المرأة السورية وأحلام التغيير
منى أسعد*
شكلت المنظومة القانونية في سوريا لعقود خلت مظلة وسياجاً يحمي الثقافة التقليدية الذكورية السائدة في المجتمع من التغيير، والذي انعكس سلباً على واقع المرأة السورية، بحيث باتت ضحية للتهميش والتبعية والاستغلال وتدني مستوى التعلم والافتقار إلى الخبرات والمعارف العملية، التي تؤهلها لمواجهة الحياة والقدرة على إيجاد فرصة عمل حقيقة تعيل من خلالها نفسها أو أسرتها.
لذلك كان توق المرأة السورية إلى العزة والكرامة والحقوق المتساوية حاضراً باستمرار، مما دفعها للخروج إلى الشارع منذ اللحظات الأولى لانطلاقة الثورة السورية، لكن مع انقضاء ثمان سنوات ونيّف من الاعتقال والاختفاء، التهجير والنزوح، والكم الهائل من القتل والدمار، وجدت المرأة النازحة، في الداخل السوري أو خارجه، نفسها في ظروف بالغة القسوة والتعقيد، خاصة بعدما أودت الحرب بمعيل الأسرة وبشبابها وشاباتها وبممتلكاتها أيضاً. فبات عليها، زوجة كانت أو ابنة أو أخت، مواجهة هذه المتغيرات بكل ما تتضمنه من تحديات ومسؤوليات جمّة، ليس أقلها تأمين مورد رزق لإعالة نفسها وأفراد عائلتها والحفاظ على حياتهم.
استطاعت المرأة السورية تخطي ذلك وإن بنسب متفاوتة، ففي حين جنحت بعض النسوة باتجاه الطرق الملتوية للحصول على المال، عبر بيع بناتهن اليافعات لأي راغب ثريّ، غالبا ما يكون متزوّج أو طاعن في السن، وتزويجهن بذريعة “الزواج سترة”، مقابل مبلغ من المال يدفع كمهر، وكثيراً ما كان يَحولُ صغر سن الفتاة دون تسجيل عقد الزواج هذا في السجلات الرسمية، لينتهي المطاف بالفتاة وعائلتها بعد فترة وجيزة، إلى مزيداً من الأزمات والآلام.
فيما خرجت بعض النساء إلى سوق العمل متسلحات بحرصهن على مستقبل أبنائهن وبناتهن، وبإيمانهن بقدرتهن على العمل لتأمين ما هو أفضل للعائلة ككل، فعملنا في المشاغل والورشات وتنظيف البيوت وغسل مداخل البنايات، وبادرت بعضهن إلى القيام بأعمال كانت في السابق حكراً على الرجال كجمع القمامة أو افتراش الأرض والبيع على البسطة… الخ.
هذا الواقع الجديد دفع بالكثيرات والكثيرين من المدافعات والمدافعين عن حقوق المرأة السورية، إلى المطالبة بضرورة أن يواكب هذه المتغيرات الحياتية، مثيلات لها في الدستور المزمع صياغته، متغيرات تعبر عن نضالات المرأة السورية وانجازاتها وتختصر عذاباتها، عبر النص في الدستور الجديد على المساواة التامة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، الأمر الذي يلغي تبعيتها وتهميشها ويصون حقها ويحفظ كرامتها الإنسانية..
دعونا نعترف بداية، أن النص في الدستور على المساواة التامة وعدم التمييز بين الجنسين، سيشكّل ثورة في الحياة الدستورية السورية لما يستتبع ذلك من انعكاسات مجتمعية على الواقع الفكري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأهم انعكاسه على الواقع القانوني، سواء بالنسبة إلى المرأة السورية أو إلى المجتمع ككل.
على صعيد المرأة:
تشتمل المساواة التامة بين الجنسين بداية، إلغاء كل القوانين الناظمة للتمييز وعدم المساواة، بدءاً من قانون الأحوال الشخصية مرورا بقانون العقوبات وانتهاء بقانون الجنسية، والتي كانت تعطل فعالية أكثر من نصف المجتمع السوري عن الانخراط بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
إذ لا بد بداية، من إلغاء وتغيير كل النصوص التمييزية الواردة في عقد الزواج وكل ما ينتج عنه، فلا تعدد للزوجات ولا أحقية للزوج بالطلاق بإرادة منفردة، وليس للرجل فقط لكونه رجلاً، حق القوامة أو الوصاية أو الولاية أو النسب، بل تُمنح هذه الحقوق للمرأة وللرجل معاً.
