آدار برس تحاور المحامي مصطفى أوسو عضو مركز عدل لحقوق الانسان

الخميس،8 آذار(مارس)،2018

باعتقادي أن الثورة في سوريا لم تفقد معناها رغم كل ما أصابها من أمراض وتشوهات وكل ما رافقها من أخطاء وتجاوزات.. ولا بد من بناء سوريا الجديدة على المبادئ والأسس التي ثار من أجلها الشعب السوري، وأن تكون سوريا وطناً لجميع أبنائها ومكوناتها.
الجيش الحر، الذي تشكل من أجل الدفاع عن المواطنين السوريين وحمايتهم في مواجهة آلة النظام القمعية ومليشياته، لم يبق هو نفسه، بعد أن تحول غالبيته إلى أداة بيد الدول المتحكمة بالأزمة السورية.


القضية الكردية، يجب أن تكون قضية وطنية سورية، ويجب حلها بالحوار الديمقراطي فيما بين جميع مكونات المجتمع السوري، وفق أسس الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات ومبادئ الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.


اعتقد أن ما يجري في عفرين، من عدوان تركي غاشم عليها، ومقاومة أسطورية من قبل المدافعين عنها، وحّدَ إلى درجة كبيرة كلمة الكرد في كردستان سوريا.. وتبقى مسؤولية الأحزاب السياسية، تعزيز هذه الوحدة من خلال العمل على حل خلافاتها الداخلية.

جاءَ ذلك في حوارٍ أجراه “آدار برس” مع الناشط الحقوقي والسياسي المستقل “مصطفى أوسو” حول الثورة السورية وتحولاتها، وانتهاج الكرد الخط الثالث، إضافةً إلى العملية العسكرية التركية في عفرين ومشاركة الجيش الحر في هذه العملية، وعما إذا كانت مقاومة عفرين قد وحّدت كلمة الكرد في روج آفا.

 

وفيما يلي نص الحوار كاملاً:

الثورة السورية التي بدأت عام 2011 كانت ثورة مباركة بشهادة الكثيرين، وبعد كل هذه السنوات من الحرب، هل لا زالت ثورة، وماذا حل بها؟

لا أحد يختلف على أن الحراك الشعبي الذي حدث في سوريا أواسط آذار 2011 كان ثورة -بكل ما تعنيها من دلالات- ضد الظلم والفساد والاضطهاد والتمييز وغياب العدالة والمساواة في المجتمع السوري لعقود طويلة من الزمن، ومن أجل الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

وباعتقادي أن الثورة في سوريا، لم تفقد معناها رغم كل ما أصابها من أمراض وتشوهات وكل ما رافقها من أخطاء وتجاوزات هنا وهناك، من قبل الأطراف والجهات التي حاولت أن تركب موجتها وتستغلها لأهدافها وأجنداتها الخاصة، بدعم وتمويل خارجي وبقوة الحديد والنار، وانكفاء أصحابها الحقيقيين من القوى الشبابية والمدنية والديمقراطية إلى الصفوف الخلفية.

كما واعتقد أنه من المستحيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والعودة بسوريا إلى ما كانت عليها قبل عام 2011 من الديكتاتورية والشمولية وحكم الحزب الواحد والقومية الواحدة، والطمس على الآخر المختلف ومصادرة حقوقه وحرياته. إذ لا بد من بناء سوريا الجديدة على المبادئ والأسس التي ثار من أجلها الشعب السوري، وأن تكون سوريا وطناً لجميع أبنائها ومكوناتها، يتمتع فيها الجميع بحقوقهم القومية والوطنية الديمقراطية، وفق قواعد الحق والقانون وحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.

حسبما تؤكد الوقائع.. فإن هذه الثورة تم استنزافها .. هل هو عيب في أيديولوجية الثورة أم استهداف لها؟

صحيح، الثورة تم استغلالها واستنزافها، سواء من قبل القوى التي حاولت أن تستغلها لأجنداتها السياسية أو الفكرية، أو القوى التي حاولت بكل الأساليب والوسائل أن تنخر في جسدها من أجل عدم وصولها لأهدافها وإفشالها وإجهاضها.

ولعل ما سهل تحقيق ذلك، هو غياب الحياة السياسية الديمقراطية في المجتمع السوري، التي عمل النظام على منعها وقمعها ومصادرتها بجميع الأساليب والوسائل المتاحة لديه، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية في مسارها ومسار تطورات الأحداث التي رافقتها منذ بداية انطلاقها والمستمرة حتى اللحظة الراهنة.

ألا تؤكد الوقائع أن انتهاج الكرد للخط الثالث كان مصيباً، خاصة أن من وقف معهم الكرد سابقاً، يقومون الآن بشتى أنواع الجرائم في عفرين؟

الكرد في سوريا، ناهضوا سياسات الأنظمة السورية المتعاقبة على الحكم، وسياساتها القائمة على الظلم والاضطهاد والتمييز، وغياب الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، منذ بدايات الاستقلال وحتى لحظة اندلاع الثورة، فقاموا بحركات احتجاجية وانتفاضات في مراحل مختلفة من تاريخ سوريا – انتفاضة 12 آذار 2004 مثلاً – في مواجهة سياسة الاضطهاد المتبعة بحق الشعب الكردي في سوريا وحرمانه من أبسط حقوقه القومية والوطنية الديمقراطية، وللمطالبة بالحريات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في عموم البلاد.

وعندما انطلقت الشرارة الأولى للثورة في سوريا، بالأسس والشعارات التي قامت عليها، كان لا بد للشعب الكردي من أن يكون جزءاً منها وأن يتصدر صفوفها في العديد من المناطق، تعبيراً عن رفضه للاستبداد والشمولية والظلم والاضطهاد..

