عقوبة الإعدام في المنطقة العربية
د. نائل جرجس*
يستمر الجدل في الأوساط الدولية والأقليمية بين مؤيدي ومناهضي عقوبة الإعدام، لاسيما مدى عدالتها ونجاعتها في الحدّ من الجريمة وردع من يخطط لارتكابها. ويبرر أنصار تطبيق عقوبة الإعدام بأنّها تحقق العدالة لأهل الضحية من خلال التعويض المعنوي. ويتذرع أنصار التيار الإسلامي بأنّ إلغاء عقوبة الإعدام يتعارض مع الشريعة الاسلامية، بينما يرفضها العديد من المفكرين الإسلاميين ويدعون على الأقلّ إلى تقييد تطبيقها أو وقفه ومنهم البرلماني السوري السابق محمد حبش الذي يقول بأنّ “كلمة الإعدام لم ترد في كتاب ولا سنة، ولم يستخدمها سلف ولا خلف، وهي ممنوعة في الاعتقاد، لأن الإيجاد والإعدام شأن الله وحده، والإعدام هو القتل ليس إلا، أما القصاص فقد يكون بالقتل، وقد يكون بالعفو، وقد يكون بالدية، وقد يكون بالصلح والتفاوض”. هذا وألغت ١٩ دولة عضو ومراقب في منظمة التعاون الإسلامي عقوبة الإعدام، بينما جمّدت تطبيقها العديد من الدول الأخرى ذات الثقافة الاسلامية مثل الجزائر والمغرب منذ عام ١٩٩٣.
وتجدر الإشارة إلى أنّ تعالي الأصوات الرافضة لعقوبة الإعدام في أوساط تيارات الإسلام السياسي يعود لمعاناة أتباعه من هذه العقوبة، وكمثال لذلك تطبيق القانون ٤٩ لعام ١٩٨٠ الذي يعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وكذلك الإعدامات العشوائية التي نفذها نظام السيسي في مصر بحق أتباع هذا التنظيم.
يؤكّد المعارضون لعقوبة الإعدام عدم فاعلية هذه العقوبة في الحدّ من الجرائم، كما يتبين من المقارنة بين أعدادها في الدول التي ألغت هذه العقوبة مع الدول التي حافظت عليها. ويعدّون هذه العقوبة غير إنسانية، لاسيما بسبب الألم الذي تسبّبه عند تنفيذ الحكم، وبأنّها غير عادلة إنما انتقامية، ومتعارضة مع قدسية الحياة بحسب العديد من الأديان والثقافات خاصة الأفريقية. وبالتأكيد تهمل عقوبة الإعدام الجانب الإصلاحي للعقوبة وتركّز على جانبها الردعي في مخالفة لأهداف العقوبة التي يركّز عليها علم العقاب. كما لايمكن الرجوع في حال تنفيذ عقوبة الإعدام إذا ما تبين لاحقاً براءة المحكوم عليه، فالأخطاء في قرارات المحاكم واردة، لاسيما في الدول التي تتسم بتسييس وعدم استقلالية نظمها القضائية والتي تفتقر لضمانات المحاكمة العادلة. وتلجأ الدول الاستبدادية إلى عقوبة الإعدام للتخلص من معارضيها السياسيين وتمسّ في الغالب دعاة الإصلاح والتحديث. فقد أُعدم الناشط والمتخصص في مجال تطوير البرمجيات السوري باسل الصفدي عام ٢٠١٥ إثر محاكمة سرية في إحدى معتقلات النظام السوري، بحسب ما أفادت عائلته. وأُعدم المفكر السوداني محمود محمد طه في الخرطوم عام ١٩٨٥ بسبب كتاباته التي دعا فيها إلى الأخذ بروح الإسلام وتحديثه، لاسيما اعتماد الآيات المكية التي تدعو إلى التسامح والتعايش مع الآخر في مقابل رفضه الآيات المدنية التي تدعو إلى الجهاد وتطبيق الحدود.
