الأكراد والكذب والرغبات المقموعة

حازم صاغية
السبت،14 تشرين الأول(أكتوبر)،2017

في الهيجان الذي أثارته، ولا تزال، الحالة الكرديّة الجديدة، هناك رغبة مقموعة. إنّها تعيش إلى جانب رغبات أخرى بالطبع، تتقاطع مع بعضها وتخالف بعضها، لكنّها تبقى الأكثر خفاء والتواء بين سائر الرغبات.
فالمنطقة العربيّة لو كانت تعيش زمناً من الوئام والإجماع شذّ عنه الأكراد، بدا مفهوماً هذا الهيجان الواسع وما يصحبه من تخوين. أمّا أنّنا نعيش ما بين حرب أهليّة هنا وحرب إقليميّة هناك، فهذا ما يجعل الرغبة الكرديّة في الانفصال جزءاً، مجرّد جزء، من لوحة عديمة الانسجام.
نذهب أبعد فنقول إنّ ما جهر به أكراد العراق هو ما تضمره أغلبيّة كاسحة من شعوب وجماعات المنطقة. وهذا ما يجعل الوطنيّات العربيّة راهناً، بما في ذلك من إعلانات حبّها المتبادل، شيئاً عصيّاً على التصديق.
لكنّ الاعتبارات التي تمنع الرغبات، السنّيّة والشيعيّة والعلويّة والمسيحيّة والدرزيّة والقبطيّة والإيزيديّة والتركمانيّة…، من التحوّل إلى إرادات ومشاريع، لا تزال كثيرة:
– بعضها المسلّح يستمتع بالسيطرة على الآخرين بما لا يحوجه إلى تقليص رقعة سيطرته عبر الانفصال،
– وبعضها يعرف أنّ العوامل الجغرافيّة والديموغرافيّة والاقتصاديّة تعاند رغبته ولا تخدمها،
– وبعضها يتهيّب الارتدادات الإقليميّة والدوليّة،
– وبعضها لا يزال يتمسّك بتفضيل الكبير على الصغير، أو يعتصم بكون «يد الله مع الجماعة»،
– وبعضها يخاف الاتّهام بإنشاء «إسرائيل ثانية» و»ثالثة» و»رابعة»…
وسط هذه اللوحة الملبّدة، حيث يقف الواقع حائلاً دون الرغبات والإمكانات، أبدى أكراد العراق استعدادهم لاختراق هذا الواقع ولتسييد رغبتهم عليه. والأمر هذا قد ينطوي على فائض إراديّ وعلى نقص سياسيّ، لكنْ يبقى أنّ الجزء الكرديّ من لوحة المنطقة بات نافراً فيما باقي اللوحة ماضٍ في تصارعه مع ذاته، ومع كتمان معظم هذه الذات. النيّات غير المعلنة ارتابت بالنيّة المعلنة الوحيدة، خصوصاً أنّها تقول ما تضمره، وما تشتهيه، تلك النيّات. وتجرّؤ الإقدام على ما يرغبه الآخرون ولا يتجرّأون على الإقدام عليه سبب لغضب هؤلاء الآخرين.
غضبٌ كهذا غالباً ما تزكّيه المراحل الانتقاليّة بما فيها من انهيارات ونهايات وقلق من المستقبل وإحساس بضرورة «ترتيب الأمور» على نحو مفيد لأصحابها. وكم يحتقن الغضب ويتعاظم حين يلمس صاحبه أنّ الحاضر منهار والمستقبل ممنوع، فيما ثمّة من يهيّئ نفسه لمغادرة المركب الذي يغرق.
والحال أنّ المكبوت الذي فينا، وهو كثير، لا يعود إلاّ عودات محوّرة وعدوانيّة وحاسدة، بدل أن تكون عوداته صريحة ومباشرة وسلميّة الطابع. إنّه يكره ما يحاوله الآخرون لأنّه يخاف أن يحاول. يكره ما يجهر به الآخرون لأنّه لا يجرأ على الجهر.
