مذكرة قانونية بخصوص “قانون حماية وإدارة أملاك الغائب”

الأربعاء،12 آب(أُغسطس)،2020

نسخة إلى الرئاسة المشتركة للمجلس العام للإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا
تحية وبعد:
تعلمون جيداً مدى ما تواجهه منطقتنا من تحديات وتهديدات ومخاطر، داخلية وخارجية، وما تحاك ضدها من مؤامرات للنيل من حالة الاستقرار والتماسك الاجتماعي وتعايش المكونات القومية والسياسية والدينية فيها، ما يستدعي منا جميعاً، وخاصة الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا لتوفير مستلزمات – باعتبارها سلطة وصاحبة القرار – العمل الجاد والدؤوب من أجل التصدي لها ومواجهتها، لسد جميع الثغرات الموجودة، وعدم خلق الحجج والمبررات التي تزيد من قوة الثغرات وحدّتِها، وتساعد على إنجاحها، ومنها تلك التي يوفرها القانون رقم (7) لعام 2020، الصادر عن الرئاسة المشتركة للمجلس العام للإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، والخاص بحماية وإدارة أملاك الغائب.
لن نسهب كثيراً في الجوانب التي ذكرناها، فما يهمنا هنا هو لفت الانتباه إلى ما في هذا القانون من مغالطات قانونية وتعارض مع القوانين المحلية، سواء الصادرة عن الإدارة الذاتية أو المعمول بها في سوريا، والدولية؛ وما يشكله من إجحاف لا حدود له بحق الإنسان في الملكية الخاصة الذي هو حق أساسي من حقوق الإنسان، صانته وحمته القوانين الدولية والمحلية، وذلك للأسباب التالية:
*عرفت المادة (1) الغائب بأنه كل شخص يحمل الجنسية السورية أو ما في حكمها (مكتومو القيد أو المجردون من الجنسية السورية بإحصاء عام 1962) ويقيم إقامة دائمة خارج حدود سوريا ولا يقيم أحد من أقاربه من الدرجة الأولى أو الثانية في سوريا”.
وهو ما يعتبر تجاهلا لحق المواطن الغائب الذي لا يستطيع إدارة أملاكه، توكيل غيره بذلك، بموجب وكالة قانونية منظمة أصولاً وصادرة من الجهات المختصة، حيث حصر ذلك بالأقارب من الدرجة الأولى والثانية، علماً أن نظام الوكالة حق قانوني معتمد في كل دول العالم، بموجبه ينتقل سلطات وصلاحيات الأصيل إلى الوكيل، ويحق لكل من يريد ممارسته اللجوء إليه. إذا لماذا تم تجاهل ومصادرة هذا الحق القانوني؟
وهو ما نصت عليه المادة (203) من قانون الأحوال الشخصية السوري على أن “الغائب هو الشخص الذي منعته ظروف معينة قاهرة من الرجوع إلى مقامه أو إدارة شؤونه بنفسه أو إقامة وكيل عنه مدة أكثر من سنة، وتعطلت بذلك مصالحه أو مصالح غيره”.

  • جاء في الفقرة (أ) من المادة الرابعة من القانون “تعتبر كافة العقود المبرمة قبل صدور هذا القانون على أملاك الغائب وكذلك التي ترتب حقوق للغير مؤقتة”، وفي الفقرة (ب) من المادة نفسها “يتوجب على اللجنة إعادة النظر فيها وتدقيقها وتسوية وضعها خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدور هذا القانون”.
    ما يعني سريانه بأثر رجعي، خلافاً لمبدأ “عدم رجعية القوانين”، فالأصل في تطبيق القوانين هو سريانها على القضايا والمعاملات اللاحقة لصدورها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمتد أثرها إلى القضايا والمعاملات السابقة لصدورها.
    *جاء في المادة (6) “للقيم – أو من يفوضه – رفع الدعاوى وأن يكون مدعياً ضد أي شخص ومدعى عليه، ويمثل الغائب أمام دواوين العدالة بكافة القضايا التي تتعلق بالغائب وأملاكه”.
