أُسس الانتقال السياســــــــــــي (البيـــــــئة الآمنـــــــــــــــــــــــة والمحايـــــــــــــــدة)

الأربعاء،15 كانون الثاني(يناير)،2020

موسى موسى ـ ماجستير قانون دولي

مقدمة

لم ينعم الشعب السوري منذ الاستقلال ـ باستثناء فترات قصيرة ـ بالديمقراطية وممارسة حياته السياسية بحرية، فكان التعبير عن الرأي يجابه من قبل السلطات بجملة من التدابير والاجراءات المانعة والمعرقلة والمعاقبة بأشكال متفاوتة، تصل في أغلب الأحيان الى عقود من السنين ـ وخاصة بعد 1970 ـ في المعتقلات والزنازين المنفردة أو في مهاجع بين المجرمين وأصحاب السوابق، ناهيك عن نهب المال وتحريم الشعب من ثرواته الوطنية، وخلق شريحة فاسدة مرتبطة به، وتأسيس منظومة أمنية متدخلة بكافة مفاصل حياة الشعب والدولة، قامعة لكل حركة أوكلمة حرة، إضافة الى مجموعة من القوانين القامعة بدءاً من الدساتير السورية منذ الانفصال مروراً بدستور عام 1973 الى الدستور الحالي لعام 2012، ورغم هذا لم يرى الشعب السوري ونخبه السياسية والثقافية ضرورة للتدخل الدولي بأشكاله الناصحة ليتمكن المواطن من ممارسة عمله السياسي بقليل من الحرية وبتخفيف القبضة الأمنية المسلطة على رقابه، ولم يكن في تفكير الشعب السوري الإلتجاء الى الخارج العربي أو الإقليمي أو الدولي للتخفيف من مأساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تغلغلت المؤسسة الأمنية في كافة مفاصلها، حيث كان يرى في التجائه للخارج بالتدخل السلمي خيانة وطنية، فظل المواطن حبيس وطنيته، وقبوله بالأمر الواقع المفروض عليه بخطط ممنهجة من المسؤول الأول في السلطة، وكانت قناعات المواطن السوري وايمانه بأن التغيير والإصلاح يجب أن يكون بالنضال من الداخل، دون أن يستدعي ذلك وجود بيئة آمنة وسلطة محايدة من أجل النضال، كما لم تكن فكرة ضرورة وجود البيئة الآمنة والمحايدة للنضال من أجل اجراء بعض الإصلاحات حاضراً لدى النخب السورية، والشعب السوري كان بحاجة الى بيئة آمنة ومحايدة كحاجته للهواء الذي يتنفسه، للانتقال الديمقراطي.

القوانين القمعية المانعة للحرية والتعبير في سوريا

(سوريا في ظل دستور1973 وبعض التشريعات السابقة)

سادت الدول العربية أنظمة سياسية وأشكال مختلفة للحكم بعيد استقلالها بين الأنظمة الملكية والجمهورية والإماراتية وحكم المشايخ، وقد برزت الأيديولوجية القومية في بعض الدول ذات الأنظمة الجمهورية كالعراق وسوريا لتجعل من حزب البعث قائداً للقومية العربية، وعلى أساسها عملت على نشر فكرها القومي في الدول العربية الاخرى مستفيداً من القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الاسرائيلي وكأن الأيديولوجية القومية المتمثلة في فكر الاتحاد الاشتراكي العربي بدءاً من مصر، وفكر حزب البعث العربي الاشتراكي من سوريا ومن ثم من العراق، هي الأكثر ارتباطاً بالقضية الفلسطينية والأقدر على مجابهة اسرائيل، كما استفادت من الحرب الباردة بين القطبين العالميين مستغلاً ذلك الصراع في إقامة وبناء علاقات الصداقة والتعاون مع المعسكر الاشتراكي إلى أن تمادى حزب البعث خاصة في سوريا في ممارساته الداخلية والعربية والدولية.

