دور التنمية البشرية المستدامة في بناء مجتمع المعرفة:

السبت،22 حزيران(يونيو)،2019

حسين أحمد دخيل السرحان

تؤدي ثقافة أفراد المجتمع ووعيهم بأهمية المعلومات دوراً هاماً في توضيح فكرة مجتمع المعلومات، فالثقافة هي أهم عوامل التغيير في المجتمع. فعلى سبيل المثال نجد أن هناك ارتباط بين درجة إنتشار استخدام تكنولوجيا المعلومات وبين حدوث تبعات ثقافية قد يظهر مردودها في طرق التفكير والأداء العملي في بيئة استخدام روافد معلوماتية أخرى، ويجب أن تبدأ هذه الثقافة للوعي المعلوماتي منذ الصغر أي أن يتم تنمية هذا الوعي لدي أفراد المجتمع منذ المراحل التعليمية الأولي وذلك لأنه استثمار لا ينتهي.

لذا فإن أعظم وأقوى إستثمار يجب أن تتبناه المجتمعات هو إستثمار في قدرات ومهارات مواطنيها لأنه إستثمار دائم بدوام هذه الدنيا وأي إستثمار غيره سيكون معرضاً للزوال أو لتناقص قيمته، فمثلاً الموارد الطبيعية تزول وتتناقص قيمتها … وما إلي ذلك، وبالتالي فإن أول خطوة يخطوها المجتمع في طريق تحوله إلي مجتمع المعلومات يجب أن تبدأ من التربية والتعليم.

وفي العرض الذي قدماه (ستن فيلد “Steinfield”) و(جيري “Jerry”)  حيث رأيا أن الخاصية المميزة لمجتمع المعلومات تتمثل في تركيبته الاقتصادية أي في طبيعة إقتصاد المعلومات واستشهدا في ذلك بالأبحاث التي بدأها العالم “ماكلوب” عام 1962 ليثبت بها نمو قطاع المعرفة في أمريكا الذي أثبت بتحليله أن الصناعات التي تهتم في المقام الأول بإنتاج المعرفة وتوزيعها والتي أطلق عليها صناعات المعرفة “Knowledge Industries”  قد أسهمت في الناتج القومي بنسبة حوالي 40 % في بداية الستينيات وتنمو بمعدلات أعلي من قطاع الصناعة وفي هذا التوقيت المبكر جداً توقع ” ماكلوب ” أن صناعات المعرفة هذه تؤدي إلي ظهور مجتمع المعرفة أو مجتمع المعلومات. ([22])

أن المعرفة هي حجر الزاوية في التنمية البشرية المستدامة، فهي اداة لتوسيع خيارات البشر وقدراتهم ولتمكينهم من التغلب على الحرمان المادي وبناء مجتمعات مزدهرة. كما ان المعرفة – انتاجاً وتوظيفاً – قد اصبحت في مطلع القرن الحادي والعشرين الوسيلة الكفيلة لتحقيق تنمية بشرية مستدامة في جميع ميادينها.

أن من المبادئ التي اقرتها القمة العالمية حول مجتمع المعلومات في جنيف 2003 هو مبدأ تمكين الدول والمجتمعات لبناء مجتمع معرفة جامع وذي توجه تنموي ويضع الانسان في صميم اهتمامه.

وهذه الرؤية تنبع من ادراك ان مجتمع المعرفة غايته الافراد ويتجه نحو تنميتهم، فهو مجتمع يستطيع كل فرد فيه استحداث المعلومات والمعارف والنفاذ اليها واستخدامها وتقاسمها بحيث يجعل الافراد والمجتمعات والشعوب قادرة على تسخير كامل امكاناتهم في النهوض بالتنمية الشاملة وفي تحسين نوعية حياتهم . ([23])

ان الحقبة الراهنة من تطور البشرية والتي تقوم على كثافة المعرفة والتسارع الهائل، اصبحت تعكس مرحلة تأريخية تكون للمعرفة فيها دور كبير واصبحت هي المعيار الاساسي في قياس الرقي البشري من خلال دورها في تعزيز وتطوير القدرات الانتاجية مما يصب في تعظيم الاثر التنموي المتوقع الحصول عليه.

