يُشَكِّل الدستور ضمانة لليمقراطية وحقوق الإنسان

الثلاثاء،10 تشرين الثاني(نوفمبر)،2020

يُشَكِّل الدستور ضمانة لليمقراطية وحقوق الإنسان

د. ماجد احمد الزاملي
 
إن الإشارة إلى مبادئ الحكم الرشيد في الدستور تأتي تكريساً لشرعية هذه المبادئ (إضفاء مظلة من الشرعية الدستورية عليها) بحسبانها جزءا من قواعد الدستور لتكتسب بذلك السمو والرفعة والاحترام والإلزام الذي يوقع على الدولة ممثلة بكافة سلطاتها التنفيذية التشريعية والقضائية. الديمقراطية تهيء بيئة مناسبة لحماية حقوق الإنسان وإعمالها على نحو فعال. والديمقراطية إحدى قيم الأمم المتحدة ومبادئها الأساسية والعالمية غير القابلة للتجزئة. وهي تستند إلى إرادة الشعوب التي تعبر عنها تعبيرا حرا، كما أنها تتصل اتصالاً وثيقاً بسيادة القانون وممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية. 
أنّ مسألة الديمقراطية تحتل مكانة سامية لدى منظمة الأمم المتحدة  لذا فإنّ المنظمة تقوم بدعم الدول وذلك لدعم وإعمال قيم الديمقراطية وذلك من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية حقوق الإنسان وإدارة عمليات حفظ  السلام، فضلا عن إدارة الشئون السياسية وصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية وهيئة الأمم المتحدة للمساوة بين الجنسين وتمكين المرأة حيث تقوم منظمة الأمم. ويجسد النص الدستوري على هذه المبادئ، الحرص على حماية حقوق الإنسان وحرياته عبر وسيلتين أولهما تعزيز منظومة الحقوق والحريات المنصوص عليها بالدستور بإضافة أجيال وصور جديدة لتلك الحقوق إلى وثيقة الدستور، وثانيهما تزويد هذه الحقوق بأدوات ووسائل أكثر فاعلية وحداثة لحمايتها وضمان التزام السلطات. وهذه القيم مكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما جرى تفصيلها بشكل أكبر في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي تتجسد فيه طائفة كبيرة من الحقوق السياسية والحريات المدنية التي تستند إليها الديمقراطيات الصحيحة.
إن دولة القانون بمفهومها الواسع هي التي تقيم التوازن بـين ضـرورات الـسلطة وضمانات الحقوق والحريات العامة؛ لأن تغليب ضرورات السلطة يـؤدي إلـى الاسـتبداد، وتغليـب ضمانات الحقوق والحريات العامة يؤدي إلى الفوضى. ولكن هذا المفهوم المبدئي والواسع دوماً مـا كانت تطرح عنه أسئلة متعددة: كيف يمكن تحقيق هذا التوازن للقول بقيام دولة القانون؟ ما آليـات التنفيذ؟ وما معايير التقييم؟…الخ. ودوماً كانت هناك هوة واسعة بين الشعار أو المبـدأ الدسـتوري وبين تحقيقه على أرض الواقع. 
إنَّ مسؤولية الوصول إلى الحكم الرشيد لا تقع حصراً على عاتق الحكومـة. إن الحكم الرشيد يتطلب، بالطبع، العديد من الإجراءات من جانب الحكومـة، ولكنـه يتطلـب أيـضاً مشاركة فاعلة من قبل المحكومين/الشعب.
إن الوصول إلى الحكم الرشيد ليس مسألة بسيطة، وإنمـا يشكل تحدياً على المستويات كلّها الثقافية والـسلوكية والمؤسـساتية والتقنيـة… والـسياسات أو الإجراءات المتخذة لمواجهة هذا التحدي المتعدد الجوانب يجب أن تأخـذ بالحـسبان فـي مختلـف  تفصيلاتها قيمتي الحكم الرشيد: التضمينية والمساءلة، والعمل على تعزيزهما وإزالة العوائق التـي تحد منهما.
