بريطانيا تفرض عقوبات على كيانات متحالفة مع الرئيس الشرع

السبت،20 كانون الأول(ديسمبر)،2025

بريطانيا تفرض عقوبات على كيانات متحالفة مع الرئيس الشرع

د. محمد قواص

تقدير موقف:

تقديم: بعد ساعات قليلة من إقرار المشرّعين الأميركيين في مجلسي الشيوخ والنواب إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”، أعلنت الحكومة البريطانية، في 19 ديسمبر/كانون الأول 2025، فرض حزمة عقوبات جديدة استهدفت فصائل وكيانات متحالفة مع النظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع، إضافة إلى أفراد يشغلون مواقع مؤثرة ضمن بنيته العسكرية والاقتصادية.
هذا التزامن الزمني بين القرارين الأميركي والبريطاني أثار تساؤلات حول خلفيات القرار البريطاني، وطبيعته، وما إذا كان يعكس تبايناً داخل الموقف الغربي أم مقاربة تكاملية جديدة لإدارة المرحلة السورية ما بعد الأسد.

– طبيعة العقوبات ومجالها:
وفق البيان الرسمي الصادر عن الحكومة البريطانية، استهدفت العقوبات تسعة كيانات وأفراد وُصفوا بأنهم مسؤولون عن أعمال عنف جسيمة ضد المدنيين في أنحاء سوريا. وشملت الإجراءات تجميد الأصول المالية وحظر السفر، في إطار ما اعتبرته لندن سياسة لمحاسبة “مرتكبي الانتهاكات بحق المدنيين”.

وأوضح البيان أن العقوبات تطال ضالعين في أحداث العنف التي شهدتها منطقة الساحل السوري في مارس/آذار 2025، إضافة إلى انتهاكات ارتُكبت خلال سنوات الصراع السوري الممتدة بين 2011 و2024.

– ضمّت قائمة الأفراد المعاقَبين:

  • غيث دلا، أحد كبار قادة الجيش خلال عهد نظام الأسد،
  • مقداد فتيحة، قائد سابق في جيش النظام السابق،
  • محمد الجاسم (أبو عمشة)، قائد لواء السلطان سليمان شاه،
  • سيف بولاد، قائد فرقة الحمزة،
  • مدلل خوري وعماد خوري، وهما رجلَا أعمال سوريان–روسيان وُجّهت إليهما اتهامات بالمساهمة في تمويل أنشطة نظام الأسد.
    كما شملت العقوبات تجميد أصول ثلاث تشكيلات مسلحة هي: فرقة السلطان مراد، لواء السلطان سليمان شاه، وفرقة الحمزة.

– جاء الإعلان البريطاني متزامناً مع بدء القضاء السوري جلسات محاكمة متهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل، والذين أُحيلوا إلى القضاء بناءً على تقارير اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق، ما أضفى على الخطوة البريطانية بعداً سياسياً وقضائياً متداخلاً.

الخلفية السياسية للدور البريطاني:
– تحظى قرارات لندن بمتابعة دقيقة نظراً للدور المحوري الذي لعبته بريطانيا في الملف السوري منذ اندلاع الأزمة. ففي عام 2011 دعت لندن علناً إلى تنحي بشار الأسد، وسحبت بعثتها الدبلوماسية من دمشق في 2012، وشاركت في فرض عقوبات اقتصادية شاملة على النظام السابق.

– غير أن السياسة البريطانية شهدت تحولات عميقة بعد سقوط الأسد. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعادت سوريا افتتاح سفارتها في لندن بعد 13 عاماً من القطيعة، في سياق زيارة رسمية قام بها وزير الخارجية أسعد الشيباني. كما سبقت ذلك، في مارس/آذار 2025، تعهّد بريطاني بتقديم 160 مليون جنيه إسترليني لدعم الاستقرار والإعمار، مع تركيز خاص على مكافحة تنظيم داعش وتعزيز الأمن.

– في سبتمبر/أيلول 2025، كشف رئيس جهاز الاستخبارات البريطانية (MI6) المنتهية ولايته، ريتشارد مور، عن وجود قناة تواصل غير معلنة بين بريطانيا و”هيئة تحرير الشام” قبل سقوط نظام الأسد بنحو عامين، رغم تصنيف الهيئة منظمة إرهابية في بريطانيا. وأوضح أن هذه القناة ساعدت لاحقاً في بناء جسور مع السلطات السورية الجديدة بعد قطيعة دامت 14 عاماً. وأكد وزير الخارجية البريطاني آنذاك، ديفيد لامي، صحة هذه الاتصالات.

