عن فقه التعايش

الخميس،8 أيلول(سبتمبر)،2022

عن فقه التعايش

عبد الحسين شعبان

تعاني الكثير من المجتمعات التمييز والإقصاء والتهميش إزاء الهويّات الفرعيّة، بزعم «الأغلبية»، أو «الادعاء بامتلاك الحقيقة»، أو «الأفضليات»، تارة باسم الدين، وأخرى باسم الطائفة، أو المذهب، أو الاتجاه السياسي، أو التوجه الأيديولوجي، أو الأصل الاجتماعي، أو اللغة، أو الجنس، أو اللون، وهي ظواهر لا تزال تعيشها العديد من المجتمعات، الأمر الذي يؤدي إلى الانتقاص من مبادئ المواطنة المتساوية والمتكافئة التي تستلزمها الدولة العصرية.
ويقود ذلك إلى احترابات ونزاعات، بعضها مسلّح ويدوم لعقود، أو حتى لقرون، حيث شهدنا حروب إبادة، وجرائم ضدّ الإنسانية، وجرائم حرب وتهديد للسلم والأمن الدوليين. والمسألة لا تتعلّق بكل مجتمع فحسب، بل إنها تمتد إلى العلاقات الدولية، فبسبب غياب «التعايش» شهدت أوروبا حروباً دينية وطائفية كانت أكثرها دموية حرب المئة عام، وأعقبتها حرب الثلاثين عاماً التي انتهت بصلح ويستفاليا ١٦٤٨، لكن دورة الحروب، وإن توقّفت لحين، كانت أكثر ضراوة وقسوة راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر خلال القرن العشرين، أبرزها الحربان العالميتان.
ما المقصود بفقه التعايش والمشترك الإنساني؟ وما هي الجوامع التي يمكن أن يلتقي عندها بنو البشر بغضّ النظر عن هويّاتهم الفرعية وخصوصياتهم الثقافية؟
وإذا كان الإنسان حيواناً اجتماعياً بطبيعته، حسب أرسطو، وعاقلاً وناطقاً في الآن، أي أنه لا يستطيع العيش منعزلاً، أو معزولاً عن المجتمع، فهذا يعني أن المشترك الإنساني ينبع من حاجات الإنسان الفطرية، ويمثّل قيماً فاضلة ومبادئ سامية تعبّر عن جوهر النفس البشرية، وتتجاوز الحضارات والثقافات والمجتمعات، وبقدر ما تكون الخصوصية حاجة ماسّة، إنما ليست انغلاقاً أو انعزالاً، بقدر كونها إضافة وتواصليّة وتفاعليّة مع الهويّات الأخرى في إطار المشترك الإنساني الذي يتلاقى عنده البشر.
الحريّة والعدل ورفع الظلم عن المظلوم والمساواة والشراكة والمشاركة هي قيم إنسانية سامية، وهي تمثّل اليوم الأساس في المواطنة الفاعلة والمتكافئة، وهذه ليست حكراً على أحد، أو مجموعة بشرية، أو أمّة، أو شعب، أو مجتمع، أو دولة، بل هي قيم جامعة وموحِّدة، وهي تحمل في ثناياها مراعاة الخصوصية تساوقاً مع التطوّر التاريخي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، مع الأخذ في الاعتبار التواصل والتعارف والتآزر والتواصي والتسامح بين البشر.
وقد جاء الإسلام على حفظ الضرورات الخمس للتعايش السلمي للمشترك الإنساني، وهذه الضرورات تمثّل الكرامة الإنسانية، ويتم التعبير عنها فقهياً، والأمر يتطلّب إعمالها، لا حفظها كمعلّقات، بقدر ما يتم تجسيدها على أرض الواقع.
وأولى ضرورات الاجتماع الإنساني المشترك هي حفظ النفس، وهو يعني «حق الحياة والعيش بسلام ومن دون خوف»، وهو المبدأ الأول للحقوق الإنسانية، وفقاً للشرائع الدولية المعتمدة، والمقصود بذلك تحريم القتل، أو الاعتداء على سلامة الجسد وحفظ الكرامة الإنسانية والحق في الحريّة. وحسب سورة المائدة، الآية ٣٢ «مَنْ قَتَلَ نَفْساَ بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً».
أما الضرورة الثانية، فهي حفظ العقل، والعقل هِبة ربّانية منحها الخالق للإنسان، وعليه استخدامها وتنميتها بالحكمة وبُعد النظر والتروّي، على قاعدة تفعيل المشترك في حياة البشر، أمماً وشعوباً وقبائل، على أساس التواصل الإنساني خارج أي اعتبار ديني، أو عنصري، أو استعلائي، وذلك بتعزيز الروابط الإنسانية التي ترتقي بالمجتمع الإنساني لما فيه الخير والنفع والعدل والمساواة والسلام. والضرورة الثالثة، وهي حفظ الدين، أي العقيدة والإيمان، إنما تقوم على أساس احترام عقيدة وإيمان الآخر، في حين أن حفظ العرض هو الضرورة الرابعة، أما حفظ المال فهو الضرورة الخامسة، أي عدم التجاوز عليه تعسّفاً وبما يلحق ضرراً بالإنسان.
وهذه الضرورات جميعها وردت في إطار الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. وهي تلتقي بثلاثة حقول في النفس البشرية، وهي الجسد والعقل والروح، وهناك علاقة عضوية بين هذه المكونات الثلاثة، وهي لدى البشر جميعاً في مشرقهم وفي مغربهم، وحيثما يكونون، لأنها تمثّل مشتركات جامعة، وسواء أكانت المجتمعات متقدّمة أم متأخّرة، موحّدة أم غير موحّدة، مؤمنة أم غير مؤمنة، لكنها تمثّل قاسماً مشتركاً أعظم للبشر.
وإذا كان الإنسان كائناً اجتماعياً بطبعه كما ورد ذكره، فقد جاءت رسالة الأديان، ولاسيّما الإسلام، تدعو إلى التواصل والتفاعل والتعاون والتسامح، تلك التي تؤسس للكليات الجامعة، ما يمثل فقه التعايش، وهو يمثّل ضابط مسيرة الفرد والمجتمع في شؤونه لا تستقيم حياة البشر من دونه.

المصدر: موقع “الخليج” الإلكتروني