تاريخ العنف في الإسلام

الخميس،1 نيسان(أبريل)،2021

تاريخ العنف في الإسلام

محمد المحمود

هل الإسلام ذاته مؤيد للعنف الذي ساد معظم فترات التاريخ الإسلامي، واتسع بحجم اتساع جغرافيته، خاصة وقائع العنف في البدايات الأولى لتاريخ الإسلام؟ هذا سؤال/تساؤل قلق ومقلق، والجواب طبعا، هو أن الإسلام ـ من حيث هو دين/نصوص أولى ـ ينفتح على فضاءات تأويلية لا يمكن حصرها، وسيُنتج المسلمون تأويلاتهم الخاصة، التي تفرضها عليهم البنى الذهنية الراسخة في أعماقهم من جهة، كما تفرضها عليهم تحديات الواقع من جهة أخرى. ما يعني أن الإسلام ـ ليس في ذاته، وإنما في موقعه كفضاء للفعل التأويلي ـ محايد، والفاعلية البشرية هي التي تأخذه إلى هذا الجانب من العنف، أو إلى ذاك الجانب من مقرّرات التسامح والسلام.
لهذا، سنأخذ هنا تاريخ الإسلام/التاريخ الوقائعي ـ وليس الإسلام كدين/كنصوص أولى ـ لمعاينة الإرث العنفي الذي لا يزال يُعيد تشكيل عالم المسلمين، وخاصة الشرق أوسطيين. وكنت من قبل في مقالات سابقة قد قاربت إشكالية العنف السائدة من خلال الإرث الثقافي المتمثل في الآداب الدينية وغير الدينية التي تتضمن مجمل تصورات البنى الذهنية، وليس من خلال وقائع التاريخ التي تتمثّلها الأذهان ثقافةً، أي تتحول الصور النمطية عنها إلى نوع من التشكيل الثقافي الذي يُؤطر حدود الوعي المعاصر، وبخاصة تلك الأحداث الحاضرة في وعي الجماهير/عموم المعلمين، لا الأحداث التفصيلية، أو تلك التي وقعت في قرون متأخرة/في فترة غائمة، بحيث لا تنعكس وعيا إلا في أذهان كبار الباحثين والمؤرخين. 
في البداية؛ نشأ تاريخ الإسلام على قاعدة اجتماعية كانت تقتات على العنف (= عرب الجزيرة)؛ حقيقة لا مجازا. العنف، القتل والقتال، الغزو والنهب والسلب، كان أحد مجالات التفاعل بين عرب الجزيرة، كان نمط عيش، كان أحد عناصر التبادل الطبيعي للسلع والمنافع المنقولة وغير المنقولة، فضلا المكتسبات الرمزية. نشأ الإسلام (عندما نقول: الإسلام، فالمقصود: الإسلام كما هو مُتجسّد في أفعال المسلمين، وليس الإسلام كدين/كنصوص مقدسة) في فضاء تصارعي احترابي منذ البداية، ومنجز الإسلام ذاته (وهو التحدي الذي واجهه من البداية، وإلى اليوم)، كان في محاولته الحدّ من هذا الصراع المتشظي، وإقامة مجتمع تسالمي تحتكر فيه الدولة وسائل العنف، وتقوم بتوجيهها ـ بعد تنظيمها وتأطيرها ـ نحو الآخر، الآخر خارج الفضاء الجغرافي للعرب، أي بعيدا عن العرب الذين هم ـ كما يقول أحد عَرّابيي هذا التنظيم والتأطير ـ: مادة الإسلام. 
لا يخفى أن لهذه البدايات دلالاتها؛ من حيث تأثيراتها المتلاحقة. وفي اعتقادي أن تاريخ الإسلام كان سيأخذ مسارا آخر لو أنه نشأ في مجتمع ينعم بالاستقرار سلفا، لو أنه نهض في مجتمع تسالمي (كأن يتمدد شعبيا، ثم تتبناه إحدى الدول الراسخة/إحدى الإمبراطوريات، كما في المسيحية مثلا). على العكس، كان تاريخ الإسلام هو تاريخ تأسيس هذا المجتمع التسالمي، أو هو تاريخ محاولة إقامة هذا المجتمع. وفيما كان الإسلام ينخرط في هذه المحاولة الصعبة المتعسّرة، كانت كل مكونات الواقع الاجتماعي للعرب تنفر منها، وتتمرد عليها، و ـ في الوقت نفسه ـ تُجْبر الإسلام الذي بدأ للتو يتشكّل كدولة، على الانخراط في معارك حاسمة/مصيرية؛ لا تنفصل عن ثنائية العنف والسلام بحال (أي ليكون العنف وسيلة لـ”اللاّعنف”).          
