تدمير سورية في سبيل بقاء النظام

الخميس،28 حزيران(يونيو)،2018

تشكلت سورية، شأن معظم بلدان هذه المنطقة، من التقاء عوالم متباينة ومنفصلة كانت تتجاور في العيش في حيز السلطنة العثمانية الأوسع. ومع طي الحرب العالمية الأولى، انهارت السلطنة هذه بعد حوالى خمسة قرون على إبصارها النور. ومن هذه العوالم المتباينة في سورية عالم المدينة وسكانه من الوجهاء الذين كانوا يمسكون بالسلطة السياسية السلطانية (ممثلو السلطان) ويديرون الأوجه الاقتصادية كلها. ويقابل عالم المدينة هذا عالم القبائل، وهو عالم الرُحل والثقافة الشفاهية، والعنف المؤطر. وعلى رغم تأطير العنف بالأعراف القبلية، كان يخيف وجهاء المدن. فهؤلاء رأوا أنه صنو الفوضى.

 

وكان الوجهاء الفرنسيون يميلون إلى الليبرالية صنو نظيرهم من الفرنسيين، ويستغلون الفلاحين على ما يقتضي النظام الرأسمالي. وكانوا يطمحون إلى تغير النظام السياسي تغيراً يرسخ مكانتهم. لذا، عقدوا مفاوضات مع السلطات الإمبريالية (الاستعمارية). وبين العالمين هذين (وجهاء المدن والقبائل)، انتصب عالم الأرياف. وأهل هذا العالم ليسوا وجهاء ولا من الرحل، بل هم فلاحون. وهذه أبرز التناقضات السورية: الفلاحون لا يشعرون بالاندماج ولا بأنهم ممثلون سياسياً. فالمجتمع السوري متشظ إلى ثلاثة عوالم متجاورة منذ نهاية القرن التاسع عشر.

ولكن النزاع بين هذه العوالم اندلع في الستينات، وكانت يومها المواجهة بين الحرية والمساواة. وتبلورت هذه المواجهة ورسخت على شاكلة نزاع عنيف ومستدام. فأنصار معسكر الحرية ينضوي فيه الوجهاء الذين يطالبون بتوسيع هامش الحريات الفردية، في وقت يشمل معسكر المساواة الثوريين، على وجه التحديد، أو الإسلاميين. وينادي المعسكر هذا بالتغيير الفوري جراء هدر كرامة الأمة. وليس شاغل معسكر المساواة هذا الحريات الفردية، وتتصدر أولوياته استعادة كرامة الأمة كلها. ومعسكر المساواة ثوري لا محالة، فهو يستجيب لحاجة ماسة وملحة، وهو يجمع بين الأمل والإيمان وكثير من العنف. وعليه، تناسلت الانقلابات العسكرية والاغتيالات مع كل خضة. وكانت هذه الانقلابات تنفذ باسم الثورة، وكانت ترفع لواء الغاية تبرر الوسيلة. والانقلاب العسكري في 1963، كان هادئاً إلى حد ما. فالأضرار الناجمة عنه كانت محدودة. وحمل الانقلاب هذا حزب البعث إلى السلطة. وعلى خلاف الانقلاب هذا، قصف منزل الرئيس، وأصيب الرئيس وأولاده إصابة استدعت قصدهم المستشفى…. وبعدها جرت عمليات التطهير الأولى. وكانت فاتحة عنف يعس.

