(دراسة عالمية حول تنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325)
كتاب (منع النزاع وتحويل العدالة وضمان السلام)
الفصل رقم 5. العدالة التحويلية
هناك نقاش يدور اليوم، بين الدوائر الأكاديمية وممارسي حقوق المرأة، بشأن طبيعة جودة العدالة في مواقف النزاع المسلح. بالنسبة للبعض، ينبغي إعطاء الأولوية العدالة الفردية، من خلال معاقبة مرتكبي الجرائم وإنشاء نظام ردع حتى لا تتكرر هذه الأفعال مرة أخرى. أما البعض الآخر، فيرى أن العدالة لابد أن ينظر إليها في نهاية المطاف من منظور المجتمع الأكبر؛ كيف يمكن لآليات وعمليات العدالة، بالإضافة إلى توفيرها سبل الانتصاف للأفراد، أن تساعد المجتمعات أيضًا في الالتئام والتعافي من الانتهاكات السابقة وأن تمضي قدمًا إلى السلام المستدام.
توفر المشاورات الدائرة في شتى أنحاء العالم مؤشرًا واضحًا على أن العدالة الفردية ضرورية لجميع النساء اللاتي أصبحن ضحايا. فلديهن إحساس قوي بالضيم والإساءة العميقة، وافتقاد الأمن من جراء حالات الإفلات من العقاب التي تُمنح لمرتكبي الجرائم في بعض المواقف في أعقاب الحرب. على سبيل المثال، بعد محاكمة غاكاكا في رواندا التي شهدت مقابلات بين الضحايا وبين مرتكبي الجرائم ولكنها أتاحت لهم العودة للعيش في نفس المجتمعات المحلية، سألت إحدى السيدات بغضب، “إذاً أنتم تريدون مني أن أعيش في المنزل المجاور للرجل الذي اغتصبني وقتل زوجي وأبنائي؟” تعد العدالة الفردية لأمثالها من النساء بالغة الأهمية وضرورية، ولابد أن تكون جزءًا من أي إطار للعدالة يتعامل مع مواقف النزاع.
وفي نفس الوقت، أثناء المشاورات التي جرت في شتى أنحاء العالم لأغراض الدراسة العالمية، كانت مطالبة النساء بأن تُعامل العدالة كشيء لا ينفصل عن المخاوف الأوسع نطاقًا بشأن رفاه مجتمعاتهن المحلية من بين الأمور القليلة التي كان لها صدى أكثر عالميًا. بالنسبة للنساء، اللاتي ترتبط تجاربهن مع العنف مباشرة بوضعهن غير المتكافئ، تتمثل العدالة في التعامل مع الماضي بنفس القدر الذي تُعنى فيه بتأمين مستقبل أفضل يشمل ضمانات لعدم التكرار.
زيادة الملاحقة القضائية وسد فجوة الإفلات من العقاب:
أدت الفظائع التي ارتكِبَت في رواندا وفي يوغوسلافيا السابقة إلى إنشاء محكمتين جنائيتين في التسعينيات )هما المحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة على التوالي(، وقد شهدتا تطورات هامة في القانون الدولي بشأن الجرائم القائمة على نوع الجنس. وقد تضمن النظام الأساسي الذي ينظم عمل هاتين المحكمتين أول صياغة للاغتصاب كجريمة ضد الإنسانية تستوجب المقاضاة، وقد أعطت الأحكام التي صدرت عن هذا المحاكم قدرًا غير مسبوق من الإنصاف بالنسبة للجرائم المرتكبة ضد المرأة. أدى عددٌ من القضايا الفارقة في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، بالإضافة إلى المحكمة الخاصة لسيراليون، إلى توسعة نطاق القانون الدولي بشأن العنف الجنسي، وإرساء مبادئ رئيسية تشمل: أن الاغتصاب يمكن أن يكون أداة من أدوات الإبادة الجماعية؛ 2 وأن العنف الجنسي يمكن أن يعتبر نتيجة منتظرة لغيره من الانتهاكات التي تحدث في أوقات الحرب؛ 3 و أن الزواج القسري يمكن أن يشكل جريمة ضد الإنسانية. 4 وبالإضافة إلى ذلك، فإن أحكام المحاكم قامت بتعريف العناصر المكوِّنة للاغتصاب كجريمة حرب وكجريمة ضد الإنسانية، والاغتصاب كنوع من التعذيب والاسترقاق، كما قامت بتعريف ملامح ‘الاعتداء على الكرامة‘.
