حماية حقوق الإنسان حبر على ورق في دستور أردوغان الجديد احوال تركيا
متابعة مركز عدل لحقوق الإنسان
لم تهدأ دعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته للدستور الجديد الذي يعتزم حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه الحركة القومية صياغته رغم تشكيك المعارضة في نواياه وأهدافه.
وأعلن أردوغان، يوم أمس الثلاثاء ٢ آذار/مارس، أن الهدف النهائي من “خطة عمل حقوق الإنسان” هو دستور مدني جديد للبلاد، فيما يتساءل متابعون للشأن التركي كيف لرئيس لم يحترم دستورا قائما أن يُنشأ دستور جديدا يحترم حقوق الإنسان.
وتأتي تصريحاته في إطار كلمة ألقاها بمناسبة المشاركة في حفل تعريفي لما تسميه حكومته “خطة عمل حقوق الإنسان” في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، في الوقت الذي لم تهدأ فيه حملة القمع الواسعة التي دشنها ضد خصومه السياسيين خاصة من حزب الشعوب الديمقراطي وضد طلبة جامعة البوسفور.
وتعيش تركيا منذ أشهر على وقع أكبر احتجاجات طلابية قمعتها أجهزة أردوغان بهدف فرض تعيين عميد للجامعة من المقربين من الرئيس، في خطوة تعكس استشراء المحسوبية والتوظيف الأكاديمي على أساس الولاء قبل الكفاءة.
ويتعرض النظام التركي باستمرار لانتقادات غربية بسبب انتهاكه لحقوق الإنسان والانحراف بالدولة التركية من دولة القانون إلى دولة الفرد الواحد.
كما أن تركيا مصنفة في المراتب العالمية الأولى للدول الأعلى اعتقالا للصحافيين والأكثر قمعا للحريات.
ومع ذلك يعزف الرئيس التركي على وتر تحسين حقوق الإنسان في بلاده وهي وعود تفككت على وقع انتهاكات لم تهدأ منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في ٢٠٠٢ وتصاعدت بعد أن منحت تعديلات دستورية أردوغان صلاحيات رئاسية تنفيذية واسعة.
وبحسب ما جاء في كلمة أردوغان التي تناقلتها وسائل إعلام حكومية، فإن “خطة العمل حول حقوق الإنسان” التي أعدتها وزارة العدل التركية سيتم تطبيقها في غضون عامين، معتبرا أنها “مثال على استمرار إرادة حكومته في التغيير والإصلاح”.
ويقول خصوم الرئيس التركي إنه حتى لو سلمنا جدلا بأن الخطة الجديدة من شأنها أن تحسن وضع حقوق الإنسان في تركيا فهل يستطيع الأتراك تحمل عامين إضافيين من القمع والتضييق على الحريات والانتهاكات الحقوقية.
وجاءت كلمة أردوغان مغرقة في الثناء على الخطة المثيرة للجدل، حيث قال إنها تستند إلى احتياجات ومطالب الشعب وتعتبر نموذجا للتوافق الفكري بين الحكومة والشعب من أجل الوصول إلى “ديمقراطية تعددية أكثر حرية وتشاركية”.
وتتناقض تصريحات الرئيس التركي مع ممارسات على أرض الواقع، فكل المؤشرات تشير إلى دفع قوي لحكم فردي تكون فيه المعارضة على الهامش، فمن يسعى إلى تعددية ديمقراطية تشاركية يفترض أن يحترم خصومه السياسيين، إلا أن ما يتعرض له نواب حزب الشعوب الديمقراطي وحملة الضغوط على زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو لا توحي بأن أردوغان يريد ديمقراطية تعددية.
وتحدث أردوغان كذلك على أن حكومته “ستعمل على تسهيل الأنشطة المهنية للصحفيين من أجل رفع المعايير الخاصة بحرية التعبير والرأي” بينما يتعرض إعلاميون لملاحقات قضائية بسبب أراء منتقدة لسياساته، فيما تعج السجون بمعارضين وصحافيين بعد حملة تطهير واسعة بتهم تقول منظمات حقوقية إنها كيدية وانتقامية تتعلق إما بـ”دعم الإرهاب” أو “الدعاية لمنظمة إرهابية” أو الانتماء لشبكة فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشل في العام ٢٠١٦.
كما يثير قانون الإرهاب وحالة الطوارئ المعلنة منذ محاولة الانقلاب الفاشل، جدلا واسعا في تركيا وخارجها، حيث يستخدمها النظام سيفا مسلطا على رقاب منتقديه.
ويحاول الرئيس التركي استقطاب الدعم لدستوره الجديد الذي لا يخرج عن سياقات تعزيز سلطته، بينما يبدو واضحا أن العزف على وتر حقوق الإنسان ليس إلا مجرد تسويق للأوهام.
وقال الثلاثاء إن “لجنة تعويضات حقوق الإنسان ستقوم بتعويض أضرار المحاكمات المطولة دون الحاجة للرجوع إلى المحكمة الدستورية”، وأن “قرارات هيئة المراقبة العامة ولجنة حقوق الإنسان والمساواة في تركيا ستصبح متاحة للجميع”.
ومن المواضيع المثيرة للجدل، تنامي العنف ضد المرأة وامتهان النظام لحقوق النساء وقد سعى أردوغان في كلمته لبث رسائل طمأنة وأن الدستور الجديد سيعمل على تعزيز حقوق المرأة، مؤكدا أنه سيتم العمل على “دعم فعالية مكاتب التحقيق الخاصة بجرائم العنف ضد المرأة”.
وقال في هذا السياق: “سنواصل الكفاح مع كافة شرائح المجتمع حتى نصل إلى اليوم الذي لا تتعرض فيه أي امرأة للعنف”.
وبحسب ما جاء في كلمة الرئيس التركي فإن خطة العمل حول حقوق الإنسان تتألف من تسعة أهداف أولها نظام قوي لحماية حقوق الإنسان بما يشمل مراجعة منتظمة للتشريعات والتطبيقات “على أساس تعزيز فهم دولة القانون القائمة على احترام حقوق الإنسان”، في إعلان فقد مصداقيته بالنظر للممارسات على أرض الواقع، فقد حذر الاتحاد الأوروبي في مناسبة سابقة من أن تركيا تبتعد أكثر فأكثر من دولة القانون إلى دولة الاستبداد والقمع.
كما تحدث الرئيس التركي على أن من بين أهداف الخطة، “تعزيز الحق في المحاكمة العادلة واستقلال القضاء” معلنا أن حكومته اتخذت العديد من الخطوات التاريخية في هذا المجال حتى الآن.
لكن الملاحقات القضائية أو الأحكام التي صدرت في الفترة الأخيرة تؤكد عكس ما تحدث عنه، فيما تقف قضية الناشط عثمان كافالا شاهدة على ذلك بعد أن برأته محكمة وعادت أخرى لإدانته.
كما أن عدد من معتقلي الرأي معتقلون لفترات طويلة بينما لم توجه لهم اتهامات واضحة وصريحة في الوقت الذي يطغى فيه الطابع الانتقامي على معظم المحاكمات.
المصدر: “السفينة” الالكتروني

