حرية التعبير والتعبير عن الحرية في الاعلان العالمي لحقوق الإنسان
كتب غسان صليبي
قلبي على فرنسا. قلبي على شعبها المتعدد الاديان والثقافات والجنسيات، الذي كان يعيش بحرية وبسلام، في بلد علماني لا يزال يحرص على العدالة الاجتماعية رغم السياسات النيوليبيرالية غير العادلة في القارة الاوروبية.
قلبي على باريس التي عشت فيها وأزورها مرة في السنة على الاقل، ويكفيني في زياراتي أن اتسكع في شوارعها.
كتبت مرة عن التسكع في باريس: “الثقافة وليس كتابا محددا، الفن وليس فيلما او موسيقى محددة، الأنوثة وليس إمرأة محددة، هو ما يغمرك ويعانقك وانت تتسكع في باريس. تمشي مطمئنا على انسانيتك، فخورا بها وانت في حضرة الحرية والمساواة والإخاء، ثلاثي الثورة الفرنسية، قيمك الانسانية العليا، ترافقك أينما تسكعت”.
عندما أخاف على فرنسا أخاف على إنسانيني، التي تعرضت وتتعرض على الدوام الى التحدي، بفعل الحساسيات المسيحية – المسلمة، التي نتعايش معها في لبنان منذ ما قبل نشأة الكيان، والتي تقض مضاجع الفرنسيين اليوم، نتيجة سلسلة من المواقف وأعمال القتل والذبح، التي أطلقت موجتها رسوم كاريكاتورية تسيء الى النبي محمد، ونشرتها جريدة “شارلي إيبدو” الساخرة منذ سنوات وجرى التذكير بها منذ مدة.
الخلاف الظاهر يدور حول مفهوم “حرية التعبير” بالنسبة إلى العلمانية الفرنسية كما بالنسبة إلى الكثير من المسلمين، هذه الحرية التي تجسدت بالرسوم الكاركاتورية. فهل يحق لحرية التعبير في بلد ما ان تسيء الى معتقدات جماعة كبيرة تعيش في هذا البلد، لا بل الى ما تعتبره هويتها؟
في المقابل هل يحق لجماعة ولو كبيرة ان ترفض حرية التعبير في بلد علماني تعيش فيه، ويعتبر حرية التعبير في صلب المبادئ التي قامت عليها الجمهورية ودساتيرها وقوانينها؟
ليس موضوعي هنا ان اناقش الخلفيات التاريخية (الاستعمار) والاجتماعية (مشكلة اندماج المسلمين في البيئة الفرنسية) والدينية (نظرة الدين الاسلامي الى الحريات بشكل عام وحرية الفكر بشكل خاص) والنفسية (شعور المسلمين بالدونية الوطنية كمهاجرين سابقين) والسياسية (رفض انتقاد الصهيونية بحجة رفض معاداة السامية)، التي تجعل من “حرية التعبير” موضوع خلاف بين المنتمين الى الحضارة الغربية من جهة والقادمين من البلدان الاسلامية من جهة أخرى.
أكتفي هنا بالإقرار بوجود هذه الخلفيات، كأسباب موضوعية للخلاف الفكري.
ما يقلقني هو ان الخلاف لا يقف عند الاختلاف في الرأي. فبحسب ما علمت من أصدقاء يعيشون في فرنسا ومن تحقيقات ومقالات صحافية، هناك شعور بالغضب والخوف عند أكثرية الفرنسيين الذين على ما يبدو اصبحوا يعانون من رهاب الاسلام، يقابله شعور بالغضب والخوف عند أكثرية المواطنين الفرنسيين المسلمين، الذين على ما يبدو أيضا اصبحوا يعتبرون انفسهم مضطهدين من مجتمع يرفض معتقداتهم او يسخر منها. فضلا عن تعاطف واسع معهم من الكثير من المسلمين حول العالم.
أكتفي في هذه المرحلة الاولى من مناقشة الموضوع، بالعودة الى الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الذي يتناول الحريات والحقوق الانسانية، ومن بينها حرية التعبير، علني أجد منطلقا موثوقا به، او ربما جامعا، لمقاربة المشكلة المطروحة، على قاعدة مشتركة.
مع عدم إغفالي ان بعض المسلمين لا يتقبلون هذا الاعلان كمرجعية عالمية، فقد صدر سنة ١٩٩٠ “إعلان القاهرة لحقوق الانسان في الاسلام” الذي أقره مجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الاسلامي، ويؤكد “حرية الانسان وحقوقه في الحياة الكريمة التي تتفق مع الشريعة الاسلامية”.
ما اطرحه ادناه هو الآتي: دعوة المسلمين للانضمام إلى المفهوم العالمي لحقوق الانسان والعمل على تطبيقه في مجتمعاتهم.
في الوقت نفسه، لا اغفل ان العلمانية الفرنسية لا تغرف فقط من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، بل من تجربتها الخاصة التي لا تخلو من الاصطدام العنيف مع الدين المسيحي والفكر الديني بشكل عام.
