مانديلا.. ثقافة السلام

السبت،18 تموز(يوليو)،2020

مانديلا.. ثقافة السلام

عبد الرزاق الكوي

اختارت الأمم المتحدة الـ ١٨ من تموز/يوليو من كل سنة يومًا للاحتفال بذكرى ميلاد مانديلا وأطلقت عليه اليوم الدولي لنيلسون مانديلا وذلك اعترافا بإسهامه في ثقافة السلام والحرية، فقد تفانى على مدار ٦٧ عاما مناضلا من أجل السلام والمصالحة والديمقراطية.
كتب في هذه المسيرة تاريخ من المجد، وبصمة مشرقة في حياته والعالم من حوله، ذكرى طيبة تبقى خالدة بما أعطى وتفانى، فبادله العالم أجمع حب وتقدير واحترام، لم يساوم على مبدأ ولم يتنازل عن قيم، شق طريق ليس مزروع بالورد، بل بالمعاناة والآلام والظلمات، لم ينكسر ولم يهادن ولم يستسلم طوال أيام حياته رغم تكالب الظروف وكثرة المحن وقلة الناصر وكثرة الأعداء، طلب الحرية فدفع ثمنها جل سني حياته، ليرسم المستقبل المشرق على شفاه شعبه بل وصل عناءه العالم أجمع ليكون مثالا ناصع لنعم المناضل، فكان أمة في فرد، رجل قل مثيله في الحياة، فالعالم يبحث اليوم عن منقد عالم تسيطر عليه الماديات والمصالح الشخصية والبعد عن المبادئ، يسيطر فيه القوي على الضعيف، بإرادته كسر أغلال العبودية، فكان أمل وبالعمل تحقق الأمل، قدمت فيه التضحيات والقرابين، كان شمعة أضاءت العالم، إرادة صنعت حياة، وشبابًا وهبه لمستقبل أمه، فكانت الكرامة من فرد لأمه وللعالم أجمع، إن الدنيا لازالت بخير وتحتاج أمثال مانديلا الذي حورب وسجن ونكل به من أجل إسكات صوت الحق وطمس العدالة.
جنوب أفريقيا كانت تعيش واقع مأساوي من العنصرية البغيضة، والدمار الاجتماعي، والظلم السياسي، من أجل أن لا تقوم لهذا البلد قائمة، وإخماد كل مشروع من أجل تغيير الواقع المظلم والدعم الدولي لهذه المظلومية. فقال مانديلا كلمته:
“إن مثلي الأعلى كان مجتمعًا حرًا ديموقراطيًا، إني مستعد لأن أضحي بحياتي في سبيل ذلك”. فضحى ب٢٧ عامًا في السجن وسنوات أخرى من سني عمره يصلح ماخربته العنصرية في جسد البلاد، وخط بيده تاريخ ناصع يكتب بماء الذهب.
عمر حافل بالجهد والعزيمة لا تقهر كان الانتصار، والبدء بالتصحيح في واقع لم يشهد له التاريخ مثيل، كانت الإرادة هي المحرك والصبر هو الدافع للمسيرة التي توجت بالنصر الحافل والمشرق، أصبحت هذه المسيرة الظافرة بالإصرار من الصعب الاحاطة بقامة وشخصية عظيمة قل مثيلها، وكم يحتاج العالم أمثال مانديلا رائد السلام والمحبة والتآخي، فقد جمع المجد من أطرافه، ليستحق لقب “أبو الأمة” بعد عناء من النضال ضد العنصرية التي بدأت منذ عام ١٩٤٨
كرمته الأمم المتحدة يوم ميلاده يومًا عالميًا منذ عام ٢٠٠٩، واختارته قبلها سفيرًا للنوايا الحسنة في عام ٢٠٠٥.
العالم يتذكر اليوم مانديلا، مع كل عنصرية تنتهك فيها الإنسانية، ويذكر في الحروب المفتعلة في العالم، وانتهاك حقوق الإنسان في أرجاء الأرض، العالم يحتاج إلى بارقة أمل من الحرية والتسامح والغفران والتآخي والعدالة، افرج عنه في ١١ شباط/فبراير ١٩٩٠ بعد ضغوط دوليه، هذا ما حقق مانديلا خلال حياته الحافلة توج بأن أصبح رئيسًا للبلاد بين عامي ١٩٩٤ – ١٩٩٩، وحصل على جائزة نوبل للسلام عام ١٩٩٣، حيث بدأ حياته السياسية في العشرين من عمره، في ختام هذا العمر المديد أسس منهجًا ثابتًا استطاع من هذا الجهد تحت زعامته أن يؤسس لمجتمع مبني على المساواة والتسامح والسلام، رغم صعوبة كل مرحلة من مراحل حياته، قبل أن يسجن وخلال سنين حياته وراء القضبان لم تدمره أو يتراجع قيد أنملة عن مشروعه التسامحي أن لا مستقبل للسود من دون البيض ولا مستقبل للبيض بدون السود في جنوب أفريقيا من أجل بناء دولة حديثة تصبح مضرب المثل بعيدًا عن اختلافات في الدين واللون والعرق والطبقة الاجتماعية، الجميع شركاء في حماية وبناء الوطن.
مانديلا سوف يبقى راية خفاقة تبعث الأمل لكل مجتهد أن يثابر من أجل تحقيق ما يصبو له في حياته العملية مهما واجهته الصعاب ووقفت في وجهه العقبات، أن يرتقي الجميع في عالم يسوده التسامح وسماته التآخي، ونبذ الكراهية وروح الانتقام والعنصرية والأحقاد المذهبية والعرقية.
توفي في ٥ كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٣ عن عمر ناهز ٩٥ عامًا، أسس فيها دولة اليوم هي من أكثر الدول التي تنشط فيها ثقافة التسامح ويعم فيه السلام، تنعم بالتقدم والازدهار في كثير من شؤونها السياسية والاقتصادية، وحقوق الإنسان، دولة متقدمة صناعيًا وتحسن كبير في المجال الاقتصادي والصحي وتراجع مستوى البطالة، ومحاربة الفقر. ومؤسسات قوه ومستقرة، وشهد قطاع التعليم تحسنًا كبيرًا، رثاه العالم أجمع بكلمات حزينة، عم فيه الأسى جنوب أفريقيا بفقدهم أبو الأمة ورائد الحرية وباني الدولة.

المصدر: جهينة الإخبارية