* حزب البعث واجهة للنظام الأمني:

 داخلياً، عمل حزب البعث في سوريا ـ الذي أصبح منذ استلام الاسد للحكم واجهة للنظام ـ إلى إقامة الجبهة الوطنية التقدمية من الأحزاب التي تناغمت، أو التي أجبرت لأن تتناغم مع حزب البعث، ليصبح الشعب والقوى المعارضة في واد والنظام في واد آخر، فقد استطاع حافظ الأسد من خلال نفوذه القوي داخل حزب البعث ومركزه العسكري في الدولة أن يبعد معارضيه وما يشتبه في معارضتهم له في الحزب والدولة ليتفرد هو بالحكم في الحزب والدولة فجاء صياغة المادة الثامنة من الدستور السوري بأن حزب البعث هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية (المادة /8/ من دستور 1973) وذلك لفرض سلطة حزب البعث دستورياً على كافة مفاصل الحياة السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، ولم يكن ذلك إلا تكريساً لسلطة الأسد الفردية بشرعية دستورية مزيفة لحكم البعث كستار للحكم الفردي المطلق.

* قمع المعارضة :

واجهت المعارضة السورية  في ظل حكم البعث قمعاً لا مثيل له، فقد اعتبرت الأحزاب القائمة غير شرعية وذلك دون سند قانوني رغم تأكيد الدستور على حق المواطن في الاسهام في الحياة السياسية ( المادة/26/) من الدستور، وبعد مرور أربعة عقود من الزمن لا زال الشعب السوري وقواه السياسية بانتظار صدور القانون الذي ينظم الحياة السياسية في البلاد، رغماً ان حزب البعث نفسه، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها حزب البعث لا يستندون في تأسيسهم لأي قانون، والشرعة الدستورية والقانونية التي تعتمد عليها تلك الأحزاب ليست إلا شرعنة شفهية من النظام يغطي بها عمل تلك الأحزاب التي تعكس سياسة البعث والتي انتظمت في الجبهة  الوطنية التقدمية، أما مصير القوى والشخصيات المعارضة هو الركون في المعتقلات بتهم جاهزة تتلخص في زرع الوهن في نفوس الشعب، وإضعاف الشعور القومي، وإثارة النعرات الطائفية والعنصرية، ومحاولة اقتطاع جزء من الأرض السورية لضمه إلى دولة أجنبية، والخطر على أمن الدولة، وزرع الفتنة، والتعامل مع الجهات الخارجية.

في ظل هذه الممارسات اللاشرعية ترهيباً وترغيباً من السلطات الأمنية أستطاع  النظام أن يفرغ المعارضة السورية من محتواها، وجعلتها تعيش على هامش الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، دون أن تلعب أدنى دور ليس فقط في الاسهام في العملية السياسية، بل حتى في محاولة تكوين رأي ضاغط على النظام، ومسيرة ربيع دمشق معروفة للجميع منذ بداية حكم الوريث الابن في اسقاطه لكافة البراعم التي كان من الممكن أن ينتجه ربيع دمشق، وكان مصير نشطاء ومؤسسي المنتديات التعذيب في المعتقلات، وأنواع الحصار المفروض على عوائلهم.

ومع هذا كله وخاصة بعد البروستريكا الروسية لم يستطع النظام الأمني والشمولي في سوريا أن يتأقلم مع المتغيرات الدولية سوى الانتقال من خطابه العقائدي الحاشد بالمآثر البطولية والمنجزات الوهمية إلى الإعتراف الخجول من خلال أعلامه ببعض الأخطاء الناتجة عن حالة الفساد الذي أدى إلى الركود الاقتصادي والترهل الإداري مما يستدعي القيام ببعض العمليات الإصلاحية في مجالي الإقتصاد والإدارة. ومع تلك الأخطاء وذلك الفساد الذي لم يكن باستطاعة النظام إخفائه لكن ممارساته دلت على توغله أكثر فأكثر في عمليتي الفساد والإفساد و توحشه اللامحدود في قمع القوى ونشطاء المجتمع المدني. 

* حالة الطوارئ:

حالة الطوارئ التي تعد ظاهرة سورية مستدامة، بل طفرة سوداء مميزة في تاريخ سوريا من حيث المدة الزمنية المطبقة فيها ـ منذ بداية الستينات من القرن الماضي ـ والممارسات القاسية، والأحكام العرفية المتجاوزة لأية شرعية، التي طبقت في ظل حالة الطوارئ على الشعب السوري متجاوزاً بذلك أحكام الدستور، جعلت من سوريا كلها سجناً دون أن يكون لنصوص الدستور المقرة للحريات والحقوق أية معنى.

