ناشطو المجتمع المدني السوري … رسائل واتهامات

الثلاثاء،8 أيار(مايو)،2018

عُقد يومي 24 و25 نيسان (أبريل) المنصرم مؤتمر بروكسيل الثاني «لدعم مستقبل سوريا والمنطقة» من خلال تقديم المساعدات للنازحين في سورية واللاجئين خارجها، إضافة إلى دعم الدول التي تستقبل هذا اللجوء. وفي أحد النشاطات الموازية كان هناك «غرفة» ضمت أفراداً وممثلي منظمات مجتمع مدني مؤيدة ومعارضة للنظام السوري، كان لهم أن يكتبوا رسالة قُرئت في الاجتماع الرسمي للمشاركين في المؤتمر وهم سياسيون وفاعلون من بلدان مختلفة، منهم سياسيون من الصف الأول.

الرسالة التي عُنونت باسم «المجتمع المدني السوري» لاقت اعتراضات واسعة وجدلاً طال لأيام ولم يهدأ تماماً على وسائل التواصل الاجتماعي حتى الآن. وكان بيان توضيحي من بعض المعنيين بالرسالة قد صدر بتاريخ 30 من الشهر ذاته. وأعلن بعض المشاركين بعدها بأيام أن الرسالة التي تليت في المؤتمر قد رُفعت عن موقع الاتحاد الأوروبي.

الاعتراضات أتت على تجنب الرسالة ذكر النظام، واستعمال مصطلحات كالـ «هندسة الديموغرافية»، وطلب اعادة النظر في العقوبات المفروضة على سورية وتفعيل عمل قنصلياتها، ما اعتبر لغة مهادنة لا تشبه لغة ومطالب الثورة والمطالبة بما يطالب به النظام نفسه خدمة لمصالحه. البيان التوضيحي بدوره ذكر سبب اختيار صياغة هذه الرسالة والمصطلحات التي استعملت فيها، وكانت الردود على البيان في شكل عام سلبية رأت فيه تعالياً وعدم تراجع فعلي عن الخطيئة المرتكبة بحق الثورة.

عنونة الرسالة باسم المجتمع المدني السوري فُهمت على أنها اختصار لكل هذا المجتمع في شخص المجتمعين الذين لا يتمتعون بصفات تمثيلية، وهو خطأ تم الاعتراف به والاعتذار عنه.

يبدو أن المشكلة تبدأ من المفاهيم والتعاريف الخاصة بالمجتمع المدني ودوره، وهو نقاش دائم التجدد بين الشباب السوري المعارض بخاصة مع سعي تكرس في ممارسات المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا لإقحام منظمات مجتمع مدني سورية في مفاوضات سياسية سواء في جنيف أو بروكسيل أو غيرها، الأمر الذي وإن رفضه البعض، إلا أن بعضاً آخر قبله ورحب به، ما عزز الخلاف حول دور هذه المنظمات مع تعمق الخلط بين دور العمل السياسي من جهة ودور العمل المدني من جهة أخرى.

هذا النقاش يذكر على نحو ما بنقاش ما زال دائراً هو الآخر في لبنان حيث طرح «المجتمع المدني» نفسه من خلال مرشحين للانتخابات النيابية كبديل عن الأحزاب السياسية التقليدية في لبنان. هذا المجتمع كان حمل هذا الاسم بالمعنى الحالي له خلال حراك شعبي مطلبي واحتجاجي قبل سنوات، لكن المشكلة هي أن المجتمع المدني متمايز عن المجتمع السياسي كما يتمايز عن مؤسسات الدولة العامة، على رغم وجود اهتمام بقضايا مشتركة قد تجمع المجتمع المدني بهؤلاء .

بالعودة إلى النقاش السوري، تلقى اتهامات لبعض الأفراد في المجتمع المدني مفادها أن يخبئوا وراء اسم المجتمع المدني طموحاً سياسياً، فهم ينتقدون جميع الأحزاب والتيارات والتوجهات السياسية الأخرى «من دون أن تتسخ أيديهم بالسياسة والعمل السياسي»، وما أن ينتقدهم أحد يردون عليه بالقول: «نحن مجتمع مدني ولسنا أحزاباً».

وبالحديث عن المشاركة في مؤتمرات ذات طابع سياسي تفاوضي يطرح بعض المعترضين السؤال حول ما الذي لدى المجتمع المدني ليقدمه في مفاوضات سياسية؟ فهل يفاوض على حقوق الناس؟!

ولأن الحديث عن المجتمع المدني السوري المعارض لا يكون دون الخوض في أمور المانحين والتمويل، وعلى خلفية أن المعارضة «قد هزمت» وعليها أن تتعامل مع هذا الأمر من باب الواقعية، تطرح تساؤلات حول مضمون الرسالة وتوقيتها لتفسر أنها تمهيد للعودة إلى العمل في مناطق سيطرة النظام السوري وتحت إشرافه متتبعين في ذلك خطى التمويل الدولي وتوجهاته.

هذا التوجه له أنصاره وصقوره في أوساط المعارضين، ومنهم من هو معروف بالاسم، ممن يدعم كل هذه التوجهات «التصالحية» مع النظام ويسوق لها من دون المشاركة فيها مباشرة، فعندما تقع واقعة كانتشار رسالة بروكسيل ورد الفعل شديد السلبية عليها، يكون هؤلاء وراء الكواليس.

يقول موظف في منظمة سورية معارضة تعمل من بيروت: «أين سيذهب بعض هؤلاء الموقعين على الرسالة بوجههم من أفراد فرقهم العاملة سابقاً في حلب الشرقية والغوطة وريف حمص الشمالي بعد أن تهجروا وخسروا كل شيء تقريباً؟!»، بينما يقول آخر: «العمل في مناطق النظام هو- بالنسبة إلي- تعاون مع النظام الذي قد أموت لديه تحت التعذيب إن أمسك بي، الأمر شخصي إلى هذه الدرجة».

هذه الهوة/ الفخ الذي يهدد وحدة ما مفترضة للمجتمع المدني السوري المعارض كانت متوقعة، خصوصاً في مرحلة ما بعد الهزيمة واللجوء إلى خيارات صعبة للاستمرار: الاستمرار من أجل الثورة، الاستمرار من أجل المجد الشخصي، الاستمرار من أجل التمويل، الاستمرار من أجل دور سياسي… إلخ. ما لم يكن متوقعاً هو سرعة ظهور بداياته للعلن، وشكل ظهوره برسالة لم تكن لتثير نقاشاً لو لم تسرب إلى الإعلام. وكما قال أحد المتابعين: «من يدري؟ قد يكون هذا خطابهم في الاجتماعات المغلقة منذ سنوات، حين نعلم يتراجعون ويبررون، وحين لا نعلم يكملون في خطابهم».