عندما تُوفّي النبي الأعظم ـ ص ـ، كانت الجزيرة العربية شبه مُوحّدة في دولة واحدة تفرض قسرا العلاقات التسالمية البينية، تفرضها بلغة القوة من جهة، وبلغة القناعة الدينية ـ في التعاطي مع شرائح المؤمنين ـ من جهة أخرى. بمعنى، أن النبي الأعظم حقق هذا المستوى من التسالم بقوتين، لم يفصل بينهما: قوة القناعة به؛ كمصدر شرعي لتلقي الأوامر العليا من السماء، وقوة القناعة به كحاكم مدني يمتلك شرعية القوة الأعلى، أي كحاكم استطاع إقامة دولة في سلسلة من الانتصارات التي تؤكد أنه الأقوى من بين الجميع، وأنه الأقوى بالجميع، أي كناظم لائتلاف أقوى من مكوناته الأولى.
بعد الوفاة مباشرة، بل قبلها بقليل (عندما شعر بعضهم بإمكانية تقليد النموذج، أو عندما سمع آخرون بمرضه) بدأت حركة واسعة من التمرد والعصيان، الذي لم يكن تغييرا لواقع؛ بمقدار ما كان عودة سريعة إلى الأصل الراسخ، أي عودة إلى ما كان سائدا قبل سنة واحدة ـ أو أكثر قليلا ـ، وممتدا في العمق الحياتي/ التجريبي لآلاف السنين. لم تستطع سنة واحدة من التسالم القسري أن تُلغي أعراف وتقاليد قرون وقرون. 
صحيح أن هناك من ذاق طمأنينة الانضواء تحت نظام إداري موحد/ دولة، ما يعني زوال قلق تصارع القوى وما ينتج عنه من قتل وسلب ونهب، وصحيح أيضا، أن هناك عددا لا بأس به وجد في القناعات الدينية معنى لوجوده، بقدر ما وجد فيها إطارا أخلاقيا ينتظم فيه مسار حياته، وصحيح أن هناك من استوعب ذاك المكسب المادي وهذا المكسب المعنوي وزاوج بينهما، ومن ثَمَّ، وجد في الإسلام نقطةَ تحوّل مصيري له كفرد وللأمة التي ينتمي إليها…إلخ، كل هذا صحيح، ولكن، من الصحيح أيضا، أن أكثرية العرب كان نافرة من كل هذا، وكانت مستعدة لخوض معارك دامية، لا لشيء إلا من أجل العودة إلى الفضاء الصراعي الحر، إلى فضاء اللاّدولة، إلى فضاء يستطيع فيه “الأقوياء” أن يأخذوا ـ بأذرعهم وبسيوفهم ـ ما تستحقه القوة من مجد وثراء نسبي؛ وإلا ـ وفق تصوّرهم الصراعي الاحترابي ـ كيف يستوي الجميع تحت سقف الإسلام/ دولة الإسلام؛ فيما هم في الواقع غير متساوين!
هكذا كان “حروب الردّة” فصلا حاسما في تاريخ الإسلام. كانت بين دولة تتأسس، وتفرض منطقها ـ بما فيه منطق التسالم الداخلي ـ، وبين قبائل شتى، تحمل وعيا صراعيا تتوارثه عبر أجيال وأجيال؛ مُدجّجا بأكاليل المجد/ مجد العنف، سواء كانت حقائق أو أوهاما من نسج الخيال. ففي النهاية، تقوم الأوهام ـ متى ما رسخ الاعتقاد بها ـ بما تقوم الحقائق ذاتها، بل وتقوم بأكثر مما تقوم به الحقائق في معظم الأحيان.    
لم تنتصر “دولة المدينة” لأنها كانت أكثرية في مواجهة أقلية. على العكس، كانت الأكثرية هي القبائل المتمردة التي تُشكّل العمود الفقري لما عرف لاحقا بـ”أمة العرب”، والتي كانت تريد العودة ـ سياسيا فقط، أو دينيا وسياسيا ـ إلى مرحلة ما قبل الإسلام. وانتصرت “دولة المدينة”، التي ستكون اللبنة الأولى في تاريخ الإسلام، بفضل أنها قوة موحدة متماسكة، ذات رؤية محدّدة/ دينية، في مواجهة قبائل متناحرة أصلا، قبائل هي تواجه دولة المدينة إذ تواجهها، لتعود إلى التناحر السابق على قاعدة من علاقات القوة المحضة، ما يعني أنه كان يستحيل عليها التوحد في مواجهة دولة المدينة (باستثناء تحالفات ثنائية محدودة ومؤقتة)؛ لأن مشروعها الذي يقف خلف تمردها كامن في أنها تريد البقاء في مرحلة الاستقلال القبلي أو المناطقي، وهو الاستقلال الفوضوي الذي يتضمن شرط الصراع لاحقا.  
