تحقيق لـ”نيويورك تايمز” يوثق ثلاثة أيام من الرعب والقتل الطائفي عاشتها بانياس
متابعة مركز عدل لحقوق الإنسان
كشف تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية عن مشاهد مرعبة عاشتها مدينة بانياس، بعدما اجتاحت مجموعات مسلحة المدينة، وقامت بارتكاب جرائم قتل جماعية على أساس طائفي، مستهدفةً العلويين، وسط انهيار أمني عاشته المدينة لثلاثة أيام في آذار/مارس الماضي.
تفتتح “نيويورك تايمز” تحقيقها برواية مشاهدات فريقها لمدينة بانياس في ريف طرطوس غربي في آذار/مارس، حيثُ كانت شوارعها تملؤها السيارات المحترقة، والمتاجر المنهوبة، والنوافذ المحطمة، فيما بعض المباني لم يبقَ منها سوى جدران سوداء ورماد.
تشير الصحيفة الأميركية في هذا التحقيق الموثق إلى أن فرق الدفاع المدني حوّلت متجرًا منهوبًا للأثاث إلى مشرحة مؤقتة. وأمام هذه المشرحة توقفت شاحنة صغيرة بيضاء، تتدلى من مؤخرتها قدمان بجرابات وردية منقطة بالأبيض. وبعد دقائق، وصلت سيارة إسعاف تحمل جثتين أخريين، ثم ظهرت شاحنة زرقاء تحمل مزيدًا من الجثث.
أما في الجوار، فقد كان الرجال يتوسلون لفرق الدفاع المدني لانتشال جثث أحبائهم، كانوا يرددون: “هناك سبع جثث في هذا المبنى”، “هناك جثة أخرى في الساحة”، “يوجد ما لا يقل عن 40 جثة في شارع واحد”.
هذه جزء من المشاهد التي وثقها فريق “نيويورك تايمز” من مدينة بانياس، التي كانت مسرحًا لبعض أسوأ أعمال العنف التي شهدتها البلاد الشهر الماضي، عندما اقتحم آلاف المسلحين الساحل السوري وقتلوا أكثر من 1600 مدني، معظمهم من الطائفة العلوية، وفقًا لتقارير حقوقية ودولية.
وعل مدى ثلاثة أيام، طاف المسلحون على المنازل ينفذون إعدامات ميدانية، وفتحوا النار عشوائيًا في الشوارع، بحسب عشرات الشهادات التي جمعها فريق “نيويورك تايمز” من سكان المدينة. وتضيف أن فريقها تمكّن من دخول المدينة ليوم تقريبًا أثناء وقوع المجازر، وخلصت إلى أن ما وجده فريقها “كان أدلة دامغة على وقوع مجزرة، وفشلًا واسعًا من الحكومة الجديدة، بقيادة فصائل المعارضة، في حماية العلويين”، الطائفة التي ينحدر منها الرئيس المخلوع بشار الأسد.
كانت الحكومة الجديدة قد أعادت نوعًا ما من الهدوء في عموم البلاد، واستطاعت ضبط محاولات الانتقام من الجرائم التي ارتكبت خلال السنوات الماضية، بعد الإطاحة بالأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، منهية بذلك حربًا استمرت نحو 14 عامًا، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن نصف مليون شخص. لكن موجة العنف على الساحل نسفت هذا السلام الهش، وفقًا لـ”نيويورك تايمز”.
تسلسل الأحداث بدأ عندما شنت مجموعات موالية للأسد المخلوع سلسلة هجمات منسقة استهدفت قوات الأمن العام في الحكومة الجديدة في محافظتي اللاذقية وطرطوس، ردت عليها السلطات السورية بإرسال تعزيزات سريعة إلى الساحل السوري. وفي خضم هذه الفوضى، وصل “آلاف المسلحين الآخرين بأجندة مختلفة: تنفيذ مجازر طائفية ضد العلويين”، بحسب الصحيفة الأميركية.
وتنقل عن سكان حضروا عمليات الدفن وصور، ومقاطع فيديو تحقق منها فريق “نيويورك تايمز”، أن العديد من ضحايا مجزرة بانياس دُفنوا في مقبرة جماعية تحت إشراف قوات الأمن العام.
وأشارت الصحيفة إلى أن تحقيقها كشف أن مجزر بانياس نفذها مسلحون مدنيون وفصائل معارضة سابقة. كما أفاد أحد مسؤولي الحكومة وعدد من السكان أن بعض العناصر التابعة للحكومة الجديدة شاركوا أيضًا في عمليات القتل، فيما لا تزال هوية جميع الجماعات المسلحة المشاركة في المجزرة غير واضحة تمامًا.
وقد نفت السلطات السورية الجديدة ارتكاب قواتها لأي فظائع، لكنها أعلنت فتح تحقيق لمحاسبة من ارتكب جرائم ضد المدنيين، وشكّلت لجنة تحقيق لتقصي الحقائق بشأن مجازر الساحل، بالإضافة إلى لجنة لحماية السلم الأهلي.
وقال مسؤولون لـ”نيويورك تايمز” إنه تم اعتقال شخصين على الأقل متهمان بالمشاركة بارتكاب مجازر الساحل، مؤكدين أن التحقيق ما زال جاريًا، دون أدلة تشير إلى تورّط القيادة العليا للحكومة الجديدة.
لكن في بانياس، لم تعنِ هذه التصريحات شيئًا لسكان شاهدوا الفوضى بعينهم، وبحسب تحقيق الصحيفة الأميركية، فإن نحو 20 ألف سوري فروا إلى لبنان، وفقًا لمسؤولين لبنانيين ومنظمات حقوقية، فيما لا يزال الآلاف يختبئون لدى معارف أو داخل قاعدة جوية حميميم العسكرية.
توثّق الشهادات التي حصلت عليها “نيويورك تايمز” مشاهد صادمة من اجتياح مسلحين لأحياء مدينة بانياس ذات الغالبية العلوية، وبينما توقّع السكان تدخلًا حكوميًا لإعادة الأمن، بدأت عمليات اقتحام وقتل طائفي ممنهج.
حيثُ ظهر المسلحون ببزات عسكرية وشاحنات مشابهة لتلك التابعة للقوات الحكومية، ما أربك السكان. في البداية، تم تطمين العائلات بأن الهدف ملاحقة فلول النظام، لكن لاحقًا بدأت الاعتقالات والإعدامات الميدانية. أُخذ رجال من بيوتهم تحت تهديد السلاح، وقُتلوا أمام عائلاتهم، وسط عجز تام من الحكومة الجديدة، وفقًا للتحقيق ذاته.
كما تكشف الروايات عن موجة رعب منظمة استهدفت منازل المدنيين، رافقها نهب للمتاجر والممتلكات. كثيرون فرّوا إلى الغابات أو لجأوا لملاجئ مؤقتة، بينما أُجبر آخرون على دفن أقاربهم في مقابر جماعية.
المصدر: ألترا

