صبري رسول:
غالبية الهجرات الكثيفة والكبيرة حدثت لأمرين: النزاعات المسلحة القومية أو الدينية، وتدني مستوى الحياة المعيشية خاصة في الأرياف.
قديماً كانت الهجرات الكبيرة تحدث بحثاً عن حياة أفضل. كلّما اجتاح الجفاف والقحط والفقر ديار القبائل، اتجهت إلى أماكن أخرى، فتندلع النزاعات بين الغزاة وأصحاب الأرض. حديثاً اختلف الأمر كثيراً. هناك أسباب أخرى للهجرات، خاصة في النزاعات بين الدول، أو في النزاعات الداخلية. أضيفت إلى ماسبق، شكلٌ آخر، إجبار السكان على النزوح، أو طردهم وتهجيرهم إلى جهات أخرى.
الهجرة البشرية السورية نحو دول الجوار وأوربا غير مستثنية من هذه الأسباب، فالنزاع المسلح واتساع رقعة الحرب وانعدام الأمن العام كانت وراء النزوح الداخلي والهجرة الخارجية. اتجه السوريون إلى كلٍّ من الأردن ولبنان وتركيا وكردستان العراق بكثافة، كما اتجهت موجات أقل إلى مصر وبلدان أخرى. أما السيل البشري الكثيف إلى أوربا فلم ينقطع حتى بدايات 2017م.
إلى جانب هذا كان عدم توفّر مستلزمات الحياة كالأمن الغذائي، والصحة والتعليم، السبب المباشر الآخر في ترك الناس لبيوتهم والإبحار إلى الغرب. كما يمكن القول أنّ عدم استقرار الأمن الغذائي وتدني مستوى المعيشة وغياب التعليم الجيد وانعدام خدمات الصحة سببٌ مباشر للنزاعات الاجتماعية التي سرعان ماتتحوّل إلى نزاعات مسلحة تقضي على مجمل الفرص الحياتية.
الريف السوري كان الضحية الأولى، وشهد النزوح الأكبر، بعد انهيار سبل العيش الكريم نتيجة الصدامات العسكرية.
وفي هذا العام كان الريف الذهبي في الجزيرة هو الضحية، حيث التهمت النيران آلاف الهيكتارات الزراعية. هذا لم يكن أمراً طبيعيا، بل أحد أنواع الحروب التي تقضي على الوجود الحياتي.
حتى لو توقّفت الحرب لن يستطيع الناس العودة إلى بلادهم إلا بتوفير جملة من العوامل المؤهلة على عودة الحياة:
- انتشار الأمن العام، لأن الخطر على حياة الناس يمنعهم من التفكير بالعودة.
- وجود فرص التعليم الجيد لضمان مستقبل الأطفال.
- تهيئة البنية التحتية، في مجالات الطاقة والمياه والصحة والخدمات العامة.
- إتاحة الفرصة للاستثمار الزراعي وتقديم التسهيلات الجذابة لعودة الفلاح إلى أرضه.
- مشاركة الناس في صناعة مستقبلهم، من خلال إشراكهم في مؤسسات صنع القرار.
كلّ هذه الأمور تكون بداية جيدة للأمن الغذائي للمجتمعات التي تنتظر العدالة في الحياة الكريمة.
—————————————-