وحالات الطوارئ مختلفة فقد تكون نتيجة لظاهرة طبيعية يسببها فيضان أو هزة أرضية، وقد تكون سياسية أو نتيجة عدوان على أرض الوطن عندها لا يجب على الدولة أن تقف مكتوفي الأيدي وتنتظر مجابهة الحالة بالقوانين العادية التي قد لا تفي باللازم، لذلك على السلطات المعنية أن تعلن الحالة ولكن ضمن محددات تشريعية لما لها أثر سلبي على حياة المواطنين، لكن حالة الطوارئ في سوريا وإعلانها لم تكن لمجابهة الحالة لحماية المواطنين من آثارها السلبية ولكن كان إعلان حالة الطوارئ واستدامتها بهدف قمع الشعب وإرهابه ومحاصرته إقتصادياً وغيرها من كافة صنوف الممارسات الهادفة بالنتيجة إلى إذلاله.

* انتهاكات  حقوق الأفراد والجماعات (بعض القوانين القمعية):

1 ـ قانون حالة الطوارئ الصادر بالمرسوم التشريعي /51/ لعام 1962  الذي أطلق يد الحاكم العرفي أو نائبه في إصدار الأمر بالاعتقال وتنفيذه، كما وقع قيوداً على حرية الأشخاص  اجتماعاً وإقامة وتنقلاً ومروراً  وتوقيفاً وتحرياً للأشخاص والأماكن، مما غيب سلطة القضاء كاملة بموجب /المادة  4 ف أ / من القانون المذكور، كما أجاز القانون للحاكم العرفي أو نائبه مراقبة الرسائل والمخابرات والصحف والنشرات والمؤلفات والرسوم والمطبوعات وضبطها ومصادرتها / المادة4 ف ب، كما أجاز القانون المذكور الاستيلاء على أي منقول أو عقار بموجب / المادة 4 ف و/ ، وبغياب السلطة القضائية أصبح حجب المعتقلين من حقهم في الدفاع عن طريق محام، و إخراج قرارات الحاكم العرفي من دائرة الطعن أو التظلم أمام أي مرجع قضائي  وحجب معرفة مكان وتهمة الاعتقال وزمن الاعتقال من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتب عليها الاخلال في توازن العلاقات الاجتماعية بسبب عدم معرفة مصير المعتقلين.

2 ـ  إحداث محاكم الميدان العسكري بالمرسوم التشريعي رقم/ 109/ تاريخ 17/08/1967، الذي أجاز للمحكمة عدم التقيد بالأصول والاجراءات المنصوص عليها في التشريعات النافذة / المادة 5/ من المرسوم المذكور، كما ان أحكامها بموجب المادة/6/ لا تقبل الطعن.

كما ان ولاية المحكمة بموجب المادة/1/ من المرسوم المذكور هي الجرائم المرتكبة زمن الحرب أو خلال العمليات الحربية التي يقرر وزير الدفاع إحالتها إليها، لذلك يعتبر محاكمة عناصر تنظيم جدماعة الاخوان المسلمين إليها باطلة ويعتبر حكم الاعدام النافذ بحقهم جرائم ضد الانسانية.

3 ـ إحداث محكمة أمن الدولة بالمرسوم التشريعي رقم/47/ تاريخ 28/3/1968.

4 ـ قانون إحداث إدارة أمن الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم/14/ لعام 1969، الذي حرم المواطن السوري من حقه في الجوء إلى القضاء للإدعاء على رجل الأمن الذي أرتكب بحقه الجرائم التي ارتكبها أثناء تنفيذ مهماته الموكولة إليه / المادة 16 من القانون المذكور/.

5 ـ قانون التنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم/549/ لعام 1969، الذي نص على عدم جواز ملاحقة العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها أمام القضاء في الجرائم الناشئة عن الوظيفة بموجب المادة/74/ من القانون المذكور، مما جعل أيدي رجال الأمن أو من في حكمهم مطلقي اليدين في تنفيذهم للجرائم بحق الأفراد دون أي رادع.

6 ـ القانون/49/ لعام 1980: الذي يجرم في المادة /1/ منه ويعاقب بالاعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الاخوان المسلمين.