وبعد صدور تقرير التنمية البشرية 1990، اصبح مبدأ التنمية البشرية البديل الاساس لرؤية التنمية التي تتعادل مع النمو الاقتصادي . وهناك جهود لهذا التغيير تتمثل في ان استئصال الفقر اصبح نشاط متعدد الابعاد . فالفقر يعد  اكثر من كونه نقص او افتقار للرفاهية المادية، بل في الصحة، وضعف التعليم والحرمان من المعرفة والاتصال، والعجز عن ممارسة الحقوق الانسانية والسياسية . لذا تقوم تقنيات المعلومات والمعرفة بدور بارز في هذا المفهوم الشامل للفقر، فهي توفر الادوات والوسائل لتحسين الصحة والتعليم . ([24])

كما ان اكتساب المعرفه هو ايضا سبيل التنمية الانسانية في جميع مجالاتها . فالتنمية الانسانية في جوهرها هي نزوع دائم لترقية وتطور الحالة الانسانية للبشر جماعات وافراد والارتقاء بهم في اوضاع تعد غير مقبولة في سياق حضاري الى حالات ارقى من الوجود البشري وتؤدي بدورها الى ارتقاء منظومة اكتساب المعرفة، عليه فأن السبيل للارتقاء بالحالة الانسانية هو أكتساب المعرفة وتوظيفها بفعالية . ([25])

ان ابرز مؤشر للتنمية هو (التنمية البشرية HDI) يعتمد بشكل رئيس على الحالة التعليمية والمستوى التعليمي للشرائح السكانية واصبح المعيار هو الانسان ومدى نموه وتطوره في الجانب المعرفي والخبراتي.

كذلك اضحى معروفاً ان المعرفة عنصر جوهري من عناصر الانتاج ومحدد رئيس وأساسي للانتاجية، اي ان هناك تظافراً قوياً بين اكتساب المعرفة والقدرة الانتاجية في المجتمع . ويزداد هذا التظافر قوة في النشاطات الانتاجية مرتفعة القيمة المضافة التي تقوم بدرجة متزايدة على

كثافة المعرفة والتقادم المتسارع للمعارف والقدرات . وهذه النشاطات هي معقل القدرة التنافسية على الصعيد العالمي خاصة في المستقبل . ([26])

 

كذلك تساعد توفر المعلومات مؤسسات الاعمال وتجعلها اكثر قدرة تنافسية وسيمكنها ذلك من الوصول الى اسواق جديدة وخلق فرص عمل جديدة وهذا سيؤدي بالنتيجة الى خلق الثروة ومن ثم ضمان نمو اقتصادي مستدام في المستقبل . ([27])

وتجدر الاشارة هنا الى عمق العلاقة بين نمو الدخل والتنمية البشرية، فالنمو الاقتصادي ضروري للتنمية البشرية . ومن منظور التنمية البشرية فان النمو الاقتصادي وسيلة لضمان رفاهية السكان من خلال التوسع في فرض التوظيف وتحسين توزيع الدخل، فضلاً عن تحسين نوعية الخدمات العامة المقدمة للمواطن والتوسع في البنية التحتية.

وكان التطور الابرز في هذا المشهد ظهور نمط معرفي جديد يقوم على وعي أكثر عمقاً لدور المعرفة والرأس مال البشري في تطور الاقتصاد وتنمية المجتمعات وهو مايطلق عليه ((أقتصاد المعرفة))، فالمعرفة أصبحت مورداً أقتصادياً يفوق بأهميته الموارد الطبيعية . بل ان القيمة المضافة الناتجة عن العمل في التكنولوجيا كثيفة المعرفة تفوق بعشرات المرات القيمة المضافة الناتجة عن العمل في الزراعة والصناعة .

وعند التعرض لموضوع الاهداف الانمائية للألفية الثالثة التي وضعتها الامم المتحدة، وبخاصة القضاء على الفقر . وعلى حين أن أنجاز هذه الاهداف يمثل الهدف النهائي لجميع السياسات الانمائية لذا يجب ان يكون حاضراً أن القضاء على الفقر، مثلاً لا يحدث من خلال الوصول الى المعلومات بحد ذاتها، بل يتحقق من خلال استخدام المعلومات وخلق المعارف التي تمكًن من تحسين الحياة الاقتصادية وترجمة تكنولوجيا المعلومات والمعرفة الى منافع اقتصادية تنقذ الناس من وهدة الفقر .

لذا فالتنمية البشرية تحقق كل من تنمية القدرات البشرية من خلال الصحة والتمًكين من المعرفة وتطوير المهارات واستخدام الناس في مجالات تتسق مع ما يكتسبون من هذه المهارات والقدرات .

—————————————–

[22]- د. حسناء  محمود محجوب، الطريق الى مجتمع المعرفة، مصدر سبق ذكره، ص 11.
 [23]- المصدر نفسه، ص 10
 [24]- نعيم ابراهيم الظاهر، مصدر سبق ذكره، ص 311.
 [25]-برنامج الامم المتحدة الانمائي، تقرير التنمية الانسانية العربية، 2003، ص 37.
 [26]- المصدر نفسه، ص 37.
 [27]- مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية (الاونكتاد)، تقرير التجارة الالكترونية والتنمية، 2003، الامم المتحدة، نيويورك وجنيف، ص18.