وهذا مردّه إلى الافتقار العميق إلى الحرّيّة: الافتقار الذي يجعلنا نبالغ في تصوير عداوات متوهّمة أو مزعومة أو بعيدة، عداوات تُخاض المعارك معها لفظيّاً، فتعفينا من مسؤوليّة خوض المعارك المباشرة والفعليّة التي تداهمنا.
هكذا صارت حملة الهيجان على الأكراد لوحة تجتمع فيها التراجيديا والكوميديا. والأمر فيه نفاق كثير ذو وجهين على الأقلّ: واحد كثر الكلام عنه، وهو التعلّق بـ «خريطة سايكس- بيكو» التي نشأت أجيال على لعنها، والآخر أن يُترك لحسن نصرالله مثلاً، وهو قائد حزب مذهبيّ تعريفاً، أن يحذّر في خطاباته المتلاحقة من «مشاريع التفتيت المذهبيّة»، وأن يتّفق رئيس الجمهوريّة «الإسلاميّة» الإيرانيّة حسن روحاني ورئيس الحزب «الإسلاميّ» التركيّ رجب طيّب أردوغان على أنّ بلديهما «لن يقبلا تقسيم المنطقة وتجزئتها»، وأنّهما يرفضان «تأجيج خلافات عرقيّة ومذهبيّة خطّط لها في منطقتنا متآمرون وأجانب».
بمثل هذا، بمثل هؤلاء، تُصنع الوحدات وتدوم.

ان الشعب الكردي هو من الشعوب العريقة في الشرق وكان له الدور في بناء العديد من الحضارات الشرقية وأنه من الشعوب المتمايزة ثقافياً ولغوياً وقومياً ، ومن الطبيعي ان يعيش على أرضه التاريخية كردستان ويتعايش مع بقية الشعوب المتجاورة بسلام ووئام وأخوة دون أن يلجأ مطلقاً إلى الهجوم عليها أو محاربتها أو احتلال أراضيها بل كان يسعى دوماً بالدفاع عن نفسه ضد كل الغزاة والمحتلين. وانه من الشعوب الذي يعشق الحرية ويتغنى بها ويناضل من أجلها، وكان يسعى دائماً بمساعدة بقية الشعوب في التصدي للغزاة وقهرها وتحرير أراضيها، رغم ذلك تعرضت كردستان إلى العديد من الغزوات الظالمة والبربرية وقسمتها في النهاية وفق الاتفاقيات الاستعمارية بين أربعة دول لتجزئة شعبها وإنهاك قواه وسهولة السيطرة عليه.
ان الشعب الكردي هو من الشعوب النادرة في العالم رغم تعداد سكانه وكبر مساحة أراضيه ونضاله وتضحياته الجسام وتعرضه للكثير من الظلم والمعاناة والمجازر البشرية والقهر وتشتته في كل أصقاع الارض وأبرمت بحقه الكثير من المؤامرات والاتفاقيات الدولية أجهضت نضاله بالنيل من حريته استقلال وطنه وبناء دولته أسوة بكل شعوب العالم.
ان الشعب الكردي في جنوب كردستان كان له الدور الأساسي في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي في مقارعة دكتاتورية صدام حسين وبالتنسيق مع المجتمع الدولي وبالتالي اسقاطها وبناء العراق الجديد ومن ثم التأسيس لمرحلة جديدة تكمن في صياغة دستور عصري حضاري وديمقراطي يتساوى فيه كل مكونات الشعب العراقي على أساس الشراكة الحقيقية في العراق الاتحادي والعمل على بناء الدولة المدنية والقانون، ولكن للأسف تحولت الدولة العراقية إلى محافظة إيرانية بامتياز وتحولت حكومتها الى حكومة طائفية مذهبية تنفذ أجندات النظام الفاشي في ايران وبدأت تتنصل من تنفيذ الدستور وتعرقله وتعطل كل أنواع الشراكة مع حكومة اقليم كردستان، رغم ان هذا الدستور ومنطق الشراكة في العراق قد أصيغت بإشراف دولي.