كما لا يخفى على أحد، أن هكذا نص دستوري في حال إقراره، سيعطي المرأة الحق بالمساواة التامة مع أخيها الذكر في الميراث، بحيث يصبح بمقدورها أولاً، الحصول على ما يعادل نصيب أخيها من مال مورثهما، وثانياً وهو الأهم أنه يحمل في مضامينه إلغاء أي نظام يحدّ أو يحجب حقها في هذا المال، فليس لأي رجل مهما بلغت درجة قرابته من المورث، الحق في النيل من حصتها الإرثية أو بجزء منها عندما لا يكون للمورث ابناً ذكر، وعليه يمكننا القول أن منح المرأة الحق في الوصول إلى هذا المال وإطلاق يدها في التصرف فيه دون ممانعة أو مواربة، هو شكل من أشكال تمكينها ماليا واقتصادياً، بكل ما يتضمنه ذلك من انعكاسات على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والفكري والسياسي للمجتمع ككل.
تتمثل المساواة التامة في قانون العقوبات، من خلال إلغاء كل نص يميّز بين الجنسين سواء ما يخص توصيف الجريمة أو ما يخص تحديد العقوبة أو مراعاة الظروف المخففة، بحيث يصبح من غير الوارد الأخذ بالدافع الشريف في تبرير جرائم القتل التي تذهب ضحيتها النساء على اعتبارها “جرائم شرف”، كذلك الأمر فيما يخص جرائم الزنا أو أي فعل جرمي آخر، فليس ثمة مكان للتمييز بين المرأة والرجل، في الوصف الجرمي أو في العقوبة.
مما لا شك فيه أن إقرار هكذا نص في الدستور الجديد، يعني الاعتراف للمرأة بأنها إنسان كامل الأهلية وله كامل الحقوق، الأمر الذي سينعكس أيضاً على قانون الجنسية، بحيث يُلغى النص الوارد في البند (أ) من المادة الثالثة، من قانون الجنسية السوري، والقاضي بحرمان المرأة السورية المتزوجة من غير سوري، من حق منح جنسيتها لأطفالها، وبمعنى آخر فإن إقرار المساواة سوف يسمح للمرأة أن تمنح الجنسية لأبنائها، وهو التغيير القانوني الذي ناضلت منظمات المجتمع المدني السورية كثيراً، قبل قيام الثورة، من أجل إحقاقه، دون جدوى.
على صعيد المجتمع:
من نافل القول إن النص دستورياً على المساواة التامة بين الجنسين، وتوفير الحماية القانونية للمرأة وتنمية وعيّها، سيمكّنها من ممارسة دورها الاقتصادي والاجتماعي والفكري والسياسي في المجتمع، بفعالية ومسؤولية، عبر خلق آليات للتنمية المستدامة في المجتمع، من خلال الاستفادة من كامل طاقات وإمكانات أبنائه، خاصة وأن نسبة المرأة في المجتمع السوري تعادل اليوم، بسبب الحرب وتبعاتها، أكثر من نصف تعداد السكان، وعليه فأن تهميشها وإغفال دورها لن يؤدي إلا إلى مزيداً من تخلف المجتمع وإفقاره، والعكس صحيح.
إلا أن هذه المساواة المنشودة لا يمكن أن تتم مع الاحتفاظ بـ “الفقه الإسلامي كمصدر رئيس في التشريع”، سيما نحن نعيش اليوم في القرن الواحد والعشرين، وفي العصر الرقمي الذي منح حتى الأطفال من الجنسين مساحات أوسع للمعرفة والاطلاع، وباتت أجيال متعددة تعرف أن مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي المصدر الأسمى للتشريع في كل الدساتير الحديثة، بما ينسجم مع مبدأ العلمانية، والذي سيُفضي حتماً، إلى المساواة التامة ليس بين المرأة والرجل فحسب، بل أيضاً بين جميع مكونات وأفراد المجتمع السوري، وهو الأمر الذي سيقودنا إلى ضرورة إلغاء أي نص دستوري يحدد “دين رئيس الدولة”، بحيث تغدو ممارسة حق الترشح لمنصب رئيس الدولة، حق متاح لجميع المواطنين من نساء ورجال على قدم المساواة.
فهل يمكن للسوريين أن يحلموا بهذه المساواة التامة، وهل يمكن لأي دستور قادم أن يحقق ما عجزت الثورة السورية حتى الآن عن تحقيقه.
إنه مطلب مشروع ومخاض عسير يمكن وضعه برسم اللجنة الدستورية فيما لو قدر لها أن تستكمل عملها.
*كاتبة ومحامية سورية
المصدر:”بروكار برس”