المهم، أنجزت دولةُ المدينة مهمةَ توحيد العرب بعد صراعات دامية ستبقى آثارها راسخة في الأعماق؛ لتنبعث من جديد بعد عشرين سنة تقريبا. هذا التوحيد الذي أنهى الصراع وبدا وكأنه يُؤسس لاستقرار، لم يكن ليستمر مكتنزا طاقات العنف التي لم تسكن براكينها، غلا لفترة وجيزة وهنا، كان لا بد من توجيه العرب إلى خارج جزيرة العرب، إلى خارج فضائهم التقليدي، إلى مواجهة مع آخرين/ غير عرب؛ حتى لا تعود عجلة الاحتراب الداخلي بأقسى مما كانت. ونتيجة لهذا ـ وكسبب له؛ من جهة أخرى ـ انتقل العرب إلى معسكرات/ مدن عسكرية، في العراق (الكوفة والبصرة، ثم واسط) والشام (ثغور الشام) ومصر (الفسطاط)، ليتحولوا إلى جيوش في حالة استعداد دائم للمواجهة، ومن ثم؛ ليتحولوا إلى أدوات مادة جاهزة للحرب الأهلية التي ستتفجر في العقد الرابع من الهجرة، أي بعد بداية “حركة الفتوح” التي أنهت الصراع الداخلي بفترة لا تتجاوز اثنين وعشرين عاما تقريبا.
لم تكن “الفتنة الكبرى” التي استمرت تداعياتها العقائدية والفكرية/ الثقافية إلى يومنا هذا سوى وجه من أوجه حركة التمرد على استقرار طال أمده نسبيا. تاريخ ما قبل الإسلام، وتاريخ الإسلام في صراعه مع عرب الجزيرة، بكل ذكرياته، بكل صراعاته وثاراته، كان حاضرا باستمرار، وكان ينتظر الشرارة الأولى كيما يشتعل نارا تُعيد معالم تاريخ قريب، أو شيئا من معالم تاريخ قريب، تاريخ لم يختفِ حقيقة؛ حتى وإن اختلفت الشعارات، وتغيرت رايات المتصارعين في محاولتهم استعادته من جديد.
ثمة معركتان كبيرتان في سياق ما عُرِف بـ”الفتنة الكبرى”. الأولى، مواجهة بين رموز القداسة في المخيال الإسلامي، رجال الدين الذين هم رجال الحرب والسلام في الإسلام. وهذا بلا شك أحدث تصدّعات عميقة في الضمير الإسلامي، خاصة وأن حمولتها الرمزية المستمدة من رمزية قادتها، بقيت، ولم تَخْفتْ، بل ربما تنامت مستويات القداسة بتقادم السنين، فكان التصدّع الذي فتّ في عضد الضمير الإسلامي يتصاعد حِدّة، بحيث يصبح أعمق بمرور السنين، وليس العكس، كما هو متوقع في مثل هذا السياق. وتتعمق المأساة عندما نعرف أن المعركة الثانية، كانت بين رموز المقدس/ ضمير الإسلام في صورته التسالمية ذات الجذر العدلي/ المساواتي من جهة، ومن جهة أخرى رموز التوجّه الافتراسي ذي الطبيعة الصراعية القوميّة/ القبائلية التي اندرجت في محاولة ـ مضمرة، واعية؛ وغير واعية أيضا ـ لاستعادة صراعات ما قبل الإسلام.  
في هذه الفترة المبكرة (ما بين ٣٦ ـ ٤٠ هـ)، شكّلت هاتان المعركتان اللتان ذهب ضحيتهما ما يقارب ثمانين ألفا، ملامح الوعي الإسلامي فيما بعد. وعلى تخوم هاتين المعركتين جرت معارك ثانوية، بعضها صارخة في تأكيد المبدأ الصراعي (كما هو الحال في وقائع تمرّد الخوارج، الذي هو تمرد يستبطن التمرّد القبلي، في الوقت الذي يطرح فيه شعارات العدالة: استحقاقات المهمشين داخل الإطار القبلي أو خارجه)، وبعضها الآخر صارخا في توحّشه (كما في نموذج غارات بُسْر بن أرطاة، عندما قتل طفلين لزوجة عبيد الله بن عباس، وهما في حجر أمهما، في سلسلة مذابح وبشاعات فصّل فيها المؤرخون)، يستعيد تراث بقر بطون الأعداء بعد قتلهم وأكل أكبادهم على سبيل المبالغة في الانتقام.