    وهنا أيضاً منح “القانون” وأعطى سلطة من يفترض أن يكون وكيلاً عن الغائب لجهة أخرى أسماه “القيم”، علماً أن القيم في القانون، هو الذي يقوم بإدارة أموال المجانين والمعتوهين والسفهاء والمغفلين!؟ فهل الغائبون عن مناطقهم بهذه الصفات؟!
    *نصت المادة (7) “للمتضرر من قرارات اللجنة الاعتراض عليها خلال (30) ثلاثين يوماً من تاريخ نشرها في لوحة الإعلانات أو علمه بهذا القرار، أيهما أقصر أجلاً.
    ومهلة الاعتراض هذه في غاية الصعوبة، لا بل أنها تعجيزية في ظل ظروف الإقامة في المهجر وعدم وجود ممثليات رسمية للإدارة الذاتية فيها، وكذلك في ظل فرض حظر التنقل على الناس في جميع دول العالم مع انتشار جائحة كورونا العالمي، ما قد يدفع بأصحاب الأملاك من هؤلاء بيع أملاكهم في حال عجزهم عن الحضور ضمن المهلة المذكورة، وذلك من أجل تفادي ما هو أسوأ من إدارة واستثمار هذه الأملاك، ألا وهو المصادرة، وهذا ما ينتج عنه بالضرورة قطع صلاتهم بوطنهم بشكل نهائي، سواء بالعودة إليه أو الاستثمار الاقتصادي فيه.
    *ونصت المادة (10) “يحق للجنة تأجير واستثمار أملاك الغائب ووضعها في خدمة تنمية المجتمع دون تغيير أوصافها”.
    وهذا يشكل تعدياً على حق الملكية الذي هو حق طبيعي وأساسي من الحقوق الإنسانية وفق اعتراف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان – المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 1 من البروتوكول الأول للاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان – وأغلب قوانين ودساتير دول العالم.
    *جاء في الفقرة (أ) من المادة (14) على الغائب أو أحد أقربائه من الدرجة الأولى أو الثانية التقدم إلى اللجنة بطلب يعلن فيه رغبته بالعودة واستلام أملاكه والإقامة الدائمة في سوريا”. كما جاء في المادة (15) “لا يعتد بأي تصرف يصدر عن الغائب الذي عاد وتسلم أملاكه من اللجنة خلال سنة واحدة من استلامه لها ولا ينتج هذا التصرف أي آثار قانونية ولا يرتب أي الزامات إلا إذا حصل على إذن خطي من رئاسة اللجنة المعنية يتيح له هذا التصرف قبل إبرام أي التزام”.
    هذان النصان يفرضان على الغائب العودة القسرية إلى المناطق التي يشملها “القانون”، ما يعتبر مخالفة صريحة وواضحة لحق الإنسان في الحرية والتنقل سواء ضمن داخل دولته أو إقليمه أو خارجها والعودة إليها متى شاء دون أية قيود، وهو حق كفله وصانه القوانين والتشريعات الدولية، حيث أن ما جاء في المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حول هذا الموضوع، ما هو إلا دليل على تقديس هذا الحق وحمايته وصيانته.
    *نصت المادة (11) “يقع على عاتق اللجنة إدارة أملاك الغائب طيلة فترة غيابه وتعاد إليه بحضوره أو حضور أحد أقربائه من الدرجة الأولى أو الثانية، بعد أخذ موافقة رئاسة المجلس التنفيذي الموجودة بدائرته أملاك الغائب”.
    وهنا أيضاً وكما في جميع المواد الأخرى التي جاءت في “القانون” وذكرت القرابة ودرجاتها، لم يتم تحديد ماهية القرابة ونوعيتها، وهل هي قرابة الدم، أم قرابة المصاهرة؟ الأصل في القوانين أن تكون واضحة لا تقبل التأويل والتفسير.
