ليس بالكراهية تُبنى الأوطان
ميشال شماس*
تسود اليوم في أرجاء المعمورة وخاصة في عالمنا العربي موجات خطيرة من الكراهية، كراهية قائمة على العنف والتعصب بين معتنقي الكثير من الديانات ومنتمي الكثير من الأثنيات والعرقيات، ومما يدعو لكثير من الأسف والقلق أن هذه الموجات باتت اليوم مألوفة إلى حد بعيد، إذ يتكرر حدوثها في كثير من دول العالم، ففي الأمس القريب قتل كثير من المسلمين وهم يصلون في مساجدهم وتم تخريب مواقعهم الدينية، كما تعرض مسيحيون للقتل وهم مستغرقون في صلواتهم واحرقت كنائسهم، وقتل العديد من اليهود في معابدهم وشوّهت شواهد قبورهم، وحتى الأقليات والمهاجرين واللاجئين والنساء والأطفال وكل من يقول: “أنا مختلف” لم يسلموا أيضاً من خطاب الكراهية الذي بات ينتشر في مجتمعاتنا كانتشار النار في الهشيم، بعد أن استغل المتعصبون من كل الأطياف وسائل التواصل الاجتماعي في نشر خطاباتهم المسمومة بالكراهية والحقد، مهددين بذلك الاستقرار النسبي الذي نعشيه على هذا الأرض.
لقد حذر الكثير من المفكرين ودعاة السلام ونشطاء حقوق الانسان من أن موجة الكراهية التي نشهدها اليوم باتت تشكل تهديداً خطيراً ليس على التماسك المجتمعي والقيم الإنسانية المشتركة وحسب، بل وأصبحت تهدد قضية السلام والاستقرار والتنمية المستدامة والكرامة الإنسانية في العالم أجمع، ودعوا إلى تكاتف جميع الجهود الدولية لوقف خطاب الكراهية أو الحد منه على أقل تقدير وتضييق نطاق انتشاره ما أمكن.
يكفي المرء جولة سريعة على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى يكتشف دون عناء مدى انتشار الكراهية في مجتمعاتنا العربية والخطر الذي باتت تشكله على الاستقرار الهش الذي نعيشه في مجتمعاتنا، فما هي الأسباب التي ساعدت على انتشار خطاب الكراهية وكيف السبيل لمواجهته ومعالجته؟
من الثابت أن الكراهية لا تولد مع الانسان، بل هي شعور يكتسبه الانسان من محطيه ابتداء من أسرته في البيت ثم بعد ذلك ما يمكن أن يتعلمه من المناهج الدراسية في المدرسة والجامعة، وما قد يسمعه خطابات دينية في دور العبادة تكفر الآخر، وصولاً إلى وسائل الإعلام المختلفة ولاسيما وسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت اليوم إلى مرتع لانتشار وتغذية خطاب الكراهية بين الناس دون أية ضوابط ساهمت وتساهم في تفاقم التوترات المجتمعية والعرقية، وأدت إلى وقوع هجمات في العديد من دول العالم، يضاف إليها غياب أو ضعف الرادع القانوني الذي يعاقب على نشر خطاب الكراهية، كما وأن انتشار الفقر والمظالم وغياب العدالة يساهم أيضاً في تغذية مشاعر الكراهية في المجتمع.
فالكراهية لا تولد غير الكراهية، ولا يستطيع إنسان أن يبني وطناً ولا حتى بيتاً فوق الكراهية والحقد، بل إنه كمن يبني فوق مستنقع. وحيث تنتشر الكراهية تتفكك الروابط الاجتماعية وتنهار لبناته الأسرية، والكراهية تدمر الأوطان والمجتمعات، واستمرارها يؤدي إلى حدوث كوارث ومآسي ومذابح كما حدث في العقود الأخيرة، حيث كان خطاب الكراهية هو النذير بقرب وقوع الفظائع، بما في ذلك الإبادة الجماعية، من رواندا حيث قُتل ما يقارب مليون شخص على أساس عرقي في غضون ١٠٠ يوم، واضطر أكثر من ٧٠٠.٠٠٠ من الروهينغيا إلى الفرار من بلدهم ميانمار واللجوء إلى بنغلاديش بسبب العنف الذي تعرضوا له، وليس انتهاء بما حصل في البوسنة وكمبوديا وما يحصل في سوريا والعراق ولبنان..
وانطلاقاً مما تقدم لابد من مواجهة خطاب الكراهية وتجفيف المنابع التي يتغذى منها، أولاً من خلال التوجيه الأسري بالتواصل مع الأسر وتنبيهها إلى ضرورة نبذ الكراهية وتعزيز مشاعر المحبة والاحترام بين أفرد الأسرة في البيت، وثانياً إيلاء الاهتمام بالعملية التربوية في المدارس والجامعات من خلال تنقيح المناهج المدرسية وتنظيفها مما يكون قد علق بها من بذور الكراهية ومن أية مواد قد تثير النعرات الطائفية والتمييز، والتركيز على تضمين المناهج الدراسية موضوعات وأنشطة من شأنها أن تعزز ثقافة التعدد والاختلاف وقبول الآخر واحترام حقوق الانسان. وثالثاً سن تشريعات تشدد العقاب على كل من يساهم في الترويج لخطاب الكراهية والعنصرية والعنف، ورابعاً من خلال التشديد على وسائل الإعلام بأهمية الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية التي تنبذ العنف والكراهية والتعصب وبيان أهمية التسامح والمحبة وقبول الأخر ونبذ كل ما هو خلاف ذلك، ولا بأس هنا من تدريب كوادر إعلامية على كيفية مواجهة خطاب الكراهية في وسائل الإعلام، وخامساً ضرورة التوجيه إلى المسؤولين عن دور العبادة بأن ترتكز خطاباتهم على القيم الروحية والأخلاقية المشتركة والمحبة بين الناس ونبذ كل تطرف وكراهية وتمييز.
الكراهية ليست قدراً، فكلّ واحد منّا يمكنه المساهمة في مواجهة خطاب الكراهية، والكثير منّا اليوم متصلون عبر شبكة الإنترنت، وعلينا جميعاً واجب المشاركة في مكافحة خطاب الكراهية حتى ولو لم نكن مستهدفين شخصياً منه، علينا أن نتضامن مع من يتم استهدافه، وأن يشعر ضحايا خطاب الكراهية بدعمنا وتضامننا معهم، وأن نكون صوتاً لهم ينقل معاناتهم.
- محامي سوري
المصدر: موقع “بروكار” الالكتروني