ومما له أبلغ الدلالة في هذا السياق أن المؤسسين الأوائل لتاريخ الإسلام (الخلفاء الراشدون الأربعة)، وهم ـ في الوقت نفسه ـ أشد الشخصيات قدسية في تاريخ الإسلام (على الأقل في السياق السني، وهو السياق الذي تأسست عليه الإمبراطوريات الثلاث الكبرى في تاريخ الإسلام)، هؤلاء الأربعة الذين يُشكّلون الفترة النموذجية العليا في تاريخ الإسلام في تصور أغلبية المسلمين، ثلاثة منهم انتهت حياتهم بالاغتيال. والوحيد منهم الذي لم يمت قتلا، هو الذي لم تتجاوز فترة حكمه سنتين ونصف، وربما لو امتدت به الحياة قليلا لواجه نفس المصير. 
إن هؤلاء الثلاثة الذين حكموا الإسلام في سنواته التأسيسية الثلاثين الأولى، لم يُقتلوا في معارك خارجية، بل قتلوا في حالة سلم/ حالة مدنية، قتل اثنان منهم (علي وعمر) في أعلى الأماكن قدسية في الإسلام: المسجد، وقتل الآخر(عثمان) في داره، مقر إدارة الحكم. ولا شك أن هذا العنف الذي اكتنف البدايات، وطال أقدس شخصياتها، ورموز الحكم والقرار فيها، يُوحي بأن هذه الفترة التأسيسية كانت متوترة إلى أقصى درجة، إلى درجة لا توحي بها قراءتنا العابرة لمجريات الأحداث آنذاك. 
عموما، استمرت الصراعات الداخلية الدامية بعد فترة الراشدين (وهي استمرارية تتجلى كوقائع متتالية ذات علاقة سببية في الغالب)، من كربلاء التي جرى فيها انتهاك أعلى حرمات المقدس في الوعي الإسلامي، إلى وقعة الحرة التي استبيحت فيها المدينة الرمزية/ مدينة رسول الإسلام ـ ص ـ ومستقر جثمانه، وقتل الألوف في سكانها بواسطة الجيش الأموي، إلى حصار الجيش الأموي لقبلة المسلمين/ مكة، وإحراقهم الكعبة ذاتها، في مسار الصراع التنافسي مع ابن الزبير على السلطة، وارتكاب أشنع وأبشع الأعمال الوحشية، إلى ثورة القراء/ ثورة الفقهاء في العراق ومآلها على يد الحجاج بن يوسف الذي قتل ـ بعد انتهاء المعركة، وغير ما قُتِل في المعركة ـ ثلاثة آلاف أسير في يوم واحد (ما يُعرف تاريخيا بيوم دير الجماجم)، إلى ثورة زيد بن علي…إلخ الثورات التي لم تنتهِ بنهاية الدولة الأموية، بل كان نهايتها، وقيام الدولة العباسية استئنافا لموجات أخرى من العنف الداخلي الإسلامي، بحيث يبدو تاريخ الإسلام وكأنه تاريخ حرب أهلية/ داخلية مستمرة، تتأبى على كل محاولات الاستقرار.
إن القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام (ربما فترة قرنين ونصف على سبيل التحديد)، هي الفترة الزمنية الحاسمة التي تُشكّل وعي المسلمين ـ وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ـ بأنفسهم كأمة، وبذواتهم كجزء من هذه الأمة. وهي فترة (= ٢٥٠ سنة)، لم تمرّ فيها عشر سنوات دون حرب أهلية أو تمرد عنيف يستعيد ـ بصورة ما ـ مرحلة ما قبل الإسلام، حتى عندما يصدر هذا التمرد عن غير عرب، إذ هم في النهاية يعيشون في أفق ثقافة يُهيمن عليها تاريخ العرب/ تاريخ الإسلام. 
ليس هذا المقال إلا  إطلالة عابرة على المعالم الرئيسة لمسار العنف في تاريخ المسلمين. وفي التفاصيل ما هو أبشع وأشنع، وفي التبرير له والدفاع عنه، أو شرعنته ـ بحكم الضرورات، وخاصة في القرن الرابع والخامس للهجرة ـ ما يضيق المجال هنا عن بيانه. ولكن، وفي كل الأحوال، ألا يفسر كل هذا التاريخ الوقائعي، بالإضافة إلى الإرث الثقافي، الديني وغير الديني، كثيرا من أحوال العرب/ المسلمين على امتداد التاريخ اللاحق؟

المصدر: الحرة