لعل أكبر قدر من التقدم المحرز في هذا المجال على مدار 15 عامًا مضت يتمثل في اعتماد نظام روما الأساسي، والذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية ويمثل الإطار القانوني الأكثر تقدمًا وشمولاً حتى الآن بشأن الجرائم القائمة على نوع الجنس. دوَّن نظام روما الأساسي التطورات السابقة وزاد عنها، حيث نصَّ صراحةً على أن الاغتصاب والاسترقاق الجنسي والبغاء القسري والحمل القسري والتعقيم القسري وغيرها من صور العنف الجنسي تعد جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب ومكونًا من مكونات الإبادة الجماعية. ومع عدد الدول الأطراف في نظام روما الأساسي الذي يبلغ 123 دولة تمثل أكثر من 60 في المائة من الأمم جميعًا، تمثل المحكمة الجنائية الدولية عزمًا مشتركًا للنظر إلى ما وراء الحدود الوطنية نحو نظام جمعي للعدالة، مع إعطاء أولوية حاسمة للسعي إلى تحقيق المساءلة عن الجرائم الجنسية والجرائم القائمة على أساس الجنس. 5
المحكمة الجنائية الدولية – ضمان العدالة في جرائم العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس
استنادًا إلى تجارب المحاكم السابقة، أكّدت المحكمة الجنائية الدولية على الإجراءات المطلوبة لضمان التعامل مع الجرائم القائمة على نوع الجنس بطريقة مناسبة. هناك التزامات محددة بأن يقوم مكتب المدعي العام، وهو أحد الأجهزة الأربعة في المحكمة، باتخاذ التدابير المناسبة لحماية سلامة الضحايا والشهود ورفاههم الجسدي والنفسي وكرامتهم وخصوصيتهم، وبالتحقيق في جرائم العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس وبتعيين مستشارين متخصصين في هذا المجال. 6 كان من بين الابتكارات الهامة في نظام روما الأساسي استحداث مشاركة الضحية في إجراءات المحاكمة. وقد وفَّر هذا منصة صلبة للضحايا لكي تعترف بهم المحكمة الجنائية الدولية بصورة رسمية، وللمشاركة في العملية القانونية وللتعبير عن وجهات نظرهن ومصالحهن من خلال ممثل قانوني.
ولضمان حماية الضحايا والشهود، يمكن إجراء الجلسات عن طريق الكاميرا، وللمحكمة سلطة الأمر باستخدام أسماء مستعارة، وحذف الأسماء من السجلات العامة والاستماع للشهادة من خلال وسائل بخلاف الحضور الشخصي بما في ذلك من خلال الوسائل التكنولوجية التي تتيح تغيير الصور أو الأصوات. 7 وتتطلب أحكام هامة أخرى أن تتوافر لدى طاقم العمل في وحدة الضحايا والشهود الخاصة بالسجل، والمسؤولة عن حماية الشهود ورفاههم، الخبرة في الصدمات المتعلقة بالعنف الجنسي. 8 كما يتيح نظام روما الأساسي الحكم بإجراءات جبر الضرر للضحايا، إما من خلال المساهمة المباشرة من الفرد المُدان أو من خلال الصندوق الاستئماني لصالح الضحايا التابع للمحكمة الجنائية الدولية، والأول من نوعه. منذ عام 2008 ، قدم الصندوق الاستئماني لصالح الضحايا الدعم لأكثر من 110,000 ضحية من ضحايا الجرائم التي تندرج تحت الولاية القانونية للمحكمة، بما في ذلك عشرات الآلاف من الناجيات من العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس، من خلال إعادة التأهيل الجسدي والنفسي والدعم المادي. 9
ورغم أنه من الواضح وجود أطر لضمان العدالة لجرائم العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلا أن الطريق أمام تشغيلها لا يزال طويلاً. تم توجيه تهم الجرائم القائمة على نوع الجنس في ستة من تسعة مواقف قيد التحقيق من قِبل المحكمة الجنائية الدولية، وفي 14 من 19 قضية تنطوي على جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
————————————————-