وليس تشظي المجتمع السوري استثنائياً، بل هو الديدن في التاريخ، في أوروبا كما في الشرق الأوسط: المجتمعات في مثابة فسيفساء كانت عراها مجتمعة في إطار إمبريالي، سواء السلطنة العثمانية أم الامبراطورية النمساوية– المجرية، وكانت عجلتها تدور. وحين إنشاء الدول، في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، برز التباين بين الجماعات وصار أكثر نتوءاً. ومنذ نهاية القرن التاسع عشر إلى الستينات، وسع النظام البرلماني في سورية معالجة النزاعات. فرفعت القيود عن الانتخابات، ووسع العوالم الثلاثة (الوجهاء، والقبائل، والأرياف) انتداب من يمثلها، وجبه المشكلات. وكانت الأمور تسير على ما يرام طالما الكلمة تعود إلى الوجهاء. ولكن في الستينات، احتدمت المواجهة بين مبادئ الحرية والمساواة، ورجحت كفة مشاريع مثل تأميم الأرض، وتسليح الأمة لقتال إسرائيل… إلخ. وبعد عقد ثوري بين 1960 و1970، علت الأصوات المطالبة بالاستقرار والنظام، فرصّ الضباط صفوفهم وراء حافظ الأسد. وبلغ الأخير السلطة في 1970 في انقلاب عسكري. وهذا الانقلاب أرسى قطيعة فعلية مع سيرورة تطور البلاد السياسية، في وقت كانت فسيفساء الجماعات المتباينة تندمج، وينبت في تربتها شعب سياسي قومي. وساهم عدد من العوامل في «كسر» أو بتر سيرورة التطور السياسي، ومنها العودة عن الانتخابات الفعلية وغياب مؤسسات تمثيلية فعلية. فنفخ الأسد الأب في الانقسام والتذرر ليبقى في السلطة، وانتهج سياسة فرق تسد، وهي سياسة ترجح كفة «مقاولي الهوية». ولواء السياسة هذه لا حاجة بك إلى الاندماج: «أنت كردي، ابق على ما أنت»، «أنت علوي…» وهكذا دواليك مع الجماعات السورية كلها. وسرعان ما أدرك الأسد أن احتكار نظامه العنف هو جسره إلى الهيمنة على هذا الجسم المنقسم.

ومن أركان بقاء نظام الأسد هو منطق آني لسان حاله: طالما صمد النظام إلى الغد، الأمور على ما يرام، وفي الإمكان الارتجال للصمود إلى بعد غد. والمنطق هذا يسوغ تدمير البلاد طالما كانت الغاية هي صمود النظام. وعليه، في وسع النظام تغيير أيديولوجيته بين ليلة وضحاها: فيكون اشتراكياً ذات يوم، وليبرالياً في اليوم التالي… ويلجأ النظام إلى خطوات صغيرة ولا يحتاج إلى سياسة كبرى. ففي سلم أولوياته مثلاً من يُعين على رأس البنك المركزي لتوفير الموارد الضرورية. وحين ينطق النظام باسم ممثلي الأقلية، يجلو على صورة المدافع الأكبر عن الأقليات. وسياسة الأسد الخارجية هي امتداد لسياسته الداخلية، فحين يتوجه إلى التونسيين، يعلن أنه معاد للجهاديين، وحين يتوجه إلى الروس يقول أنه معاد للشيشانيين. وعشيرة آل الأسد لا تريد سماع كلمة عن الأمل أو الحرية. فمثل هذه المبادئ والطموحات تطعن في سلطتها.

وركن النظام الثاني هو تداخل السلطات واحتكارها السلطان، وثالث الأركان هو فشو الريبة، فالنظام قادر على زرع الشك في النفوس على الدوام. والبارانويا، الارتياب من الآخر، هو سمة سائرة من سمات السلطان الاستبدادي. ولكن عموم الشك هو تكتيك ماهر: الانشغال بسؤال، وقبل جوابه طرح سؤال آخر على التوالي… وكأن الأسئلة تتوالد. فعلى سبيل المثال: سؤال «هل أنتم على يقين من استخدام السلاح الكيماوي؟»، فالشك هو غاية قائمة بنفسها وليس وسيلة لبلوغ الحقيقة. ولا بناء أيديولوجياً متماسكاً في سورية، بل إخراج صورة مثل هذا البناء، فعلى سبيل المثل يتظاهر النظام بأنه مقاوم لإسرائيل من دون أن يطلق رصاصة واحدة على الدولة العبرية.

والقمع الدموي في جينات نظام الأسد. وكان المراقبون يتساءلون عن قدرة الشعب على الانتفاض والثورة على رغم أن الثمن باهظ ورهيب. وعنف النظام لن يتوقف. وهال المراقبون مدى تخلي المجتمع الدولي عن السوريين، فسورية لا تشغل أحد: النفط فيها غير وفير، وهي بلد فقير، ولا تقع في تقاطع طرق مثل بيروت. وليست دولة ثرية مثل العراق أو إيران. والسبيل إلى وقف العنف هو إرساء النظام السياسي والاستقرار. ولكن نظام الأسد لن تقيض له الحياة في السلم. والضربات الجوية والقصف هي ضربات دموية لا غاية سياسية منها على الأمد الطويل.

* مؤرخ، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 16-17/6/2018، إعداد منال نحاس

 

——الحياة——