هذا وقد كان لمشاركة الدول العربية في إعداد الصكوك الدولية لحقوق الإنسان خطوة مهمة في اتجاه عالمية هذه الحقوق التي تشتمل على الحق في الحياة، وكذلك تقييد وإلغاء عقوبة الإعدام. صحيح أنّ جيبوتي هي الدولة العربية الوحيدة التي ألغت عقوبة الإعدام ووقّعت على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بهدف العمل على إلغاء عقوبة الإعدام، غير أنّه هناك التزامات دولية مفروضة على بقية الدول العربية. فقد شاركت كل من مصر ولبنان وسوريا والعراق والسعودية في الأعمال التحضيرية لصياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصوتت هذه الدول جميعاً لصالح الإعلان النهائي، عدا السعودية التي امتنعت متذرعةً بعدم توافق أحكامه مع مبادئ الإسلام. وتنصّ المادة الثالثة من هذا الإعلان على أنّ “لكل فرد حق في الحياة والحرية وفى الأمان على شخصه”.
وقد اُعتُمِد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام ١٩٦٦ بالأغلبية ودون أي امتناع عن التصويت من جانب الدول العربية المشاركة في أعماله التحضيرية، وصادقت عليه لاحقاً أغلب هذه الدول بما فيها سوريا. وإن لم يفرض هذا العهد إلغاء عقوبة الإعدام على الدول الأعضاء، فإنّ مادته السادسة حددت شروطاً صارمة لتطبيقها. فقد جاء فيها بأنّ ١. الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمى هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً. ٢. لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاءً على أشد الجرائم خطورةً وفقاً للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة. ٣. حين يكون الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، يكون من المفهوم بداهة أنه ليس في هذه المادة أي نص يجيز لأية دولة طرف في هذا العهد أن تعفي نفسها على أية صورة من أي التزام يكون مترتباً عليها بمقتضى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ٤. لأي شخص حكم عليه بالإعدام حق التماس العفو الخاص أو إبدال العقوبة. ويجوز منح العفو العام أو العفو الخاص أو إبدال عقوبة الإعدام في جميع الحالات. ٥. لا يجوز الحكم بعقوبة الإعدام على جرائم ارتكبها أشخاص دون الثامنة عشرة من العمر، ولا تنفيذ هذه العقوبة بالحوامل. ٦. ليس في هذه المادة أي حكم يجوز التذرع به لتأخير أو منع إلغاء عقوبة الإعدام من قبل أية دولة طرف في هذا العهد”.
ونرى في المنطقة العربية انتهاكاً مستمراً لأحكام هذه المادة السادسة من العهد، لاسيما من ناحية حظرها تطبيق عقوبة الإعدام في غير حالات “أشد الجرائم خطورة”. فتتضمن التشريعات النافذة العربية إمكانية استصدار أحكام الاعدام بشكل ممنهج ولأنواع متعددة من الجرائم وحتى في حالات ممارسة المواطنين لحقوقهم الأساسية في حرية التعبير والتجمع وتشكيل الأحزاب. وقد فسّرت اللجنة الأممية المعنية بحقوق الإنسان عبارة “أشد الجرائم خطورة” تفسيراً ضيقاً وحصرتها فقط بالقتل المتعمد. وبالتالي استبعدت اللجنة صراحة في تفسيرها هذا إمكانية إنزال عقوبة الإعدام بالجرائم التي لا تؤدي مباشرةً وعمداً إلى الوفاة مثل الشروع في القتل والفساد وغيره من الجرائم الاقتصادية والسياسية والسطو المسلح والقرصنة والاختطاف والإتجار بالمخدرات. وأضافت اللجنة بأنّه “لا يجوز أبداً، بأي حال من الأحوال، تطبيق عقوبة الإعدام فيما يتعلق بسلوك ينتهك تجريمه في حدّ ذاته أحكام العهد. وبالتالي دعت اللجنة الدول الأطراف في العهد إلى “مراجعة قوانينها الجنائية لكفالة عدم الحكم بعقوبة الإعدام في جرائم لا تندرج ضمن فئة أشد الجرائم خطورة”. ولذلك سنسلط الضوء في في الجزء الثاني من هذا المقال، والذي سينشر على صفحة هذا الموقع، على واقع عقوبة الإعدام في هذه القوانين الجنائية العربية، لاسيما في سوريا.
- كاتب سوري – متخصص في مجال حقوق الإنسان
المصدر: بروكار برس

