لم يكن من قبيل المصادفة أن يتزامن حلول الذكرى الثامنة لانطلاق الاحتجاجات في سوريا مع ظهور 3 مشاهد، بالغة الدلالة والرمزيّة، نقلتها وسائل الإعلام من الغوطة الشرقية ومدينة عفرين معاً.
فبينما كان بشار الأسد حريصاً على الظهور يوم الـ 18 من آذار في الغوطة الشرقية واستعراض انتصاره على أنقاض مدنها وأشلاء مدنيّيها، كانت فصائل ما يسمى بـ ‹الجيش الوطني›، النسخة المستحدثة من ‹الجيش الحر›، منشّغلة بنهب مدينة عفرين وسرقة ممتلكات المدنيين فيها.
تلى ذلك مشهد رفعِ العلم التركي فوق سارية المجلس التشريعي بعفرين، نقلته وكالة الأناضول في شكل مقتضب، ركزت فيه على جندي تركي يُهدي «النصر في عفرين إلى شهداء الجيش والشعب التركيين، في يوم الشهيد التركي المصادف لـ الـ 18 من آذار»، بحسب تعبيره.
قد تبدو المشاهد السابقة بما تحمله من دلالات صادمة، ومضَاتٍ من لحظات مفصلية من عمر الحدث السوري الذي دخل عامه الثامن، لكنّها تكفي لكي تضيء للمرء كيف قُيّض لهذا الخراب المعمّم أن يجتاح البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وإلى أيّ اتجاه يمكن أن تؤول حال السوريين وثورتهم بعد الآن.
فأن يبارك بشار الأسد جنوده بالنصر من الغوطة التي كانت رأس الحربة في تهديد نظامه طوال سنوات، لهو مشهد يعني في دلالته المباشرة، أنّه بات يمتلك أفضلية ميدانية، وبالتالي رصيداً سياسياً سيجعله قادراً على التحكّم بشروط أيّ مفاوضات قادمة.
أما في الجانب الرمزي فإعلانه «النصر» في ذكرى الثورة، لهو تأكيد على مكسب معنويّ لا يوازيه الأثر الذي تركته سيطرة قواته على أحياء حلب الشرقية قبل عام ونصف، الأمر الذي سيزيده قناعة بخيار الحسم العسكري، وإمكانية إعادة كامل البلاد إلى حظيرة الطاعة، إذا ما استمرّت الظروف لصالحه فترة إضافية.
بينما في دلالات مشهد النهب الذي اجتاح عفرين على نطاق واسع، سنجد أنّ أولى الخسارات التي منيت بها «فصائل الجيش الوطني» فور سيطرتها على المدينة، هي خسارتها لإمكانية كسب ثقة العفرينيِّين، بعد أن ضُبطَت متلبّسة في صورة العصابات الباحثة عن الغنائم، لا صورة الثوّار الباحثين عن شراكة مستقبلية مع أبناء بلادهم.
إلى جانب ذلك فإنّ احتفال عناصرها ممن كانوا حريصين على رفع سيوفهم واستعراض هيئاتهم السلفية فوق أنقاض الرموز الكردية في المدينة، فهي لم تكن إلا مصداقاً لصورتهم الحقيقة التي كشفتها مقاطع التمثيل بالجثث والتشفّي بالأسرى والوعيد بالانتقام من «الملاحدة والخنازير».
الأكثر مرارة من كلّ ما تقدّم هو أن تجد بين تلك الفصائل التي نهبت وعفّشت في عفرين، من تعرّضت مناطق سُكناها إلى التعفيش والنهب والتهجير على يد شبّيحة النظام، قبل أن يتمّ ترحيلهم إلى إدلب في صفقات متتالية، وأن تجد بينهم فصائل تركت الجبهات المشتعلة ضدّ النظام في إدلب، وفضّلت ‹الجهاد› في معارك عفرين، لذا قد تتجلّى الخسارة الأكبر لثوار الغنائم هؤلاء في تحقيقهم لمكسب إضافي لصالح بشار الأسد، قد يفوق ما حلم به لدى اتّباعه استراتيجية تحييد الأقلّيات بداية الاحتجاجات. وهو نجاحهم في تحويل غالبية المجتمع الكردي إلى خانة الأعداء لهذه ‹الثورة› التي لا حاجة لها بعداوات إضافية.
في المحصّلة، لم تعد هذه الفصائل المعارضة وممثلوها السياسيون يملكون أيّ تمايز أخلاقي عن النظام السوري، بعد أن ارتكبوا جلّ الأفعال والممارسات التي كانوا ينتقدون النظام على أساسها طوال السنوات الماضية.