الإنتخاب كآلية ملازمة للديمقراطية ووسيلة لتحقيقها ومؤشّرا لقياس مدى ديمقراطية هذا النظام أو ذاك، وقد مورس هذا الأسلوب أيام الدولة المدينة في أثينا، ضمن ما عرف بالديمقراطية المباشرة.  ويعتبر الإنتخاب وسيلة للمشاركة السياسية للمواطنين، وآلية للانتقال الهادئ والسلمي للسلطة بين التشكيلات السياسية المختلفة. وقد كرست أهم المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وخاصة السياسية منها هذا الحق، حيث ورد في المادة ٢١ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في كانون الأول/ديسمبر ١٩٤٨ تحت مسمى المشاركة في إدارة الشؤون العامة، إذ نصت على: “لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة، أو بواسطة ممثلين يختارون بحرية، وإن إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت”. وأكدت الفقرة ٣ من المادة ٢٥ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أن: “للمواطن الحق في أن ينتخب وينتخَب، في انتخابات نزيهة تجرى بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري، تضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين”. ورغم كون الانتخاب أهم ركائز البناء الديمقراطي لأي نظام سياسي، لكنه لا يعتبر كافيا، فيجب أن ترافقه مجموعة من المعايير لضمان فعاليته، ومنها توفر المناخ الديمقراطي والحريات الأساسية للمواطنين، ولا سيما حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي، وتشكيل الأحزاب السياسية والمنظمات والجمعيات المستقلة، وسيادة القانون ومن أجل الوصول إلى التعبير الحقيقي عن إرادة النّاس، عرفتالانتخابات عد ة أشكال وأنظمة لتحقيق هذا الهدف، ويعرف كل نظام انتخابي مجموعة من الإيجابيات والسلبيات، لا تمثّل قصورا حقيقيا لأي نظام، ويختلف تصميم النظم الإنتخابية في الدول الديمقراطية التقليدية والناشئة، بحسب ظروفها، تاريخها، ثقافتها، تقاليدها السياسية، وتكوين شعوبها. ومن الأنظمة الإنتخابية المميزة والفريدة من نوعها في أحد أعرق الديمقراطيات، ذلك المعروف في الولايات المتحدة الأمريكية، فما أثر النظام الانتخابي الأمريكي على الحياة السياسية الأمريكية؟.
يخضع تصميم الأنظمة الانتخابية لإعتبارات وخصوصيات كل مجتمع، شريطة أن يوفّر متطلّبات الديمقراطية ويعبِّر عن الإرادة الشعبية ويسمح بتمثيل مختلف مكونات الأمة. ومن بين الأنظمة الانتخابية لأحد أعرق الديمقراطيات في العالم، النظام الانتخابي الأمريكي المتفرد، وهو نظام ينتمي لعائلة الأنظمة الانتخابية القائمة على الأغلبية، مع بعض الخصوصيات، أهم ها آلية المجمع الإنتخابي الفريد من نوعه.  حاولنا تحديد مدى تعبير النظام الانتخابي الأمريكي عن إرادة الناخبين، بالتركيز على أثر المجمع الإنتخابي، بالاضافة إلى تأثير هذا النظام في عدة جوانب من الحياة السياسية، كالنظام الحزبي، ونسبة المشاركة، وتمثيل الأقليات، والإدارة السياسية والاقتصادية للبلاد. وخلصنا إلى أنه في بعض الأحيان، أحدثت آلية المجمع الانتخابي  أثرا عكسيا على نتائج بعض الإنتخابات الرئاسية، وتفرز نتائج مخالفة للإرادة الشعبية. كما لاحظنا وجود تأثيرات سلبية على معدلات المشاركة السياسية، مقارنة بالديمقراطيات الأخرى. ومن التأثيرات الايجابية الجلية لهذا النظام، إفرازه لحكومات متماسكة وصلبة بالإضافة إلى معارضة قوية، بفعل عامل آخر يتمثّل في نظام الثنائية الحزبية.
