حين يُفلت قتلة الصحفيين من العقاب

الجمعة،13 تشرين الثاني(نوفمبر)،2020

حين يُفلت قتلة الصحفيين من العقاب

نضال منصور

قتل الصحفيين في العالم العربي ليست حالة طارئة وعابرة، فمنذ سبعينيات القرن الماضي قتل سليم اللوزي مؤسس مجلة الحوادث وقطعت أصابعه، ولم يسلم رسام الكاريكاتير الأبرز ناجي العلي، الذي هرب عن بلاد العرب من رصاصات الاغتيال في شوارع لندن.
عام ٢٠١٣، اتخذت الأمم المتحدة قرارا بإعلان الثاني من نوفمبر اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المُرتكبة ضد الصحفيين.
حين دُعيت من قبل مركز الأمم المتحدة للتدريب والتوثيق في مجال حقوق الإنسان، والتابع للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، للمشاركة في حلقة نقاشية نظمها عبر الإنترنت تحت عنوان “سلامة الصحفيين وإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم التي تُرتكب بحقهم في حالات الصراع” تساءلت هل يكفي أن ترتفع أصواتنا في هذه الاحتفاليات ثم نعود لنكمل حياتنا، في حين أن قتلة آلاف من الصحفيين والصحفيات ما زالوا طلقاء دون مساءلة أو عقاب؟
يقول أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، “عندما يُستهدف الصحفيون تدفع المجتمعات بأسرها الثمن، وإذا لم نكن قادرين على حماية الصحفيين، تُصبح قدرتنا على البقاء على علم بما يجري حولنا وعلى المساهمة في اتخاذ القرارات محدودة، وإذا لم يكن الصحفيون قادرين على القيام بعملهم في أمان؛ فإننا سنواجه احتمال العيش في عالم يسوده اللبس والتضليل الإعلامي”.
منذ ٢٠٠٦ وحتى ٢٠١٩، فإن الإحصائيات المتوفرة من مؤسسات دولية موثوقة، تكشف عن مقتل ١٢٠٠ صحفي وصحفية أثناء أدائهم لواجبهم المهني.
ووفق الأرقام، فإن تسعة حالات من كل عشرة يُفلت مرتكبو الجريمة من العقاب، وفي العقد الماضي لم يجرِ سوى إدانة واحدة من أصل عشر قضايا معروضة أمام السلطات القضائية في العالم.
تتعدد هويات قتلة الصحفيين طوال العقود الماضية، فمنهم أنظمة مُستبدة لا تُطيق إعلاما مستقلا يراقبها، إلى عصابات إجرامية لا تُريد للصحافة أن تكشف فظاعاتها، وصولا إلى تنظيمات إرهابية تفتك بكل صوت يُعارضها أو يُميط اللثام عن عوراتها وجرائمها.
حين يُقتل الصحفيون والصحفيات بدم بارد، ويُلاحقون ليقبعوا بالسجون فإنه يعمّ الخوف، وفي تقاريره عن الحريات الإعلامية في العالم العربي وثق مركز حماية وحرية الصحفيين تزايد حالات الرقابة الذاتية التي يُمارسها الصحفيون على أنفسهم، وتجنبهم الاقتراب من التابوهات والقضايا المسكوت عنها.
خطاب التحريض على العنف والكراهية أصبح حاضراً حتى في حديث زعماء يُعتبرون من دول العالم الديمقراطي، وحين يرفع زعيم دولة سلاح “كلاشينكوف” وهو يتحدث عن الإعلاميين والإعلاميات فإنه يعطي الضوء الأخضر لاستهدافهم والنيل منهم.
إذا كانت الدول الديمقراطية تشهد موجات عداء للصحافة، فإن العالم العربي يعد وفق كل مؤشرات المؤسسات الدولية المدافعة عن حرية الإعلام أكثر البلدان خطورة في العمل الصحفي.
٣٠ بالمئة من جرائم القتل ضد الصحفيين تحدث في العالم العربي، لكن هذا ليس هو الوجه الوحيد لبشاعة الوضع الذي تعيشه الإعلاميات والإعلاميين هنا، فالاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب والسجن مظاهر شائعة في كثير من البلدان العربية، وخاصة الدول التي شهدت نزاعات وصراعات وحروب مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا.
