السلام الذاتي والسلام مع الآخرين
أ. مريم الموسوي
ورد عن أحد الفلاسفة قوله: “السلام يبدأ من القلب”.. يُعد السلام من القيم السامية التي يمكن أن تصل إليها الذات البشرية، وهو نعمة من الله يتميز بها مَن يحمل قلبه الإنسانية ومن كان ذا عقل واعٍ لأهمية الحب والتسامح والتعامل الراقي الناضج، والسلام الذاتي هو ميزة الإنسان الحكيم الذي يُدرك أن السلام ليس أقوالاً، بل هو أفعال ينميها في ذاته ويمنحها الآخرين، فثمار السلام الذاتي الداخلي تنعكس في تعاملنا مع مَن حولنا في البيت، والمجتمع والعالم.
إن السلام الذاتي هو نتاج توازن وتناغم بين عقل، وروح وجسد الإنسان في مواجهة حالات التوتر، الانزعاج والغضب، الكره والتنافس، والغيرة المدمرة، إذ يرى الكثير من المفكرين أن أسباب العنف والصراع والطعن في الآخرين هو وجود خلل في جوهر الطبيعة الإنسانية؛ لأن الحالة الصحية والطبيعية للإنسان هي السلام، فقد قالت المعلمة الروحية وناشطة السلام مايلدرد نورمان: “عندما تجد السلام داخل نفسك، تصبح شخصًا من النوع الذي يمكن أن يعيش في سلام مع الآخرين”.
فقذف الناس في الواقع ووسائل التواصل الاجتماعي بما لا يليق، والتجريح فيهم والشتم، والاستنقاص من شخصيتهم ومن مكانتهم، والتدخل في خياراتهم واتهامهم بشتى الاتهامات، إنما يؤكد فقدان أمثال هؤلاء للسلام الذاتي والداخلي، وتصرّفهم يزعزع المكوّن المجتمعي، ويسبّب الاضطراب والشحناء والقذف الذي لا يؤذي الفرد ويقلق راحته واستقراره وشعوره بالأمان فقط، بل يُحطّم مبادئ وقيم المواطنة الإنسانية، فيسبّب الشقاق، سوء الظن، التراشق بالاتهامات والكلمات السيئة، وهو يهدم وحدة وترابط المجتمع ولا يبني، كما أنه يدمر قيم المحبة والتسامح مع مختلف التوجّهات والأديان ويخالف البناء الإنساني.
إن حضارة المحبة والسلام والإنسانية ربما يُنظر إليها على أنها مثاليات، لكن الإنسان لديه القدرة على تحقيق المستحيل وإدراك المثالية ودرجات متقدمة من الكمال إن أراد ذلك حقًا.
فالوصول إلى مجتمع إنساني مُحب ومُتآلف هو ليس من ضرب الخيال، ولكن يبدأ من الجهود والمسؤولية الفردية والإيمان بذلك، وكما قيل حين تتغلّب قوة الحب على حب القوة، سيشهد العالم السلام.
المصدر: صحيفة “الأيام” البحرينية، 28 أيلول/سبتمبر 2019

