تساؤلات بين الفلاسفة والمفكرين حول الديمقراطية

الخميس،28 تشرين الأول(أكتوبر)،2021

تساؤلات بين الفلاسفة والمفكرين حول الديمقراطية

سلام المهندس

من المسلم به أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه وهذا يستلزم أنه سياسي بالطبع أيضا فهو مواطن في الدولة كذلك والدولة تعتبر مؤسسة اجتماعية أساسية للتنظيم السياسي والاجتماعي والاخلاقي لجميع المواطنين، إذ لا يمكن لمجتمع إنساني أن يستمر في الوجود من غير سياسة تنظم شؤون الأفراد داخل المجتمع، لكن ما طرح التساؤلات بين الفلاسفة والمفكرين حول تطبيق هذه السياسة في مجتمع متبني للديمقراطية، هو أن بعضهم ذهب إلى القول بأن الحرية السياسية كافية لإقامة نظام ديمقراطي، على خلاف البعض الآخر و الذي يعد الديمقراطية العادلة مرهومة بتطبيق الديمقراطية الاجتماعية (تتحدد بتطبيق المساواة) فهل يا ترى أن الاعتماد على الحريات السياسية كاف لإقامة ديمقراطية عادلة؟ وهل يمكن تحقيق الاستقرار في ظل الديمقراطية الاجتماعية؟
عرض منطق الأطروحة: (الحريات السياسية كافية لإقامة نظام ديمقراطي عادل وتحقيق الاستقرار السياسي)
يرى أنصار النظام الرأسمالي أن الديمقراطية العادلة أساسها الحريات السياسية، حيث أن هذا النظام ربط بين الديمقراطية وفكرة الحريات الفردية وهذا المذهب هو نظرية في السياسة و الاقتصاد، كما ذهب إلى ذلك ماكس فيفر وأصحابها فأنصار هذا المذهب ينظرون إلى العمل السياسي من زاوية المشاركة السياسية وحق المعارضة وهذا ما عبر عنه هانري مشال بقوله (الغاية الأولى للديمقراطية هي الحرية).
إن الديمقراطية السياسية من الناحية الفلسفية ترتبط بفلسفة التنوير تلك الفلسفة التي رفعت شعار (لا سلطة على العقل إلا العقل) وتجسدت هذه الفكرة بوضوح في فلسفة هيجل الذي قال الدولة الحقيقية هي التي تصل فيها الحرية إلى أعلى مراتبها) والقصد من ذلك أن جوهر الديمقراطية قائم على حرية إبداء الرأي واحترام الرأي المخالف، وواجب السلطة والدولة هو حماية الحريات المختلفة ( السياسة والاقتصادية والاجتماعية والفكرية) فالدولة مجرد وسيط يقوم على تلبية مطالب الأفراد وتقديس الفرد كمصدر لوجودها (الحرية تعني أن يكون الشخص مستقلا عن كل شيء ماعدا القانون).
وفي هذا السياق تظهر أفكار سبينواز الرافضة لفكرة التخويف التي تعتمد عليها الأنظمة الاستبدادية فهو يأكد أن السلطة الحقيقية هي التي تحمي حرية الفكر وتضمن المشاركة السياسية للأفراد ومن الناحية التاريخية تعتبر الثورة الفرنسية في نظر رجال الفكر والتاريخ أكثر الثورات التي حملت لواء الديمقراطية السياسية وخاصة دفاعها عن المساواة السياسية، وقد ذهب أيضا جفرسون في صياغته للدستور الأمريكي إلى مطالبة الحكومات الديمقراطية بحماية حق الأفراد في الحياة و التفكير، ويمكن القول أن الديمقراطية السياسية تتميز بجملة من الخصائص أهمها: حرية الصحافة بجميع أشكالها و كذا تبني خيار التعددية الحزبية والحق في المعارضة السياسية، وترقية وحماية الحريات الفردية المختلفة والدفاع عن حقوق المرأة والطفل باعتبار الإنجاب هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها كل هذه المبادئ، اختصرها كليسون في مقولته: (إن فكرة الحرية هي التي تحتل الصدارة في الإيديولوجيا الديمقراطية و ليست المساواة) فالحرية حق طبيعي لا يمكن التنازل عنه، يقول روسو (تخلي الإنسان عن حريته هو تخليه عن صفته كإنسان).