والدستور العراق الحالي لعام ٢٠٠٥، لا نجد فيه أي إشارة صريحة إلى الحكم الرشيد كمنظومة مستقلة ومتكاملة من المبادئ، وعوضاً عن ذلك نلمح الإشارة الضمنية إلى بعضٍ من أهم مبادئ الحكم الرشيد يتقدمها مبدأ سيادة القانون بصفته قمة البناء القانوني الرصين للدولة، اذ ورد النص عليه في أكثر من موضع منها ما جاء في الديباجة من غاية يسعى إليها الدستور والعراق في السعي إلى بناء دولة القانون وكذلك التطلع الى المستقبل عبر نظامٍ جمهوري اتحادي ديمقراطي تعددي، عَقَدَنا العزم برجالنا ونسائنا، وشيوخنا وشبابنا، على احترام قواعد القانون وتحقيق العدل والمساواة، ونبذ سياسة العدوان. ولكن لا يمكن تحديد نوعية الحكم المؤسساتي الناجم عن دولة القانون إلاّ من خلال الربط بين دولة القانون والمناخ الذي نشأت فيه: فكرياً وفلسفياً، وسياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً… وحتى دينياً. فدولة القانون كمفهوم وكشعار، نشأ وتأصل بفعل تطورات عديدة عاشها الغرب المسيحي من قرونه السوداء إلى عصره الذهبي، عصر الحداثة الذي يعيشه بأبعاده كلّها: ثورة علمية من غاليلة إلى بيل غيت، وثورة اقتصادية ليبرالية أنتجت تقدماً وحضارة مادية، وثورة دينية من الكنيسة إلى العلمانية، وثورة في سند الحكم من الإلهي المطلق إلى الديمقراطي، ولا ننسى حروب القوميات… الخ.  تقوم المجتمعات الديمقراطية على ثنائية السلطة/المعارضة,هذا الأمر منطقي لأنه ينجم عن قيام هذه المجتمعات على الثقة بالفرد وخاصة حرية الرأي، وعن الإيمان بفضيلة الحوار والمجتمع التعددي ويقصد بالمعارضة بالمدلول العضوي، الهيئات (الأحزاب والتجمعـات الـسياسية) التـي تختلف مع الحكومة وتنتقدها، وتسعى للحلول محلها. ويقصد بالمعارضة بالمدلول الموضوعي، كـل نشاط أو عمل يتضمن نقداً للحكومة، سواء أكان صادراً عن أحزاب أو تجمعات سياسية، أم عن أفراد وتجمعات غير سياسية.
كمـا اعتبـر رواد الفكـر القائـل بـأن التفسـير هـو “فعـل إرادي”، بـأن السـلطة التأسيسـية عنـد ٍّ تكريسـها لنـص دسـتوري مـا، تكـون قـد إعتمـدت مجـرد نـص. وهـذا “النـص” لا يتحـول إلـى “دسـتور” إّلا ً بعـد الشـروع فـي تطبيقـه، مـا يحتّـم تفسـيره أولا. ولا يقتصـر تطبيـق النـص ّ الدســتوري علــى المحاكــم المعتمــدة داخــل حــدود الدولــة، وإنمــا يتعــداه إلــى الســلطات ُ ِّأهَّلـَـت تنظيــم الإنتخابــات أو تعيــن الهيئــات المخولــة وإصــدار والجهــات التــي تشرع سن  القوانيــن ً وإصدار المراســيم علــى ســبيل المثــال. جميــع هــذه الإجــراءت تتطلــب تفســيرا للنــص التأسيســي ّ للدولـة، ليتحـو ّ ل بعدهـا إلـى قواعـد دسـتورية ناظمـة، تقع في قمة الهرميـة القانونيـة داخـل ّ الدولــة. ورب ً مــا قــد يبقــى هــذا النــص حبــرا علــى ورق بســب عــدم اكتمــال العوامــل المؤاتيــة ليدخـل حيـز التنفيـذ أو الافتقـاره إلـى بيئـة إجتماعيـة حاضنـة لـه ، كمـا حـدث فـي فرنسـا سـنة ١٧٩٣ عندمــا فضّلــت الســلطة التأسيســية كتابــة نــص دســتوري آخــر .
