العدالة المفقودة على كافة المستويات

الأربعاء،9 حزيران(يونيو)،2021

العدالة المفقودة على كافة المستويات

منير شحود*

على أهميته وخطورته وتِركته الاقتصادية الثقيلة، يعدُّ انتشار فيروس كوفيد-١٩ مجرّد جائحة عابرة، مقارنةً بكمّ المشاكل شبه المستعصية التي يواجهها العالم، كالتلوث البيئي والإرهاب والصراعات المحلية والدولية، التي لا بد وأن تنعكس آثارها السلبية على الجميع في نهاية المطاف. لن يطول الوقت قبل أن يتغلّب العلماء على الجائحة الجديدة، كما حدث بالنسبة لجوائح سابقة، ولو أن الفيروس أجبر الدول على التقوقع ضمن حدودها، وقطّع أوصال الدولة الواحدة، موجهاً ضربة موجعة للعولمة، التي كانت قد حوّلت العالم إلى مجرد قرية صغيرة. ولولا وجود وسائل التواصل الحديثة لتقهقر العالم إلى حقبٍ سابقة.
لكن المشاكل الأخطر حالياً تتمثل في صعوبة حل وتطويق الصراعات بمستوياتها الثلاثة، المحلية والإقليمية والدولية. لكن، ولخطورة الصراعات التي قد تنشأ في ما بينها، تلجأ الدول الكبرى للاستثمار في الصراعات الإقليمية والمحلية من أجل تحقيق مصالحها، وتوجيه الطعنات لمنافسيها بعيداً عن حدودها. حدث ذلك في زمن الحرب الباردة، حينها كانت الصراعات مضبوطةً بدرجة أكبر مقارنةً بالحالة الراهنة، بوجود طرفين أساسيين وحسب، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. بينما يقود تدخل العديد من الأطراف في النزاعات الإقليمية والمحلية الحالية، بما في ذلك الدول الكبرى، إلى استفحالها وتعقدها وإطالة أمدها، ولنا في الحروب التي أعقبت ثورات الربيع العربي خير مثال.
ولسوء الحظ، جاءت هذه الثورات في الفترة التي انشغلت فيها الدول الكبرى بالتنافس على تحقيق المكاسب، مع ضمور متزايد لدور وأهمية هيئة الأمم المتحدة في المجال الأمني، نظراً لتقادمها واختلاف الظروف التي أنتجت صيغتها التوافقية مع انتهاء الحرب العالمية الثانية. فسلطة مجلس الأمن الدولي، كآلية لفضّ النزاعات على مستوى العالم، لم تعد كافية، وقد تحكمت بقرارات المجلس الدول الأربع المنتصرة في الحرب الكونية الثانية (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا)، ولم تعنِ إضافة الصين، كدولة خامسة إلى هذه الدول التي تمتلك حق الفيتو، سوى بترجيح كفة الأنظمة المستبدة على مستوى العالم، بينما عجزت روسيا، وريثة الاتحاد السوفياتي، عن الدخول في عصر الديمقراطيات وبقيت معلّقة على حافته.
ومثل غيرها من القضايا، تبدو عدالة مجلس الأمن الدولي في ما يتعلق بالمسألة السورية مثيرةً للمرارة والسخرية، وقد دفع السوريون جمعهم ثمناً باهظاً لحالة عدم التوافق الدولي، وخيبت فيتوات روسيا والصين ضد الأغلبية العظمى من القرارات التي اقترحتها باقي الدول دائمة العضوية في المجلس الآمال بإمكانية الوصول إلى حل سياسي عادل لقضيتنا المعقدة، لا لسبب، سوى الرغبة بمناكفة الولايات المتحدة ودول الغرب للحصول على المزيد من المكاسب، وتسجيل النقاط لصالحهما، وعلى أنقاض مصالحنا الوطنية بالذات.
