كانت الجزر اليونانية نقطة دخول إلى بلدان الاتحاد الأوروبي لـ857 ألف لاجئ فروا من الحرب في ذروة أزمة المهاجرين قبل ثلاثة أعوام.
في الأشهر التالية، شدّت جزيرة ليسبوس إنتباه العالم للحقول المغطاة بنصف مليون من سترات النجاة والمقابر المملوءة بغرقى حاولوا عبور بحر إيجه من تركيا المجاورة.
تلاشت ليسبوس من العناوين الرئيسة حتى المطالب الأخيرة بإغلاق معسكراتها وتحذيراتها من حدوث حال طوارئ صحية. الصراعات التي تسببت في نزوح 2015 لم تتوقف. تستمر العائلات والشابات والشباب والأطفال في القيام برحلات محفوفة بالأخطار عبر القارات على أمل حياة أفضل في أوروبا.
في آذار (مارس) 2016، توصل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق مع تركيا لإعادة آلاف اللاجئين. وبموجب هذه الصفقة، يجب أن يظل أولئك الذين يصلون في الجزر اليونانية هناك ما لم يوافق على طلباتهم للجوء، أو يواجهون الترحيل إلى تركيا.
آنا زاخارياس أجرت تحقيقاً ميدانياً عن واقع الحال، نُشر أخيراً في «ذا ناشيونال»، ومما سلّط الضوء عليه مخيم موريا «السيئ سمعة» الذي يضم 9 آلاف نسمة، أي ثلاثة أضعاف قدرته استيعابه.
ويطالب سياسيون ومنظمات غير الحكومية بوضع حد لسياسة الاحتواء التي جعلت الجزيرة مكاناً للبؤس لأولئك الذين جاءوا بحثاً عن ملجأ.
حوالى 1500 شخص ينامون على التلال خارج المخيم. في مثل هذه الأمكنة يعرف الجميع اليوم الذي غادروا فيه منازلهم. السيدة عباس وعائلتها غادروا في الأول من كانون الأول (ديسمبر) الماضي، دفع زوجها 10 آلاف دولار ليكون للعائلة مكان في «مغامرة» الهروب من بغداد. لقد وصلوا إلى إسطنبول قبل نفاد النقود. تشارك طفلان زجاجة من الحليب يومياً. أرسل أحد الأقارب نقوداً لنقلهم إلى إزمير على الساحل التركي الغربي حيث دفعوا 150 دولاراً للمهرّب الواحد لكل ستة أماكن على متن قارب صغير مع 45 آخرين.
قال الزوج: «نمنا في الشوارع وبقينا يومين بلا طعام، ثم أرسل صديقي المال وذهبنا من اسطنبول إلى أزمير ووصلنا إلى هذا الجحيم».
قصتهم واحدة من قصص اللاجئين إلى ليسبوس. كان حوالى ربع الذين وصلوا إلى اليونان من طريق البحر هذا العام من النساء وأكثر من ثلثهم من الأطفال.
يشكّل العراقيون ثاني أكبر جنسية يصل أفرادها من طريق البحر، بعد السوريين. الجميع في مدينة الخيمة قاموا بالرحلة ذاتها عبر البر والبحر.
قرّرت عائلة عباس توفير حياة أفضل لبناتها في بستان الزيتون خارج جدران موريا العارية. لقد ناموا في خيمة نايلون أشهراً قبل شراء قطعة قماش من عائلة أخرى في مقابل 200 يورو. وبالنسبة للفتيات، هذه الخيمة هي عالمهن كله.
الابنتان نرجس وفرح (6 سنوات) كبيرتان بما يكفي للذهاب إلى المدرسة. لكن نور (4 سنوات)، زينب (3 سنوات)، فاطمة (سنتان) يقمن في الخيمة الصغيرة مع والدتهما طوال اليوم. ليس لديهن كتب ولا لعب.
للتسلية، يشتركن في هاتفين جوّالين واللعب مع بعضهما بعضاً على مرتبتين على الأرض. تعدّ وجبات الطعام في مطبخ موقت حيث تُغسل الأواني بمياه باردة معبأة في زجاجات. أما المراحيض والحمامات فأمامها طابور من المنتظرين، فقد خُصص مرحاض لكل 72 شخصاً و «دوش» مياه لكل 84 شخصاً.
يستخدم محمد مهاراته كمهندس كهربائي في منظمة غير حكومية محلية. هو وزوجته يتحدثان بهدوء، وأطفالهما ودودون. قبل أربعة أشهر كثر في المخيم تفشّي «جدري الماء».
عندما تكون الأوقات صعبة، يكون الهاتف الخليوي بمثابة تذكير بالسبب وراء مغادرتهم بغداد. تعرض السيدة عباس على شاشته فيديو لمسلحين يطلقون النار على أحد الشوارع. «هذا منزلنا» تقول، مشيرة إلى ثقوب في سقف خرساني. وتضيف: «هذا منزلي. هذا هو سقفي». وتفصح نرجس: «أتذكر أن العراق لم يكن جيداً، أنا أكثر سعادة هنا». تعلّق والدتها: «إنها تتذكر إطلاق النار».