7 ـ الدستور السوري النافذ منذ عام 1973، الذي أجاز لرئيس الدولة صلاحيات واسعة دون أن يكون مسؤولاً إلا في حالة الخيانة العظمى، مما أحدث خللاً واسعاً بين السلطة والمسؤولية.

كما أجاز للرئيس أن يحكم البلاد إلى الأبد محجباً بذلك رئاسة الدولة عن كافة أفراد الشعب السوري ليحصرها في شخص  رئيس الدولة حافظ الأسد، والذي هيأ بدوره كافة الظروف ليستلم أولاده من بعده، وما كان الاسلوب الذي استلم به نجله بشار الاسد رئاسة الدولة في عام /2000/ إلا دليلاً واضحاً على عملية التوريث المهيّئة.

تأمل الشعب السوري بعد عام 2000 بمرحلة جديدة فكانت تأسيس المنتديات بداية لوضع السلطة أمام امتحان الانتقال الديمقراطي والاصلاح السياسي والدستوري والقانوني والاداري والاقتصادي دون جدوى رغم بعض التعديلات الدستورية وصدور قانون للأحزب وآخر للانتخابات، إلا أن الوضع بقي على حاله دون أي تغيير الى أن وصل الحال الى ما نراه اليوم، فكان التدخل الدولي ـ كما جاء في بيان جنيف1ـ انطلاقاً من جزعهم البالغ إزاء خطورة الحالة في سوريا، هذا التدخل الذي سيشكل بداية لتفكيك النظام القديم وبناء نظام سياسي جديد على أنقاضه.

المرجعية القانونية للبيئة الآمنة والمحايدة

1ـ بيان جنيف1، وظهور المصطلح

رغم قمع السلطة الذي رافق الشعب السوري طوال عقود من الزمن، كان لا بد من قشة كالتي قصمت ظهر البعير، التي وفرتها ثورات الربيع العربي بدءاً من تونس 2010 وامتدادها الى ليبيا ومصر ووصولها الى سوريا، الذي شهد قمعاً لا مثيل له في تاريخ البشرية، من الخطف والاعتقال والقتل والقصف بالطيران والبراميل المكتفجرة والمواد الكيماوية المحرمة دولياً على المدنيين العزل في كافة القرى والبلدات والمدن السورية، والذي طال المدارس والمشافي ودور العبادة ومصادر المياه، وبعد تدخل المجتمع الدولي لإيجاد مخرج للأزمة السورية، وبناءً على دعوة المبعوث الأممي وجامعة الدول العربية المشترك السيد كوفي عنان، لمجموعة العمل الدولية من أجل سوريا في جنيف في 30 حزيران 2012، حيث ورد في بيانه المسمى(بيان جنيف1) ولأول مرة مصطلح( البيئة المحايدة) في الحالة السورية، حيث جاء فيه:

( إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تهيئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية، وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية).

كما ورد في بيان جنيف1  مجموعة من الخطوات والمبادئ التي لا بد منها كبيئة آمنة للانتقال السياسي، وقد ورد ذلك على سبيل المثال لا الحصر.

القرارات والبيانات المؤيدة ل (بيان جنيف1)

1ـ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم/262/ لعام 2013، بعد بيان جنيف1 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراره الذي يؤيد فيه تأييداً تاماً لبيان جنيف1 المؤرخ في 30حزيران 2012 وما جاء فيه.

2ـ قرار مجلس الأمن الدولي رقم/2118/ لعام 2013 يؤيد تأييداً تاماً لبيان جنيف1 الذ يحدد عدداً من الخطوات الرئيسية بدءاً من انشاء هيئة حكم انتقالية تمارس كامل السلطات التنفيذية.

3ـ قرار مجلس الامن الدولي رقم/2254/ المتخذ في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2015 حيث يؤكد فيه تأييده لبيان جنيف1، كما ويؤيد بياني فيينا في إطار السعي الى كفالة التنفيذ الكامل لبيان جنيف1 كاساس لإنتقال سياسي بقيادة سورية.

4ـ بيان المجموعة المصغرة لأصدقاء سوريا  14 ايلول/ سبتمبر 2018 كمبادئ لأجل حل النزاع السوري والعمل عليه جماعياً وفرادى، حيث يسعون الى حكومة سورية لا ترعى الارهابيين ولا توفر بيئة آمنة لهم، كذلك خالية من اسلحة الدمار الشاملن وتخلق شروطاً للاجئين من أجل أن يعودوا بأسلوب آمن وطوعي وكريم الى منازلهم باشتراك الأمم المتحدة.

