نظرية نضج النزاعات الدولية للحل

الأحد،28 نيسان(أبريل)،2019

 حمدوش رياض

 يفترض زارتمان أنه خلال مرحلة معينة من النزاع ، تظهر الأطراف المتحاربة استعدادها للتداول بشأن مقترحات التسوية التي طالما تغاضت عنها في السابق، ويعود ذلك إلى إدراكها بأن أي بديل عن التفاوض سيؤدي إلى كارثة، فضلا عن أنه لا تلوح في الأفق أية علامات لإمكانية الحسم العسكري.

 هنا نكون أمام ما يسمى بلحظة النضج moment Ripe والتي تحسّن وبشكل مفاجئ من فرص النجاح لجهود الوساطة. حيث يتحول قادة أطراف النزاع عن عقلية الانتصار Mentality Winning  لصالح عقلية التوفيق Mentality Conciliating وحسب تعبير Campbell فإن القبول بالحل التفاوضي لا يعود إلى إتباع إجراءات معينة فحسب، ولكنه يعود بالأساس إلى مدى جاهزية  الأطراف لاستغلال الفرص، ومواجهة الخيارات الصعبة، وتقديم تنازلات متبادلة ومتكافئة، باختصار يجب أن تفعل الشيء الصحيح في الوقت المناسب(1).

 إن دمج النموذجين الذين اقترحهما “زارتمان” ضمن نموذج واحد يعد دعامتان جوهريتان لمفهوم لحظة النضج، إذ يصنعان وبشكل متكامل الظروف المواتية والسياق الملائم للحل، ومن هنا فإن التمييز

بينهما هو لأغراض تحليلية وليس لأسباب مفهوماتية. واستعمالها بشكل مترابط يمدد من فرص نضج النزاع لجهود الحل.

 وعلى هذا الأساس، فإن تصور لحظة النضج يقوم على إدراك أطراف النزاع بأنهم يعيشون مأزقا  صعبا متبادلا Mutually Stalemate Hurting ،لا تبدو في الأفق أية نهاية له، وحيث ال يمكنك

الحصول على النجدة ولا تظهر هناك أية إمكانية لتصعيد حاسم يحقق النصر. بينما تماثل الكارثة المتبادلة Catastrophe Mutual Imminent تخطي حافة الهاوية Precipe أو النقطة التي تسوء فيها الأمور بشكل مفاجئ.

 إن إدراك أطراف النزاع بأنها في مأزق، ولو بدرجات متفاوتة، يجعلها تحس بأنها محتجزة ضمن وضعية لا تكون لهم معها أية مكاسب من خلال الاستمرار في التصعيد، وهنا يدركون بأنه يتعين عليهم البحث عن سياسة بديلة أو مخرج لهذا النفق المسدود deadlock ويؤكد “هنري كيسنجر”، مهندس عملية السالم في الشرق الأوسط ذلك، بإقراره بأن المأزق (المتبادل) هو إحدى الشروط الأساسية لنجاح التسوية.

 ويستند إحساس أطراف النزاع بأنها أمام مأزق إلى المعاناة وتزايد الخسائر التي ترتبط باستمرار التصعيد وعندما يرتفع معامل التكاليف نسبة إلى المكاسب بشكل دراماتيكي، تشعر بالاحتجـاز وتبحـث عـن بديـل آخـر. ويـرتكز ذلك على خاصية التعلم حيث أن المجموعات الأثنية المتنازعة تعتبر بدروس الماضي، وفي خياراتها المستقبلية، فإنها تأخذ بعين الاعتبار معاناتها السابقة والتكاليف التي تحملتها.

 ومن منظور نظرية المباريات، يمكن التعبير عن المأزق بالانتقال من “ورطة السجين Prisoner”  Game Dilemma إلى “ورطة الجبان Game Dilemma Chicken” أي من المحصلة السلبية  التي تميز الوضع القائم أو التفاوض إلى محصلة إيجابية(2).

 وأخيرا، لابد من الإشارة إلى أن عجز مفهوم لحظة النضج عن تقديم تفسير للكثير من حالات نجاح جهود التسوية والحل قاد بعض الباحثين إلى إحداث تعديلات على التصور العام للنضج.

حيث”جون ستيفن ستيدمان Stedman. S John ،” ومن خلال بحثه حول زمبابوي أظهر أن نجاح عملية الوساطة لا تستدعي حصول مأزق ضار متبادل بل يكفي أن يتم إدراك المأزق من قبل الراعي الذي يقف وراء طرف معين. وأضاف لهذا الطرح عنصرا آخر وهو أن الجناح العسكري هو أهم طرف معني في المعادلة بتلقي أو إدراك المأزق، ثم أنه يجب أن يقتنع الأطراف بأن المفاوضات بديل  جيد لتحقيق النصر(3).

 ويعرف “بروكنر Brockner” و”روبين Rubin” المصيدة بأنها نوع من التصعيد تتزايد فيه الضغوط على المتنازعين للانسحاب من النزاع وللحفاظ على الوضع القائم في نفس الوقت، وهي “عملية لصناعة القرار يظهر من خلالها الفاعلون التزامهم بسياستهم السابقة، رغم فشلها اعتقادا منهم بأنهم “سيقطفون ثمارها لاحقا “ويقوم هذا الاعتقاد على كون الرجوع عن العنف يسبب لهم فقدان ماء الوجه أو تشويه سمعتهم.

 كما يفترض منظرو المصيدة أن صانعي القرار في النزاعات المستعصية يمرون عبر أربعة مراحل:

– في المرحلة الأولى يركزون على تحقيق إنجازات محددة.

في المرحلة الثانية يتم استنزاف الموارد عبر تقديم التزامات معينة للمكونات الداخلية ( Domestic Constituents    )

 -أما في المرحلة الثالثة فيعملون على تعظيم صور الخسائر التي لحقت بالخصم، والتقليل من شأن خسائرهم.

 -وفي المرحلة الرابعة يتم البحث عن مخرج بسبب استنفاذ الموارد.

وبناء على هذا السُّلَّم، فإن المنعطف الحاسم لنضج النزاع يكمن في المرحلة الانتقالية بين المرحلتين الثالثة والرابعة أين يكف صانعوا القرار عن اعتبار التضحيات بمثابة ثمن للنصر وبدلا من ذلك يقتنعون بضرورة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

———————————————

دكتوراه التخصص: علاقات دولية (تطور مفهوم بناء السالم: دراسة في النظرية و المقاربات)

  • خولة محي الدين: دور الأمم المتحدة في بناء السالم ،مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية – المجلد – 27 العدد الثالث 2011ص131. 1
  • Stefan Wolff ,Conflict Resolution: Theories and Practice Edited by Stefan Wolff and Christalla Yakinthou London and New York: Routledge, 2011.p30.

Ibid,p.40  – 3.