قتل الصحفيين في العالم العربي ليست حالة طارئة وعابرة، فمنذ سبعينيات القرن الماضي قتل سليم اللوزي مؤسس مجلة الحوادث وقطعت أصابعه، ولم يسلم رسام الكاريكاتير الأبرز ناجي العلي، الذي هرب عن بلاد العرب من رصاصات الاغتيال في شوارع لندن.
ما سُميّ “الربيع العربي” رغم أنه كسر حاجز خوف الناس في مواجهة السلطة، ووسع هوامش حرية التعبير والإعلام، إلا أنه وبعد أعوامه الأولى كان نذير شؤم على الصحافة؛ ففي ظل انهيارات السلطة السياسية، وتعمق الصراعات بين القوى المتناحرة، تمددت العديد من التنظيمات الإرهابية التي وضعت الصحافة كعدو رقم واحد لها، و”داعش” مثال حي لا ينسى.
في آخر ١٠ سنوات قُتل في العالم العربي ما يُقارب ٣٤٧ صحفياً وصحفية، وتعرض للاختطاف ٣٨٠ إعلامياً وإعلامية، وفي سوريا وحدها قُتل ١٣٤ صحفياً منذ بداية الربيع العربي، بسبب الصراع المُحتدم بين الأطراف المتنازعة على السلطة.
حين تُناقش قضية الإفلات من العقاب في معظم دول العالم العربي لا يمكن إغفال البيئة المُنظمة لعمل وسائل الإعلام، فالقوانين تحولت لحقول ألغام، وتستخدم كأداة تقييد لحرية الإعلام، والسياسات التي تتبناها السلطة تحاصر الصحافة ولا تفتح نوافذ المعلومات لها، والممارسات ترمي بسلة المهملات كل الحقوق الدستورية، والاتفاقيات، والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها وتحمي حرية التعبير والإعلام.
استهداف حرية الإعلام في العالم العربي ليست مبالغة أو قصص خيالية تخترعها مؤسسات المجتمع المدني، والتدقيق بالمشهد يشي على سبيل المثال أن الصحفيين أول من تلاحقهم الهراوات في الاحتجاجات، وأول من يتم توقيفهم وسجنهم، ومنعهم من التصوير والتوثيق لمنع وصول الحقيقة للناس.
الشواهد كثيرة في كل التظاهرات والاعتصامات على القوة المُفرطة التي يستخدمها رجال الأمن للتصدي لكاميرات الصحفيين وأجسادهم، ولا يتذكر رجال إنفاذ القانون مدونات وقواعد السلوك التي تمنعهم من استخدام العنف ضد المتظاهرين وفي مقدمتهم الصحفيين الذين يقفون على الحياد وليسوا طرفاً في الهتافات والنزاع.
حتى الآن لم تنجح الجهود لإقرار اتفاقية دولية لحماية الصحفيين، وما زال الصحفيون يتمتعون فقط بالحماية التي ينص عليها القانون الدولي لحماية المدنيين في مناطق النزاع والحروب، ولا يبدو هذا الوضع منصفاً وعادلاً ورادعاً، فالمدنيون عند الحروب والنزاعات يتحصنون بملاجئ آمنة في الغالب، في حين يذهب الصحفيون لخطوط المواجهة الأمامية، ويكونوا أكثر عرضة للاستهداف والتصفية.
في عام ٢٠١٢؛ وضعت اليونسكو بالتعاون مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان ما سمي “خطة الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين”، وترمي إلى تهيئة بيئة من الأمان والحماية للصحفيين والعاملين في مجال الإعلام، لكن الحقائق تؤكد أن الصحافة أصبحت في خطر أكثر، وأن أدبيات الأمم المتحدة ليست سوى حبر على ورق لا يخشاها أعداء الصحافة الذين يواصلون إعدام الإعلاميين في وضح النهار، ولا يخشون ملاحقتهم ومعاقبتهم.

المصدر: الحرة