من جهةٍ ثانية، تبرهن الولايات المتحدة، التي تحولت إلى قطب أوحد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته “الاشتراكية” (١٩٩١)، على عدم أهليتها لحل النزاعات التي تورطت فيها على نحوٍ مقبول، كما في العراق وأفغانستان، في الوقت الذي طالبت فيه العديد من الدول الصاعدة إلى حلبة المنافسة الدولية بتقاسم الحصص وتشكيل عالمٍ متعدد الأقطاب.
وبينما تدوس الأنظمة المستبدة حقوق الإنسان على امتداد العالم بلا رحمه، تضع الدول الديمقراطية هذه الحقوق، التي أبدعها الفكر الإنساني الليبرالي، في ثلاجة الذكريات، وتتصرف بمنتهى الأنانية إن تعلّق الأمر بحيوات وحقوق الآخرين. إن مثل هذه السياسات لم تعد تساهم في إنتاج الفقر والجهل فحسب، بل والإرهاب الأعمى أيضاً، وهو ما ينعكس على العالم بأسره.
خلاصة القول بأن الوضع الدولي لن يكون مناسباً في المدى المنظور لحل النزاعات الإقليمية والمحلية، وأن هيئة الأمم المتحدة لم تعد فاعلة في ظروف باتت مختلفة عن تلك التي نشأت فيها، إذ أن قدرة مطلق دولة، مهما علا شأنها وبلغت قدرتها، على تعطيل قرارٍ دولي ما من خلال حق الفيتو الذي حصلت عليه لمجرد انتصارها في الحرب، لا تتماشى مع أي نوعٍ من العدالة، لا بل أنها الظلم بذاته.
أما نحن فمصيبتنا مركّبة، وقد ساهم الحمقى منّا في تفجير البيت على رؤوسنا جميعاً، وأعطوا الاستبداد فرصةً ذهبية ليمضي في الخراب إلى حدوده القصوى. ولم يمّد أحدٌ إلينا يد المساعدة إلا بحدود ما يبقينا أحياء، من أجل أن يستمر الصراع والموت بيننا وعلى أرضنا، طالما أن المتدخلين لم يتفقوا ويتوافقوا على تقاسم الحصص في بلدنا وفي غير منطقة، فأصبحنا مجرد رهائن لحين تحقُّق مصالح الآخرين.
لقد آن الأوان من أجل مراجعة حساباتنا وتبديد أوهامنا في زمن انكشاف المواقف والسياسات، وآن للمخدوعين أن يتوقفوا عن الانصياع والتذلل لقوى الأمر الواقع تحت أي حجة أو دافع، على حساب مستقبل أبنائهم وبلدهم، وفي غيبة عن التاريخ وحقائقه الصادمة.
ما يميز هذه المرحلة هو اختلاط المواقف والحالات، فقد نجد الجلاد والضحية يرقصان سويةً، والأسى وقد لبس رداء الفرح، ومنافقين ومتسولين ومرضى نفسيين يزهقون كرامتهم على أبواب سادةٍ طارئين، وتائهين يرفسون جثث أبنائهم ومستقبل الباقين منهم بذات الأقدام، في زمن انتُزعت قيمه ومعاييره واستُبيحت فيه حياة الناس ومصادر رزقهم وعيشهم.
والفرح أمر مختلف تماماً، وهو يرتبط بالعفوية والحرية والعدالة وتحقيق الإنجازات المختلفة، فأين الحال من كل ذلك؟ إنه مجرد سراب فرح عابر يطارده بائسون وقد اشتاقوا للحياة، بينما تبكي قلوبهم وهم يتسولون لقمة العيش. إن كل هذا العبث والمجون والصخب لن يحقق أي فرق، ولا يبني حتى قنّا للدّجاج، فكيف ببناء أوطان يطيب العيش فيها، وما تزال برسم المستقبل!

  • استاذ جامعي سابق، ممنوع من التعليم بتهمة ربيع دمشق