النقد:
إن الديمقراطية السياسية التي ينادي بها النظام اللبرالي ليست إلا للذين يملكون، والملكية الفردية هي الأساس الذي يقوم عليه استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وهي السبب الرئيسي في انقسام أفراد المجتمع إلى حاكمين ومحكومين وإلى مقهورين وأسياد وإلى مضطهدين ومضطهدين مما دفع أناتول فرانس إلى القول الذين ينتجون الأشياء الضرورية للحياة يفتقدنها وهي تكثر عند اللذين لا ينتجونها ) ومن هذا المنطلق رفع كارل ماركس شعارا (يا عمال العالم اتحدوا) ثم إن إفرازات النظام الرأسمالي للطبقية والاستغلال ينعكس على الحياة السياسية وهيمنة طبقة البرجوازية (ديمقراطية شكلية)
عرض نقيض الأطروحة: (الديمقراطية الإجتماعية كافية لتحقيق صلاح المجتمع وتطبيق المساواة)
يرى أنصار النظام الاشتراكي أن الديمقراطية العادلة أساسها المساواة الاجتماعية وهذا المذهب ظهر كرد فعل ضد التطرف الإديولوجيا الليبرالية وفي هذا المعنى قال فريديرك أنجلر الاشتراكية ظهرت نتيجة صرخة الألم ومعاناة الإنسان).
الحجج و البراهين:
إن هذا النظام يسعى إلى تطبيق المساواة بين الأفراد وذلك عن طريق تحقيق مبدأ تكافئ الفرص، وإلغاء الفوارق الطبقية أو الاجتماعية بين الناس، والتي تعني المساواة بين الناس كديمقراطية التعليم والعلاج المجاني، كذلك يقوم هذا النظام عن طريق محاربة الاستغلال، وذلك عن طريق تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية من أجل تأمين وسائل الانتاج للقضاء على التفاوت الطبقي وإزالة الفقر والبؤس على الطبقة العاملة، كما يرفض التعددية و يدعو إلى نظام الحزب الواحد الذي يعبر على إرادة الجماهير و ليس هناك مجال للمناقشة السياسية (الدولة مقبرة كبيرة يجب أن تدفن فيها جميع مظاهر الحياة الفردية (الحرية الملكية) على حد تعبير بانوين، فالماركسية خاصة الماركسية اللينينية تأكد أن الديمقراطية الحقيقية تتمثل في النظام الإشتراكي الثوري الذي يهدم النظام الرأسمالي ويقيم على أنقاضه حكم طبقة العمال أو الطبقة الكادحة أو البروليتاريا بوصفها نظاما مرحليا موقوتا يفضي تدريجيا إلى الديمقراطية الواقعية التي تلغي فيها الدولة في ظل الشيوعية وهذا هو واقع الدول الاشتراكية الماركسية (الاتحاد السوفييتي سابقا، الصين الشعبية ودول أوروبا الشرقية وكوبا) التي تتبنى أنظمة ديمقراطية تعارض ديمقراطية الغرب الرأسمالي الشكلية بمعنى ديمقراطية الدول الاشتراكية هي ديمقراطية الشعب بأكمله، فالديمقراطية الاجتماعية تهدف إلى ضرورة الانتقال من المرحلة الاشتراكية إلى المرحلة الشيوعية التي تتجسد فيها المساواة الكاملة وفي هذا المعنى قال لينين في بيان الحزب الشيوعي (الاشتراكية نظام لا طبقي له شكل واحد الملكية العامة لوسائل الإنتاج و المساواة الاجتماعية الكاملة بين الأفراد و ملخص الأطروحة أن الديمقراطية الاجتماعية ترى أن المساواة الاجتماعية هي التي يجب أن تحتل الصدارة في العمل السياسي وليست فكرة الحرية.
النقد:
إن النظام الاشتراكي رغم ما حققه من إنجازات اجتماعية قد تحول في نهاية المطاف إلى نظام دكتاتوري شمولي في كثير من البلدان الاشتراكية، نظرا لغياب الحريات الفردية وقع كل محاولات التجديد في غياب قوة معارضة نافدة مراقبة، فإن الحزب الحاكم لا يستطيع أن يصحح أفكاره وبالتالي لا يحقق صلاح للمجتمع.