وأن للشعب في جنوب كردستان وقيادته السياسية والعسكرية ساهم وبشكل فاعل في محاربة الارهاب وواجه بشجاعة نادرة في مواجهة أشرس تنظيم ارهابي في العالم وهو تنظيم داعش الإرهابي هذا التنظيم الذي تشكل من أجل محاربته تحالف دولي وكان للبيشمركة الأبطال الدور الحيوي في محاربته وإنهائه وتحرير الكثير من المناطق في كردستان والعراق.
وقد توصل الشعب الكردي في جنوب كردستان وأحزابه السياسة وحكومته وبرلمانه ورئيسه الزعيم الكردي مسعود بارزاني إلى قناعة كاملة بعدم جدوى الشراكة مع حكومة بغداد التي لم تنفذ بنود الدستور العراقي ‏بل ساهمت في تعطيله وعدم تقديم الالتزامات المادية لحكومة اقليم كردستان وسعت الى تجويع الشعب الكردستاني وحرمت عن البيشمركة الأسلحة في الوقت الذي كانت البيشمركة تحارب الارهاب، وقدمت في مواجهته آلاف من الشهداء والجرحى، ان هذه السياسات المجحفة بحق الشعب الكردستاني أجبرت الأحزاب السياسية بقيادة الرئيس مسعود برزاني قائد الأمة الكردية باتخاذ قرار اجراء الاستفتاء لاستقلال كردستان في الخامس والعشرين من شهر أيلول، هذا القرار الذي ينسجم مع الدستور العراقي ومع المبدأ العالمي المنصوص بحق شعوب في تقرير مصيرها، هذا المبدأ الذي وقع عليه كل دول العالم ومنها العراق القديم والجديد، هذا الحق المشروع والذي تضمنه كل المبادئ السامية.
حيث ان حكومة وبرلمان كردستان قررت هذا الإجراء الديمقراطي والذي يحق للشعب الكردستاني ان يقرر مصيره بالتصويت الذي حقق فيه الشعب الكردستاني نجاحا باهرا وبنسبة ٩٢ ٪؜ وهي نسبة عالية جداً تمنح الشعب الكردستاني الحق في الاستقلال والتأسيس لدولته المستقلة.
ان المجتمع الدولي وكافة الهيئات والمنظمات الدولية الضامنة لحقوق الانسان مطالب بدعم هذا القرار الذي اتخذه الشعب الكردستاني والسعي الجدي بالعمل على بدء حوار جدي بين حكومة بغداد وحكومة كردستان لتنفيذ هذا القرار ومساعدة الشعب الكردستاني في بناء دولته والتضامن معه ضد كل هذه التهديدات التي يتعرض له من الدول التي تضطهد هذا الشعب.
وحتى لا تتحول هذه الدول إلى حماة الظلم والقمع والتعسف والديكتاتوريات الرافضة لحق الشعوب في تقرير مصيرها وتتعامل مع هذه القضايا بمعايير مزدوجة، وبالتالي سيكون مستقبل المنطقة مظلماً، وقد تنجر منطقة الشرق الأوسط لحروب جديدة لا تخدم أحداً. ولهذا ان المجتمع الدولي يجب ان يتحمل مسؤوليته الاخلاقية اتجاه الشعب الكردستاني ويدعمه في استقلاله وسيكون ذلك فاتحة خير على كل مكونات الشرق وسيتلازم ذلك بالاستقرار والأمن والخير، وغير ذلك سيفقد شعبنا الثقة بالمجتمع الدولي والعالم الحر وسيعتبر داعماً الأنظمة الديكتاتورية والظالمة.
علماً ان شعبنا في جنوب كردستان لن يتراجع عن قراره مطلقاً وسيستمر في نضاله، وان ارادته أقوى وانه قادراً ان يتوافق مع المصالح الدولية.
——————————–
جريدة الحياة