– تعكس هذه المعطيات الدور الاستخباراتي–السياسي الذي لعبته لندن في استباق التحولات السورية، ومحاولتها التكيّف مع موازين القوى الجديدة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.

دلالات القرار البريطاني وسياقه الدولي:
– تشير مصادر دبلوماسية بريطانية إلى أن العقوبات الجديدة ترتبط جزئياً بالقرار الأميركي رفع عقوبات “قانون قيصر”، إذ تعكس تحوّلاً غربياً من العقوبات الشاملة إلى العقوبات المستهدفة. ففي حين رفعت بريطانيا مبكراً في 2025 معظم العقوبات الاقتصادية العامة لتشجيع الاستثمار والانفتاح، فإنها أبقت على أدوات ضغط نوعية تستهدف انتهاكات محددة، على نحو يتقاطع مع التعديلات التي أُدخلت على قانون قيصر، والذي بات يركّز على “الحماية المدنية”.
– ترجّح هذه المصادر وجود تنسيق غربي يهدف إلى دعم استقرار النظام السوري الجديد، مع ممارسة ضغط انتقائي على ما يُنظر إليه بوصفه “عناصر متطرفة أو إشكالية” داخل التحالف الحاكم. ويُنظر إلى هذا النهج بوصفه محاولة لـ”تطهير” البنية الجديدة للنظام، بما يسهّل اندماجه التدريجي في المجتمع الدولي.

التداعيات المحتملة:
– يثير القرار البريطاني مخاوف لدى بعض الخبراء من أن يشكّل مقدمة لعقوبات أوروبية لاحقة، ما قد يفتح مساراً تصعيدياً ضد فصائل بعينها داخل مشهد الحكم الجديد. ويحذّر هؤلاء من أن استهداف فصائل حليفة لـ”هيئة تحرير الشام” قد يؤدي إلى إضعاف التماسك الداخلي للتحالف الحاكم، خصوصاً إذا وجد الشرع نفسه مضطراً للتنصل من هذه الفصائل أو فرض إصلاحات قسرية على سلوكها للحفاظ على الدعم الدولي.
– كما يُتوقع أن تؤثر العقوبات على تدفق المساعدات والاستثمارات إلى مناطق تسيطر عليها الفصائل المستهدفة، ما قد يعرقل جهود الإعمار ويزيد من التوترات الاجتماعية. وفي المقابل، قد تسهم العقوبات في تعزيز الضغوط السياسية على النظام الجديد لتنفيذ إصلاحات هيكلية، مثل ضبط أو حل الميليشيات المسلحة، وتعزيز ضمانات حقوق الأقليات، تفادياً لعزلة دولية جديدة.
– يلفت مراقبون إلى أن استهداف فصائل قريبة من تركيا قد يحمل رسالة غير مباشرة تهدف إلى تقليص النفوذ التركي داخل هياكل السلطة الجديدة في دمشق، وهو ما قد ينعكس بدوره على توازنات داخلية حساسة.
– في المقابل، ترى أوساط سورية متابعة أن هذه الضغوط قد تدفع الشرع إلى توسيع تحالفاته باتجاه كيانات مدنية ومكوّنات مجتمعية أوسع، وتشجيعه على الانفتاح على “قسد” وتقديم تنازلات إضافية لتنفيذ اتفاق مارس/آذار 2025.

خلاصة:
**تمثّل العقوبات البريطانية على فصائل متحالفة مع نظام الشرع مؤشراً واضحاً على انتقال الغرب إلى نهج انتقائي في التعامل مع التحالف الحاكم في دمشق، يقوم على دعم مشروط لا على رعاية غير محدودة. وهي تستهدف الفصائل المتهمة بالتطرف أو الانتهاكات، بما يوحي بانتهاء مرحلة التساهل الأميركي–الأوروبي مع تجاوزات ارتُكبت في الساحل والسويداء.
**تزامن هذه العقوبات مع رفع عقوبات “قانون قيصر” لا يعكس تناقضاً، بل تكاملاً في الأدوات، حيث يجري الجمع بين تخفيف العقوبات العامة لدعم الاستقرار، والإبقاء على عقوبات نوعية لمراقبة الأداء الحقوقي والضغط باتجاه الإصلاح.
**قد تؤدي هذه السياسة إلى إثارة توترات وانقسامات داخلية تضعف تماسك النظام الجديد، فإنها في الوقت ذاته قد تمنح الشرع أداة ضغط لإعادة ضبط سلوك الفصائل الحليفة، وتوسيع قاعدة تحالفاته السياسية والاجتماعية، والانخراط في تسويات أوسع تضمن اندماج سوريا التدريجي في النظام الدولي الجديد.

المصدر: مركز تقدم للدراسات