الفيتو.. حق التواطؤ مع القتلة

الجمعة،5 شباط(فبراير)،2021

الفيتو.. حق التواطؤ مع القتلة

مزن مرشد

عادة ما نقف كمتفرجين فقط، على ما يحصل من مسرحيات سياسية داخل أروقة الأمم المتحدة، وكأننا لا نملك الحق، أو نخشى التطاول على قامة هذه المنظمة لنطالبها بالإصلاح، مثلها مثل أي مؤسسة أخرى في العالم، وتحديداً جهازها الأهم “مجلس الأمن” الذي لم ينصف يوماً قضية عادلة إلا بقرارات، لا يلتزم بها أحد بالرغم من أنّ قراراته ملزمة.
ما يزيد الطين بلة، عندما تكون القضية شائكة وتمسّ الأعضاء الدائمين أصحاب حق النقض الفيتو، عندها تذهب الحقوق، ويُحمى القتلة، وتنتهك حرمات البلاد، وهذا ما عرفناه دائماً في تاريخ المجلس منذ تأسيسه، وما كنا شهوداً عليه ولمسناه بأيدينا خلال العشر سنوات الماضية.
فما الداعي اليوم أن تبقى هذه الدول الخمس تملك الواحدة منها التعطيل بالاستخدام السيئ لحق النقض، ضد قرارات بعينها مهما كانت محقة، ضاربة بعرض الحائط كل ما يتم من جهود، وكل ما يحصل على الأرض من كوارث، فقط لأنّ قراراً لم يتوافق مع أهواء إحدى الدول الخمس أو يضر بحليف لها.
أفهم تماماً، كيف تشكل المجلس، والضرورة التي أنتجت الأعضاء الخمس الدائمين وحق الفيتو، ولكن هل بقيت هذه الأسباب منطقية اليوم لبقائهم كما هم؟.
اتُهم الأعضاء الخمسة الدائمون في المجلس، أخيراً، خلال مناقشة حول مستقبل هذه الهيئة نظمتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، بشلّ عمل المجلس، وتغليب مصالحهم المتنافسة على النية التي من أجلها شكّل المجلس، وتهديداتهم المستمرة باستخدام حق النقض.
بالطبع ليست هذه الدعوة لإصلاح عمل المجلس بجديدة، ولا هي مطلب دول بعينها، بل كانت مطلباً منذ العام ١٩٩٥ عندما أعلن بطرس بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك: “سيصبح مجلس الأمن غير شرعي إذا لم يتم إصلاحه بعمق”.
في نوفمبر الماضي، وخلال مناقشات الجمعية العامة، ندّد رئيس الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة، الوزير التركي السابق، فولكان بوزكير، بشدة بسلوك الدول الخمس الكبرى، موضحاً أنّ المجلس فشل في مسؤوليته في الحفاظ على السلام الدولي بسبب المصالح المتنافسة لأعضائه الدائمين واستخدامهم المتكرر لحق النقض، ليصبح المجلس عاجزاً تماماً عن تحقيق هدفه الأساسي الذي أُنشئ من أجله.
الأمم المتحدة، تحديداً، لم يتم تعديل أي بند من نظامها الأساسي (الميثاق) منذ تأسيسها حتى اليوم، بالرغم من كل المتغيرات التي طرأت على العالم، منذ سبعين عاماً ونيف، وهو عمر إعلانها رسمياً، فقد كان العالم مختلف تماماً عما هو الآن، وحتى صراعاته لم تكن كما هي اليوم، ولذلك نراها لم تنتج أي حلول ذات فائدة، حتى بدأنا نفقد الأمل فيها وبأجهزتها.
في مطالعة واقع هذه المؤسسة الجامعة، نرى بوضوح أن لا أحد يريد إصلاح مجلس الأمن، خاصة عندما يتعلّق الأمر بزيادة عدد الأعضاء الدائمين ومنحهم حق النقض، أو إلغائه.
بنيت الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد أن أدرك العالم أنّ الحرب لا تجلب سوى الويلات، فكان من الضروري إنشاء مؤسسة تعكس توازن القوى آنذاك، وأعطي الفائزون في الحرب (الحلفاء) العضوية الدائمة وحق النقض، فهل يعكس هذا التمثيل الوضع الحالي للعلاقات الدولية؟ مثلاً لا يوجد مقعد دائم في المجلس لأي بلد أفريقي، في حين أنّ ٨ من أصل ١٠ عمليات حفظ سلام تجري في أفريقيا، ولا يوجد أي دولة عربية تملك مقعداً دائماً، مع العلم أنّ ثلث الصراعات العالمية تجري في منطقة الشرق الأوسط، والقضية الفلسطينية هي أكبر القضايا في العالم منذ تأسيس دولة إسرائيل حتى اليوم.
بشكل عام، لا يمكن لما يسمى بالبلدان الناشئة أن تبقى في المرتبة الثانية بينما تستمر أهميتها الاقتصادية والسياسية في النمو، ولا بد أن تعاد صياغة الأعضاء الدائمين ليحق لكل قارة أن تختار الدولة التي ستمثلها، ولتكون العضوية عادلة لا بد من انتقاء دول تعتبر صاحبة قضايا لابدّ من الدفاع عنها بنفسها، والمشاركة الحقيقية بحلها، وبالطبع ليس هذا بالأمر السهل في ظل التناحر بين الدول وتضارب المصالح داخل القارة الواحدة، والدول المتجاورة بالحدود.
لكن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ حتى لو كان ذلك على الورق، مجرد الاعتراف بضرورة الإصلاح سيكون بمثابة إشارة الإنطلاق.. ويبقى السؤال الشائك حول حق النقض، فلماذا يبقى هذا الحق بيد الدول الخمس الكبرى؟ لماذا لا يلغى لتؤخذ القرارات داخل المجلس بطريقة ديمقراطية ومراعية لمصلحة السلام في العالم، دون الحاجة لمحاباة هذه الدول التي لم تستخدم هذا الحق (النقض) إلا في تعطيل قرارات أُريد منها وقف العنف والدماء في أماكن كثيرة من العالم، وفي أهم بقع الصراع؟.
يبقى هذا الكلام محض أحلام، لنا نحن الحالمين بالعدالة والسلام، وندرك صعوبة التحقيق، لأنّ أي إصلاح لمجلس الأمن سوف يتطلب مراجعة الميثاق الأساسي، أي موافقة الأعضاء الخمسة الدائمين وأغلبية ٢/٣ في الجمعية العامة، وهنا نعود لنقطة الصفر.
للتذكير فقط، إنّ روسيا التي استخدمت الفيتو خمس عشرة مرة منذ ٢٠١١ في الحالة السورية وحدها، وقالت نائبة سفيرة روسيا لدى الأمم المتحدة، آنا إيفستينييفا: “إنّ المقترحات التي تقوّض صلاحيات الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بما في ذلك حق النقض، غير مقبولة”.
دعونا لا نخدع أنفسنا إصلاح مجلس الأمن سوف لن يتم على الإطلاق، فالدول التي أمسكت بيدها ورقة تعطيل أي قرار يضرّ بمصالحها ومصالح حلفائها لن تتخلى عن هذا المكسب أبداً، ليصبح مجلس الأمن في النهاية حامياً للديكتاتوريات، ومجرمي الحرب، ومنتهكي حقوق الشعوب.

المصدر: ليفانت