سوء تغذية
تقع خيمة الأسرة في أراضي مستأجرة قانونياً حيث يُسمح للعاملين في مجال الإغاثة بتوفير الغذاء والمساعدة. الإفطار هو كرواسون والحليب. وكان طبق الغداء في اليوم السابق مكوّناً من الأرز والدجاج الدهني».
لكن السيدة عباس تبدو قلقة في شأن تغذية أطفالها. وتوضح: «فاطمة تعاني من نقص في الكالسيوم، أساعدها على الوقوف، ركبتاها ضعيفتان».
وإلى أعلى التل، ينام القادمون الجدد ومعظمهم من الشبان، في الهواء الطلق على البطانيات. عندما تصل الأمطار الشتوية الأولى في غضون أسابيع، ستتحول الأرض إلى وحل. إنهم يتهمون صاحب الأرض بالتهديد بحرقهم. وسيواجه الزوجان العراقيان فترة انتظار طويلة، لكن كعائلة سيكونون أولوية بالنسبة إلى منظمات الإغاثة والدعم. وبالتالي قد لا يكون هناك أي أمل على الإطلاق بالنسبة إلى الرجال غير المتزوجين. ويبدي أحدهم، الذي يطلق على نفسه إسم أليكس (21 سنة)، استياءه من هذا الوضع «إنهم لا يحترمون الرجال العزاب».
عاش علي صديق أليكس شهرين في كارا تيبي، وهو مخيم قريب للعائلات في ليسبوس ذات سمعة أفضل من موريا. ولكن عندما نقلت عائلته إلى أثينا، ترك علي خلفه. وقال: «قالوا إنني لا أستطيع الذهاب مع عائلتي لأنني في الـ19 من عمري».
إهمال وإحتقار
الشبان يشعرون بالإهمال أو الاحتقار، وفق أليكس، «نحن رجال عازبون لذا لا يمكننا الانتقال إلى كارا تيبي، وموريا خطرة للغاية» كما تنقل عنه زاخارياس، وتلفته إلى أنه «يجب أن تحترم الأطفال»، فيجيب: «أنا أحترم الأطفال أيضاً. لكن يجب أن يُحترم اللاجئون جميعهم».
الصور من الجزر اليونانية غالباً ما تظهر السوريين والعراقيين ولكن الناس قدموا من بلدان عدة بما في ذلك أفغانستان وفلسطين واليمن وجنوب الصحراء الأفريقية الكبرى.
عند مدخل مخيم الزيتون، هناك شبان من الكاميرون. هم يطهون يخنة الطماطم. يقول بعضهم إنهم معتقلون في شكل منتظم من دون سبب، وأحياناً يُحتجزون أشهراً.
خارج البوابة الرئيسة للمخيم، شابات أفغانيات يجلسن في مقهى، بدونَ سعيدات عندما سمعن أخباراً عن محاولات إغلاق موريا. تعلّق حسينة (19 سنة) إنه «جهنم».
بالنسبة إلى زبير (13 سنة) فإن وصوله إلى مخيم «مالاكاسا» شمال أثينا أعاد إشعال آماله في التعليم. فقد عاشت عائلته في موريا ستة أشهر قبل إعادة توطينهم أخيراً. «لا يوجد شيء في موريا»، يقول الفتى وهو الأكبر بين سبعة أطفال، فـ»هناك قتال فقط كل ليلة».
يريد زبير أن يصبح عالماً نفسياً. في موريا، تولّى تدريسه عمال النظافة. وهو يعلّق: «الأطفال يسألون، لماذا لا يكون لدينا مدرّسون هنا؟ نحن في حاجة إلى بعض الدروس. إذا لم يكن لدينا معلمون، فما هي أوروبا؟».
يُذكر أن الـ «يونيسيف دعت إلى تعهدات بإعادة التوطين تعطي الأولوية للأطفال وتسريع إجراءات لمّ شمل الأسر مع بلدان الاتحاد الأوروبي. وصل أكثر من 7 آلاف طفل إلى الجزر بين كانون الثاني (يناير) وآب (أغسطس) الماضيين. وحذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن الأوضاع في موريا «تصل إلى نقطة الغليان»، خصوصاً أن عدد القادمين إلى اليونان زاد 88 في المئة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي، مقارنة بالفترة ذاتها من 2017.
ودعت منظمة «أطباء بلا حدود» إلى وضع حد لسياسة الإحتواء. وقال الدكتور باربيريو: «بناء على خبرتي السريرية الطويلة وتحليل هذا السياق الصعب، أعتقد اعتقاداً راسخاً أن الوضع الحالي قد يتدهور في شكل كبير حتى في غضون الأسابيع المقبلة، مع تصاعد العنف الذي من شأنه أن يغرق الجزيرة في فوضى عارمة». ويتهم مسؤولون يونانيون سياسات مكافحة الهجرة في هنغاريا وبولندا وبلدان أوروبية أخرى التي تحد من خيارات أثينا. وقال الناطق بإسم الحكومة ديميتريس تزاناكوبولوس: «يجب علينا جميعاً أن نفهم أن السبيل الوحيد لحل شامل لأزمة الهجرة هو المشاركة المتساوية والتناسبية للاجئين في أنحاء أوروبا».
وبينما يتداول السياسيون، تنتظر السيدة عباس، فهي تريد فقط «منزلاً ومدرسة لأطفالي. لا آمل بأي شيء. مجرّد منزل. هذا هو حلمي الآن».