5ـ ورقة (اللاورقة)، وهكذا سمي بيان مجموعة العمل من أجل سوريا المنعقد في فيينا في 25كانون الثاني 2018 دعماً للعمل السياسي في سوريا، حيث أوصت الورقة المبعوث الخاص للأمم المتحدة بأن يعمل على أن تركز جهود الأطراف على مضمون الدستور المعدل، والرسائل العملية للانتخابات التي تشرف عليها الأمم المتحدة وفق بيئة آمنة ومحايدة في سوريا.

هذه جميعها قرارات وبيانات وتوصيات دولية مؤيدة ومرسخة لبيان جنيف1 المنصوص على بيئة محايدة ليستطيع الشعب السوري أن يمارس حياته السياسية والمدنية بإرادة منه دون قمع أو خوف أو تهديد.

الغاية من البيئة الآمنة والمحايدة

من خلال مراجعة كافة القرارات والبيانات الدولية نرى تضمينها بعض الفقرات التي تؤكد أو يستشف منها الغاية من البيئة الآمنة والمحايدة، ويمكننا إيجازها بالتالي:

أـ توفير كافة الظروف السياسية والقانونية والأمنية التي تهيئ للمهاجر والنازح السوري من العودة الى منزله آمناً مستأمناً على ماله وجسده وعائلته وكل ما يخص حياته الشخصية والاسرية والعائلية والاجتماعية والسياسية دون أن تعترضه الجهات الأمنية أو المجموعات العاملة مع النظام وخضوعه مرة أخرى للإرهاب الفكري والمعنوي والجسدي، آمناً من مصادر خطر مؤسسات السلطات الأمنية من الخطف والاعتقال أو الاغتيال.

ب ـ أن يعود ويمارس أعماله من أجل الحصول على لقمة عيشه بكرامة دون أن يخضعه أية جهة لضغوطات يجبره لأن يميل الى طرف أو جهة ضد جهة أخرى، وتأمين الظروف والمستلزمات التي تكفل له من متابعة حياته المعيشية، وأن يشعر بالالتزام الحقيقي للسلطة بالقوانين الوطنية والدولية التي تجسد مبادئ العدالة والمساواة وعدم التمييز بسبب اللغة أو الدين أو الطائفة أو الموقف من النظام والثورة.

د ـ تمكين المواطن السوري لممارسة حقه في الاستفتاء والانتخاب بإرادته الحرة دون أية قيود أو موانع أو ضغوطات من الترشح أو الإدلاء بصوته في الانتخابات التشريعية والرئاسية كمدخل لعملية الانتقال السياسي المنصوص عنه في بيان جنيف والقرارات الدولية ذات الشأن.

وعملية الانتقال السياسي في سورية باتت ضرورية لذلك نص عليه بيان جنيف والقرارات الدولية ذات الصلة لأن مرحلة التحول الديمقراطي الذي كان يأمله الشعب السوري منذ عام 2000 قد أجهضت دون أن تبدأ، فقد كانت الظروف مواتية لو تم استغلالها، لكن جشع السلطة وسيطرة القوى الأمنية وحيتان المال والفساد أرادوا للنظام السياسي القديم أن يستمر بكل سيئاته وجرائمه الى أن فجر الشعب ثورته، وقد جلبت الثورة في بداياتها ظروفاً مواتية للتحول أضاعها النظام بحماقاته، فأصبح استحقاق التغيير والانتقال السياسي هو عنوان المرحلة القادمة ليضع نهاية للنظام القديم وبناء نظام سياسي جديد يحمل في أحشائه عملية التحول الديمقراطي المستمر.

ولا يخفى بأن عملية الانتقال السياسي تكمن في السلال الأربعة التي انطلقت في جلسات جنيف من 2012 الى 2018 والتي تؤدي بالنهاية الى تفكيك النظام السياسي القديم وبناء نظام سياسي جديد، ولا شك أن لكل سلة من السلال الأربعة دورها والتي توفر جميعها بيئة آمنة ليتمكن الشعب السوري من أن يعبر عن رايه بحرية ويقول لا لهذا النظام ونعم لنظام سياسي جديد عبر انتخابات واستفتاءات حرة بعيدة عن الخوف والتهديد، وتحت اشراف الامم المتحدة صاحبة تجربة ثرية في هذا المجال من تأسيسها.

