السلام ودعواته الكاذبة

الإثنين،3 حزيران(يونيو)،2019

السلام ودعواته الكاذبة

ايمن ملا

ليس من الإنصاف أبدا أن ندعي السلام ولا نفهمه أو نبحث عنه ونكون أول الطاحنين والمارين على مقوماته وأسسه بأفعال تعاكس حقيقته، لأن السلام لا يعني إطلاق الفسفوريات الكاذبة هنا وهناك لكسب حالة الرضى، وإنما السلام أولا هو زوال الصراع والخصام والعوامل التي تؤدي إلى إشعال الفتن بين الشعوب والجماعات وحتى الأفراد والدعوة الصادقة إلى تمتين أواصر التعاون والحوار بين الثقافات المختلفة ومحاربة الفساد وجميع أشكال العنصرية المتسخة التي تخلقها العقول المريضة بين الأمم و أرباب الأديان واللغات.
فإذا كان بإمكان العقل البشري أن يحول الخطاب السلبي إلى أفعال إيجابية فإنه بإمكانه أيضا أن يحول الصراع الدائر إلى سلام شامل أقل تكلفة وجهدا عقليا وبدنيا وماليا، وإن الإنسان بطبيعته إذا فقد راحته النفسية فقد عقبها توازنه العقلي الذي يؤدي بشكل أوتوماتيكي إلى تحويل الخطاب لديه من الإجاب إلى السلب الأمر الذي ينعكس نتائجه سلبا إلى الأشخاص العاديين من عامة الناس فيعم الضرر كافة زويا الكون وتبقى الدعوة إلى السلام حلم ينتهي في طرفة عين.

السلام بمعناه الحقيقي ينبغي أن لا يستثني أحدا إلا ويمر به فيشعره بالأمان ومعنى الحياة التي خلقنا الله فيها لنحصي النعم، ونتلذذ بها لا أن نجعل تلك النعم تنقلب غصات في حلقوم مسيرتنا الحياتية، فعندما يجهد أحدنا نفسه لخلق أفعال مرضية فإنه بذلك يسير في طريق السلام الذي نناشده جميعا، وإن المؤرخ البريطاني إرنولد توينبي قد عرف السلام بقول “عش ودع غيرك يعيش” هذا التعريف هو السلام بذاته إذ لا ينبغي أن تهيئ لنفسك ومن حولك ظروفا مناسبة وآمنة ثم تضع الأشواك في طريق الآخرين ليعيشوا في قلق وحيرة.
فعلى دول العالم وعقلائها أن يتجنبوا الدعوات الكاذبة للسلام وأن يمهدوا السبل لإرساء أسس موضوعية بعيدة عن الطائفية القبيحة وخلق أجواء حوارية حقيقية بين الأديان والشعوب للوصول إلى سلام يشمل الجميع ويخدمهم، فلن يكون هناك سلام بين الأمم ما لم يحدث السلام ما بين الأديان، ولن يحدث السلام ما بين الأديان ما لم يكن هناك حوار جاد بينها، وإن مسألة وحدة الإنسانية بتلاوينها المختلفة وأشكالها المتعددة وخبراتها الثقافية والتاريخية لم يكن لها أية نتائج سوى ذكر أسمها في المؤتمرات والمحافل الدولية ودون أي فائدة تذكر.
المجتمع البشري في هذا العصر أصبح كما يقال (قرية كونية صغيرة) والدعوة إلى السلام والحوار أصبحت ضرورة بالغة وأكثر توافقا مع روح العصر الذي يدعي الديمقراطية والقضاء على العنف والنزاعات لا تأجيجها، وإنها لمسؤلية كبرى وذنب لا يُغتفر حين يكون بمقدورك وضع بصمة لأجل إحلال سلام عادل ولم تفعل.
إن عصارة النتائج التي تمخضت من الدعوات المتكررة إلى سلام عالمي شامل تدل على أن العالم يقر بالسلام لكنه يجهل أو يتجاهل حقيقته، لذلك فإننا نرى بأنه يوما بعد يوم يزداد حجم الكرة السياسية نفاقا وتضخما وأن الدول العظمى في العالم قد أصبحت تتاجر بالشعوب الفقيرة علنا وأمام أعين الجميع بل إنها أصبحت تروج للحروب والنزاعات أكثر من ترويجها ودعواتها للسلام.

*المقالة منشورة على صفحة الـ “فيس بوك” للكاتب