    *نصت الفقرة (أ) من المادة (19) “فيما يخص أملاك السريان الأشوريين والأرمن تقوم لجنة ممثلة عنهم بإدارة الأملاك المذكورة وفق أحكام هذا القانون”. كما نصت الفقرة (ب) من نفس المادة “لجنة أملاك السريان الأشوريين والأرمن تتخذ قراراتها فيما يخص بيع وشراء واستثمار أملاك السريان الأشوريين والأرمن الموجودين ضمن شمال وشرق سوريا”.
    وجود أحكام خاصة لبعض فئات ومكونات المجتمع في المنطقة التي يستهدفها القانون دون الأخرى، فيه انتهاك واعتداء على مبدأ المساواة القانونية – المساواة أمام القانون – الذي بموجبه بخضع جميع أفراد المجتمع لنفس القوانين، تنص المادة (7) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة عنه دون أية تفرقة، كما أن لهم جميعاً الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تمييز كهذا”، ووفقاً للأمم المتحدة، يعتبر هذا المبدأ على وجه التحديد في غاية الأهمية للأقليات والفقراء، وبالتالي يجب أن يعامل القانون والقضاة والمشرعون.. كل فرد من خلال القوانين ذاتها بغض النظر عن النوع، أو العرق، أو الدين، أو الحالة الاجتماعية والاقتصادية.
    *وأخيراً فأن القانون الذي نحن بصدده يخالف بنود العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، وهو كما تعرفون يعتبر بمثابة الدستور، الذي يفترض أن يكون القانون الأعلى والأسمى الذي يجب أن تبنى القوانين الأخرى عليه وتنسجم مع أحكامه، خاصة وأن العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، نص على صيانة وحماية الملكية الخاصة ومنع التعدي والاستيلاء عليها، أو التعرض للمالك في كيفية إدارة واستثمار أمواله بالشكل الذي يريده ويناسبه، إضافة إلى أن هذا العقد نص على احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية واحترام المواثيق والعهود الدولية والتزامه بها، وكلها تنص على حماية حق الملكية الخاصة وصيانته وعدم جواز الاعتداء عليه.
    لكل ذلك، ولأن الهدف الأساسي لأي إدارة أو مؤسسة من وراء إصدار التشريعات، هو تنظيم حياة الناس وتحقيق الاستقرار في المعاملات في إطار احترام حقوق الإنسان والحق في المساواة…، وهو ما لا يمكن تحقيقه بموجب هذا القانون، بل على العكس تماماً كما ذكرنا فأن تطبيقه لن يجلب سوى الاضطراب والفوضى والتوتر وهدر العدالة وحقوق الإنسان، لذا فأننا، نطالب:
    بإلغائه واعتباره وكأنه لم يكن، خاصة وأنه صادر عن جهة لا تملك صلاحية إصدار القوانين، فالرئاسة المشتركة للمجلس العام في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، التي أصدرته، هي جهة تنفيذية وليست جهة تشريعية، ومن البديهيات في القانون إن إصدار القوانين في كل دول العالم هو من صلاحيات الجهات التشريعية، وعدا ذلك يعتبر “تعدياً” على الاختصاص من سلطة على سلطة أخرى.
    *يقصد باللجنة: لجنة حماية أملاك الغائب، حيث عرفتها المادة (1) من “القانون، بأنها لجنة تشكل بقرار من المجلس التنفيذي وتتألف من 11 شخصاً من جميع مكونات شمال وشرق سوريا، يترأسها قيمان، ومهمتها القيام بكل الأعمال الإدارية، وحصر أملاك وأموال الغائبين وصيانتها والمحافظة عليها، وتنظر في الاعتراضات المقدمة لها من المتضررين من القرارات الصادرة عنها، وتتبعها لجان فرعية في الإدارات الذاتية والمدنية.

مركز عدل لحقوق الإنسان
10 أب/أغسطس 2020