وكل ذلك، لا يعني أنه وقف مع هذا أو ضد ذاك، فهو انحاز إلى جانب المشروع الديمقراطي الذي نادت به الثورة، في مواجهة مشروع الطغيان والاستبداد الذي مارسه النظام لعقود طويلة، وهذا شيء طبيعي لشعب عانى ما عاناه من ظلم واضطهاد وحرمان ومشاريع عنصرية، في وقت أظهر فيه النظام الحاكم في سوريا، عجزه عن مواكبة حركة العصر وتطوراته.

وهنا يجب التأكيد على أن مواقف الأحزاب الكردية في سوريا، من قوى المعارضة السورية، يجب أن تنطلق من نفس الرؤية التي أشرنا إليها، حيث يجب مواجهة محاولتها إعادة انتاج سياسة الاستبداد والظلم والديكتاتورية، وحرمان أبناء الشعب السوري ومكوناته المختلفة – والشعب الكردي خصوصاً – من حقوقهم القومية والوطنية الديمقراطية وحرياتهم الأساسية.

على صعيد الجيش الحر.. هل يمكن أن نفرّق بين من هم يسلكون الآن درب الارتزاق مع الحكومة التركية في عفرين؛ ومن يقاوم الاستبداد الأسدي في غير المدن؟

بالتأكيد نعم، فرغم أن الجيش الحر، الذي تشكل من أجل الدفاع عن المواطنين السوريين وحمايتهم في مواجهة آلة النظام القمعية ومليشياته، لم يبق هو نفسه، بعد أن تحول غالبيته إلى أداة بيد الدول المتحكمة بالأزمة السورية، لتنفيذ اجنداتها ومشاريعها الخاصة، التي لا تمت بصلة للمشروع الوطني الديمقراطي السوري، وبشكل أخص تلك الفصائل المسلحة المرتبطة بالمشروع التركي الساعي إلى المزيد من التوسع والسيطرة على الشمال السوري، لضرب المشروع القومي الديمقراطي الكردي، ومحاولة منع تطوره وتقدمه ومحاولة القضاء عليه، والعمل على المزيد من تفتيت النسيج المجتمعي السوري من خلال تعقيد وتأزيم العلاقة بين مكوناته المختلفة، وخاصة بين الكرد والعرب، إلا أنني لا أعتقد أن التعميم في مثل هذه القضايا مجدية ولا مفيدة، ولا بد في النهاية من البحث عن شركاء حقيقيين في المجتمع السوري يجمعنا وأياهم قواسم مشتركة، فالقضية الكردية، يجب أن تكون قضية وطنية سورية، ويجب حلها بالحوار الديمقراطي فيما بين جميع مكونات المجتمع السوري، وفق أسس الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات ومبادئ الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

هل استطاعت عفرين أن تجمع كلمة الكرد، على الأقل في روج آفا؟

اعتقد أن ما يجري في عفرين، من عدوان تركي غاشم عليها، ومقاومة أسطورية من قبل المدافعين عنها، وحّد إلى حد كبير كلمة الكرد في كردستان سوريا، فالكل شعبياً وجماهيرياً، يقف في جبهة واحدة مع هذه المقاومة البطولية، ضد العدوان التركي، وتبقى مسؤولية الأحزاب السياسية، هي: تعزيز هذه الوحدة من خلال العمل على حل خلافاتها الداخلية، التي أثرت سلباً على مجرى تطور الأحداث.

في ظل المعركة الغير متكافئة في عفرين، والتي تجاوزت الأربعين يوماً، من المنتصر حتى الآن، القوات الكردية أم تركيا والجيش الحر المتحالف معها؟

في الحروب عموماً، لا توجد فيها منتصرون ومهزومون، فالكل فيها خاسر، لأنها تفتك بالبشر والحجر، وتأكل الأخضر واليابس. وفي النهاية لا بد من العمل على إيجاد حلول سياسية للمسائل والقضايا العالقة.

وبالنسبة للوضع السوري عموماً، ومن ضمنه العدوان التركي على عفرين، الناجم أصلاً عن “الفوبيا” التركية من القضية الكردية، أعتقد أنه لا مناص للخروج منه إلا بتسوية سياسية قائمة على احترام خيارات شعوب المنطقة وإرادتها في العيش بحرية وممارسة حقها في تقرير مصيرها، بعيداً عن سياسة القمع والعنف والتجاهل والإقصاء ومحو الخصوصية واقتلاع الجذور.

وإذا خرجنا من هذا الإطار العام، فأننا نستطيع أن نقول: أن ما جرى ويجري في عفرين، من مقاومة بطولية، في مواجهة إحدى أقوى دول “حلف الناتو”، مدججاً بأحدث أنواع الأسلحة الفتاكة وقوة نيران كثيفة في الأرض والجو، ومدعوماً بالآلاف من المليشيات الإرهابية، التي رعتها ودعمتها تركيا، بالمال والسلاح وتسهيل التحرك، منذ بداية الأزمة السورية، وارتكابها انتهاكات وجرائم مروعة، ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، في ظل صمت وتواطؤ دولي وإقليمي وداخلي، أذهلت العدو قبل الصديق. ولا بد لهذه المقاومة البطولية، أن تفرض في نهاية الأمر، وبغض النظر عن مجريات تطور المعارك، حلاً لن يكون في المحصلة النهائية لمصلحة تركيا ومن تقوم بتشغيلهم لأهدافها وأجندتها الخاصة، ممن يدعون بـ “الجيش الوطني السوري”، وهم ليسوا إلا بقايا التنظيمات الإرهابية، من داعش وأخواتها، التي تم دحرها في مناطق مختلفة من سوريا.

حوار/ سلام أحمد

تحرير/ ع. أحمد