لاشك ان النظم السياسية دوماً تطمح لكسب الرضا الجماهيري والشعبي لكي تستمر شرعيتها القانونية، وإن الضمان الأساس لبقاء شرعيتها هي الإلتزام التام بالدستور وما نص عليه لإنه هو الفيصل بينها وبين المواطن والشعب وبطبيعة الحال فإن أي تنصل من أحكام الدستور ومبادئه تحد وتقلل من ثقة المواطنين والشعب قاطبة ُ وقد عرِف بالسلطة القائمة لذلك عليها الحذر التام من إنحراف و تأويل او خرق أحكام الدستور والتعنت في تطبيقه. وهذا المفهوم بأنه (إتيان أي فعل مخالف لنص أو نصوص دستورية سواء كانت تلك المخالفة صريحة أو ضمنية).
ما مارست حكومة من الحكومات الإنتهاك الخطير للدستور وعدم الإلتزام بمنطوقه تؤدي بهذه السلطة إلى هاوية فقدان الشرعية المكتسبة لإن أساس شرعيتها هو الدستور وبالأخص في الدول التي تدعي ديمقراطيتها. ومع ان تتسلم الحكومة السلطة عن طريق انتخابات نزيهة مما يعني تمتعها بشرعية تقلد السلطة، الا ان انتهاكها للدستور تفقدها الشرعية لأن شرعية الوصول للسلطة متصلة بشرعية ممارستها والتي تعبر الأخيرة بإلتزام احكام  الدستور وعدم انتهاكها. مما يمكننا معه القول بأن الشرعيتين (تقلد السلطة وممارستها) مرتبطتان بصورة جذرية معا ً.
من السمات البارزة للدول والحكومات الدكتاتورية والتي لم ولن تسمح للتداول لسلطة سلميا في ً مع الفائز الذي تمخض عن إنتخابات جارية في البلد وهذه الحالة ستجد أكثر وضوحاً  الدول النامية في العصر الحاضر وفي قارتي آسيا وأفريقيا ومن بين هذه الدول هي الدول التي تتبنى نظام الحزب الحاكم المطلق الذي يحكم الجمهور بمحض إرادتها وعدم السماح بالمعارضة السياسية حتى ولو كانت هذه المعارضة  صورية وممارسة أقصى أنواع التعذيب البدني والنفسي ضدهم وتشريدهم أو إعتقالهم وزجهم في زنزانات خاصة لوجهاء المعارضة وقياداتهم البارزة وتصفيتها بدواعي واهية ومزيفة. وعلى الرغم من أن دساتير تلك الدول لم تكن خالية من المبادئ السامية والأساسية كمبدأ المساواة وتوفير فرص المعارضة السياسية و توازيها بالدول الغربية المتقدمة.
شرعية متمثلة في الغالب بشرعية الإنتخابات لذلك تعد شرعية تقلد وممارسة معاً، فإذا ً أن هذا النوع من ما إنحرفت السلطة السياسية عن الدستور والمعايير الإنتخابية المعتمدة على الاقل في الدولة تعد فاقدة للشرعية، وتوازي أيضا قة دساتير دول العالم بالرغم من إختلاف طبيعة ً مع إرادة الشعب والجمهور وممثليه كما أشارت إلى هذه الحقي النظام السياسي، وحتى المواثيق والمعاهدات الدولية ومنها المثال البارز مانص عليه إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي بأن(الأمة هي مصدر كل سلطة. وكل سلطة للأفراد والجمهور من الناس لا تكون صادرة عنها تكون سلطة فاسدة).