ما سأطرحه هو أيضا دعوة إلى العلمانية الفرنسية لإعادة قراءة مبادئها على ضوء احترام حقوق الانسان كما نص عليها الاعلان العالمي.
تقول الجملة الاولى في ديباجة الإعلان العالمي: “لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الاسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو اساس الحرية والعدل والسلام في العالم…”.
إن اساس الحرية إذا، بحسب الاعلان العالمي، هو الاعتراف بالكرامة المتأصلة في الانسان. اي ان الكرامة الانسانية هي مصدر الحرية وسبب وجودها. والكرامة هي حق الفرد في ان تكون له قيمة وان يحترم لذاته، وان يعامل بطريقة أخلاقية. في هذا الاطار المفهومي لا يمكن للحرية ان تتحول ضد مصدرها، اي ضد الكرامة الانسانية، المتجسدة في كل فرد منا، بغض النظر عن اي مواصفات أخرى. عندما تطال الحرية الكرامة الانسانية، تقضي على ما يبرر وجودها، اي تنفي نفسها.
تقول المادة الاولى من الاعلان نفسه: “يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم ان يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء”.
بحسب هذه المادة يولد الناس أحرارا ومتساوين وقد وهبوا العقل والوجدان، لكن “عليهم” ان يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء. الحرية والمساواة والإخاء، ثلاثية الثورة الفرنسية، نراها مجتمعة هنا في المادة الاولى من الاعلان العالمي. لكن بينما الحرية والمساواة والعقل والوجدان تولد معنا كبشر، الا ان المطلوب استخدامها في جو من الإخاء بيننا. في حين ان الحرية “تحصيل حاصل” بالولادة، يتطلب الإخاء إرادة وجهدا يجب على البشر توفيرهما. يبدو الإخاء هنا شرطا من شروط ممارسة الحرية، وهو بحسب الاعلان العالمي شرط ضروري، إذ ان الاعلان يستخدم كلمة “عليهم” عندما يطالبهم بالتعامل بعضهم مع بعض بإخاء.
وأخيرا تتناول المادة ١٩ حرية التعبير مباشرة: “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في إعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الانباء والافكار وتلقيها ونقلها الى الآخرين، بأية وسيلة ودون اعتبار للحدود”.
من الملاحظ ان الاعلان العالمي لا يفصل بين حرية الرأي وحرية التعبير، فيقول بالحق “بالتمتع بحرية الرأي والتعبير”، وكأن المقصود بحرية التعبير هو تحديدا التعبير عن رأي. فهي بحسب المادة تعني نقل الأنباء والافكار، بأي وسيلة. في هذا السياق، إن تقييد حرية التعبير، لا يمكن أن يكون بتقييد حرية الرأي، فهما غير منفصلين. بل يكون التقييد لحرية التعبير ربما، من خلال تقييد طريقة التعبير عن هذا الرأي، بشكل لا يمس بالكرامة الانسانية والإخاء بين البشر، كما هي الحال مع الحريات جميعها. وهذا ما تطرقت اليه اعلاه.
أي انك اذا اردت منع الاساءة الى الرموز الدينية من خلال طريقة التعبير، فعليك تقييد طريقة التعبير من دون الحد من حرية الرأي، التي تفترض حرية انتقاد هذه الرموز ومعتقداتها. وهذا ما على المسلمين أن يتقبلوه من جانبهم.
لا يمكن لهذا التقارب الفكري ان يتم، من دون إدانة واضحة من الاسلام للقتل بشكل عام وللقتل كرد على الإساءة للرموز الدينية بشكل خاص. هذه المساواة بين الفعل ورد الفعل، بين حرية التعبير وحرية القتل، التي تمظهرت بردود بعض المسلمين حول العالم على أحداث فرنسا، هي أكثر ما يجب نقده عند هؤلاء المسلمين.
طبعا جرى استنكار عمليات الذبح والقتل من مراجع اسلامية ومن الكثير من المسلمين. لكننا لم نسمع بعد موقفا عقائديا حاسما من عمليات القتل بهدف نصرة الدين الاسلامي. فالموقف من “داعش” كان متذبذبا ولا يزال، ولعل أبرز تجلياته، تصريح شهير لشيخ الازهر احمد الطيب، قال فيه سنة ٢٠١٥ بعدم جواز الحكم على “داعش” بالكفر حتى ولو ارتكب الفظائع، طالما انه “لا يخرجكم من الايمان الا إنكار ما إدخلت به”.
لا يستطيع مسلمون الانتصار لكرامة نبيهم بمجرد انه أسيء اليه كاريكاتوريا، وفي الوقت نفسه التسامح مع قتل انسان حتى ولو لم يكن له علاقة بالموضوع. فبحسب إعلان القاهرة نفسه حول حقوق الانسان في الاسلام، “جميع الناس متساوون في اصل الكرامة الانسانية”.
المصدر: جريدة “النهار” اللبنانية

