميركا».
ومن جانبه، خصص الإعلام الروسي مساحات واسعة لاتهام أميركا والرئيس ترمب بالوقوف وراء «نشر الفيروس»، قائلاً إن «سلالة فيروس (كورونا) الصيني مخلّقة صناعياً. وإن المخابرات الأميركية وكبرى شركات الأدوية تقف وراء ذلك»، بدون دليل مقنع، سوى استشهاد بفيلم سينمائي أميركي عُرِض عام 2011، وهو فيلم «Contagion»، من إخراج ستيف سوديربيرغ، تحدث قبل سنوات عن كارثة مشابهة، حيث أظهر الفيلم الخفافيش، معتبراً أنها أصل تفشي الفيروس.

غياب الدليل على اتهام أميركا يرى البعض أنه ليس دليل براءة، خصوصاً أن الولايات المتحدة كانت تدير مختبراً في جورجيا، حيث كانت تختبر أسلحة بيولوجية.
فيروس «كورونا» طور نفسه إلى نوعين من الفيروسات؛ أحدهما الأكثر شراسة وعدوانية، والآخر الأقل فتكاً.
وسلاح الأوبئة كان جزءاً من الحروب السابقة، ورغم توقيع الصين وأميركا على معاهدة منع السلاح البيولوجي، فإن فرضية اشتعال حرب بيولوجية بين الطرفين تبقى قائمة، في ظل تصريحات القائد السابق لحلف «الناتو»، جيمس ستافريديس، الذي تحدث عن أسلحة بيولوجية وأوبئة يمكن أن تقضي على خُمس سكان الأرض.
وفي خضم حرب التلاسن بين أميركا والصين ورمي التهم بينهما، نفت الباحثة شي جينغلي في معهد ووهان للفيروسات، أن يكون المعهد أصل انتشار الفيروس، وقالت: «الطبيعة تعاقب البشر على العادات غير الحضارية»، وهي بذلك تقصد أكل الخفافيش والثعابين والفئران والكلاب والقطط وطبخها حية تحت شعار «كل ما هو حي يؤكل»، فالخفافيش، الأكلة الشعبية في الصين، هي حاضنة الفيروس، وهي مأكول شعبي لدى الصينيين، مما يجعل فرضية انتقالها حقيقة علمية تستبعد فرضية المؤامرة، وتجعلها تحت عنوان الشائعات والخرافات، رغم أن التراث والثقافة الغذائية الصينية لم تتغير منذ مئات السنين، لتتهم اليوم بنشر الفيروس المرعب.
نظريات المؤامرة صاحبت ظهور الطاعون في القرن الرابع عشر، والإنفلونزا الإسبانية، عام 1918، وإصابة «حقن» أطفال بفيروس الإيدز في مستشفى بليبيا عام 1998، بدون الوصول إلى دليل يثبت أو ينفي تلك النظريات، لتبقى معلّقة من دون تفسير.
فالسخرية والتهكم من نظرية المؤامرة بل وحتى الاستخفاف بها لا يدحضها، بل يجعلها معلّقة لحين دحضها أو إثباتها ضد الصين أو أميركا أو حتى إلصاقها بطرف ثالث.
ولكن يبقى الأمل يلوح في الأفق في ظل عدم تسجيل حالات جديدة في ووهان، البؤرة الأولى، أي حالات جديدة، مما يجعل إمكانية رؤية الضوء في نهاية نفق «كورونا» بارقة أمل في الخلاص منه.
الشرق الأوسط