هكذا يبدو التساؤل مشروعاً عن القيم التي أفرزها هؤلاء، عدا زرع الأحقاد بين مكوّنات هذه البلاد التي باتت مقسّمة في القلوب والعقول، حتى وإن لم يترجِم ذلك حقائق سياسية على الأرض، وعن الرابط الذي يمكن أن يجمع هؤلاء ‹الثوار› وأولئك الشبّان الذين خرجوا في احتجاجات سلميّة ينشدون السلام والتغيير لبلادهم ربيع العام 2011.
مع الانتقال إلى مشهد الانتصار التركي في عفرين وخلوّه من أي إهداء للسوريين أو «لثوارهم المسلمين»، سنجده منسجماً مع جوهر تصريحات القيادات التركية التي برّرت هجومها على المدينة بحجة حماية الأمن القومي لبلادها، بالتالي فإنّ أيّ تواجد لهذه الفصائل المسلوبة الإرادة في عفرين، لن يكون إلا وفقاً للتصوّر والأجندة التركية، وأما أقذر ما يمكن أن تقوم به، فهو حصولها على عار إحداث تغيير ديمغرافي بعفرين وقراها، بعد أن كان التغيير الديمغرافي السبب في تهجيرها من مناطقها.
فأردوغان سبق واتفق مع «صديقه بوتين» على تسليم حلب الشرقية للنظام، في مقابل إطلاق يده في معركة درع الفرات، التي أعلن عنها في الرابع والعشرين من آب 2016، في توافق مع الذكرى الخمسمئة لمعركة مرج دابق، التي ترمز إلى بداية السيطرة العثمانية على غالبية البلاد العربية لأربعة قرون.
في شكل مماثل، لا يبدو أنّ تزامن المشاهد الثلاثة أعلاه في الغوطة الشرقية وعفرين معاً قد أتى بمحض المصادفة، بل هو أقرب إلى توكيدٍ للاتهامات التي تطال الرئيس التركي بخصوص صفقته الجديدة مع الروس، والتي كانت بمثابة اللدغة الثانية «للثوار المجاهدين»، لكونها أجازت له السيطرة على عفرين، في مقابل المساهمة في تسليم الغوطة الشرقية للنظام.
فلا يخفى أنّ «سلطان المسلمين» الذي وعد عائلات من سقطوا على جبهات عفرين بالتعويض المجزي ومنحهم الجنسية التركية، كان قد أكّد أكثر من مرة في تصريحاته على أنّ «القضيّة الأساسيّة في عفرين هي إعادتها إلى سكّانها الأصليين، وأن نسبة السكان العرب في عفرين هي 55% بينما نسبة ساكنيها، ومن الذين استقروا فيها لاحقاً من الكرد هي35%، في حين تتراوح نسبة التركمان بين 17% إلى 18 %»، وهو ما يناقض الحقائق الديمغرافية على الأرض، لكون الكرد يشكلون الغالبية الساحقة، حتى وفق ما تقرّه التسمية التاريخية باللغة التركية لهذه المنطقة المعروفة بـ «كرد داغ» (أي جبل الكرد)، كما أنّ الوجود العربيّ لا يتعدى المدينة وريفها الجنوبي فقط، بينما لا يمكن الحديث عن نسبة وجود للتركمان فيها مطلقاً.
ربما لا نعلم ما إذا كان التغيير الديمغرافي المستمرّ من قبل النظام والروس والإيرانيين منذ سنوات، والذي تمت أواخر فصوله بوساطة تركية، سيتحوّل إلى قضية حيّة وجوهرية لدى المعارضة السورية، تماماً كما حقّ العودة الذي يطالب به الفلسطينيون منذ عقود، إلا أنّ ذلك لن يستوي من الجانب الأخلاقي والمنطقي دون أن تشمل هذه القضية عفرين، بما تعنيه من سماح لأهلها الأصليين بالعودة إلى أراضيهم ومنازلهم.
آخر ما يُخشى مع حلول الذكرى التاسعة للثورة السورية العام القادم، هو أن يتكرر المشهدُ الذي طالب فيه أحد شيوخ مجلس العشائر السورية الرئيس التركي بمنح الجنسية التركية لأعضاء مجلسهم، فنجد حال «الثوار والمجاهدين» وقد صارت القضية كلها لديهم فقط قضية «وطنداش».
(روك اونلاين)