دور الأمم المتحدة في عملية الانتقال الســـــياســــي في سوريا

قدمت الأمم المتحدة خدمات جليلة للكثير من الدول منذ تأسيسها عبر برنامج الامم المتحدة الإنمائي ومركز حقوق الانسان وإدارة الامم المتحدة لخدمات دعم التمنية والتنظيم الإداري بناءً على طلب الدولة المعنية في تنظيم تسجيل الناخبين واستخدام الحاسبة الالكترونية في ترتيب القوائم الانتخابية  والاشراف عليها وإجرائها وفرز الأصوات،  وإرسال البعثات للتحقق وإبداء الرأي في مدى تحقق حرية الانتخابات ونزاهتها، وتقديم العون لتحسين القدرات الوطنية في الجوانب القانونية والمادية كنشر الوعي والثقافة الانتخابية وتدريب الكوادر والنظر في القوانين والانظمة الانتخابية وغيرها من المساعدات وذلك حسب حاجة الدول الطالبة للمساعدة.

وقد أشرفت الامم المتحدة بعد تاسيسها على الانتخابات التشريعية الكورية عام 1948، كما وقدمت خدماتها في السبعينيات من أجل ناميبيا، وفي الثمانينات ومع استقلال زيمبابوي كان لها نصيب في تقديم خدماتها، وبناءً على طلب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق قدمت الأمم المتحدة خلال عام 2005 الكثير من المساعدة والدعم اللوجستي للعمليات الانتخابية في العراق.

كما وقدمت مساعدات من افغانستان الى مالي والصومال والأردن ونيبال وبنكلاديش.

وبعد موجة ثورات الربيع العربي دعمت الأمم المتحدة المجتمع المدني خلال انتخابات الجمعية الوطنية التأسيسية في تشرين الأول/ اكتوبر 2011، وفي ليبيا أيضاً ساهمت في تنظيم واجراء انتخابات المؤتمر الوطني العام في حزيران 2012، وتعمل حالياً في دعم عملية الاصلاح الانتخابي في افغانستان.

ويمكننا ومن خلال استعراض دور الأمم المتحدة من خلال توفير البيئة الآمنة والمحايدة في الانتخابات والاستفتاءات، معرفة مدى تأثيرها في عمليات التحول الديمقراطي وتعزيزها، وفي عملية الانتقال السياسي، نتيجة دورها في فعالية مبدأ اجراء انتخابات دورية ونزيهة وتشجيع إحلال الديمقراطية (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 150 تاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر 2007).

كما وتؤكد الجمعية العامة في قرارها رقم 155 تاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر 2009 بأن الديمقراطية قيمة عالمية تستند الى إرادة الشعوب المعبر عنها بحرية في تحديد نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية  وإلى مشاركتها الكاملة في جميع نواحي الحياة.

وهذا القرار هو تأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعليها أن تمارس هذا الحق.

كما ولاحظت الجمعية العامة في نفس القرار، أن المجتمع الدولي بوسعه أن يسهم في تهيئة الظروف التي يمكن أن تعزز الاستقرار والأمن طوال فترة ماقبل وأثناء وما بعد الانتخابات وفي المراحل الانتقالية وفي حالات ما بعد النزاع.

وفي هذا تأكيد واضح بأن المجتمع الدولي بوسعه يقلص تأثير السلطات على حرية الانتخابات لتتمكن الشعوب من تقرير مصيرها واختيار حكامها وممثليها بحريتها، مما يشكل نقلة نوعية في عملية الانتقال الديمقراطي.

وفي قرارها رقم 163 تاريخ 19 كانون الأول/ ديسمبر 2011 تعيد تأكيدها أن الدول الأعضاء مسؤولة عن تنظيم عمليات انتخابية واجرائها وكفالة اجرائها بحرية ونزاهة بعيداً عن التخويف والقسر والتلاعب بعمليات فرز الأصوات، وعن المعاقبة على جميع هذه الأعمال تبعاً لذلك.

والجمعية العامة تؤكد بأن اجراء الانتخابات في جو من الهدوء والاستقرار والشفافية والنزاهة هي المطلوبة من السلطات الوطنية، وعليها معاقبة كل من يمارس التخويف والقسر أو يتلاعب بعمليات فرزها، مما تسعى الامم المتحدة لتهيئة مناخ وبيئة آمنة ومحايدة ليتمكن المواطن من الإدلاء بصوته في جو من الأمن والاستقرار وبحرية.

وإذ تؤكد الجمعية العامة من جديد في قرارها رقم 164 تاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر 2013 أن الأمر الأساسي لتحقيق المساواة والتنمية المستدامة والسلام والديمقراطية هو في المشاركة الفعالة للمرأة على قدم المساواة مع الرجل في صنع القرار على جميع المستويات.

وتدين الجمعية العامة في قرارها رقم 164 تاريخ 19 كانون الأول/ديسمبر 2017 أي تلاعب بالعمليات الانتخابية أو أي اجراء قسري أو تزوير في فرز الأصوات.

كما وتهيب بجميع الدول أن تكفل مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة مشاركة فعالة وكاملة في الحياة السياسية والعامة على قدم المساواة مع غيرهم.

وبقلوب ملؤها الحزن والألم نقول ان عدد الأشخاص ذوي الإعاقة أصبح رقماً يخشى منه وهو في ازدياد ملحوظ نتيجة الحرب الدائرة في البلاد، وأن عدم مشاركتهم يعني عدم مشاركة  قطاع واسع من الشعب السوري في الحياة السياسية والعامة، والحياة الديمقراطية تستدعي مشاركة تلك الشريحة الواسعة في كافة مجالات الحياة.

شروط المساعدة والرقابة الدولية للانتخابات

(استثناءات الحالة السورية)

لا تتدخل الأمم المتحدة في الأوضاع الداخلية للدول بقصد زيادة فعالية مبدأ اجراء انتخابات دورية ونزيهة وتشجيع إحلال الديمقراطية كما جاء في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 150 المتخذ في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2007 إلا بناء على طلب محدد من الدولة العضو المعنية كون الطلب حق سيادي للدول، ومن ثم وجود وقت كافي لتنظيم وإيفاد بعثة لتقديم تلك المساعدة بطريقة فعالة.

الاستثناء الأول

(القرارات والبيانات الدولية)

ومن الطبيعي أن تكون الحالة السورية مستثناة من من تلك الشروط كون الحالة السورية أصبحت دولية وتدخل المجتمع الدولي فيها واتخذ بشأن حالتها الكثير من القرات والبيانات السالفة الذكر، وبموجبها أعلن الأمين العام للأمم المتحدة السيد انطونيو غوتيريس في 23 ايلول 2019 عن اتفاق الأطراف على تشكيل اللجنة الدستورية وانطلقت أعمالها في جنيف بتاريخ 30 تشرين الأول/ اكتوبر 2019.

الاستثناء الثاني

( إحاطة مبعوث الأمم المتحدة لسوريا)

في 30 ايلول/ سبتمبر 2019 قدم مبعوث الأمم المتحدة لسوريا السيد جير أ. بيدرسون إحاطة إلى مجلس الأمن وقد أشار فيه الى وجوب أن يتاح للشعب السوري المشاركة في انتخابات حرة ونزيهة تحت اشراف الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254، كما اشار الى عقد الانتخابات وفقاً لاعلى المعايير الدولية يستغرق وقتاً طويلاً.

وقد أشار الى أنه بدأ التفكير في كيفية قيام الأمم بالأعداد لهذه المهمة، من خلال الحوار مع الأطراف السورية.

فتدخل الأمم المتحدة منذ بداية الأزمة في سوريا واتخاذها قرارات وبيانات، وإحاطة المبعوث الأممي الى مجلس الأمن يؤكدان بأن المسار السياسي والدستوري سيكونان معاً من خلال السلال الأربعة، سلة الارهاب والحوكمة والدستور والانتخابات التي ستقدم الأمم المتحدة وربما غيرها من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية المساعدات المختلفة والاشراف والرقابة عليها لتسير في بيئة آمنة ومحايدة، انتخابات شفافة ونزيهة وبإرادة شعبية حرة دون خوف أو تهديد، والالتزام بنتائجها سيكون الانتقال السياسي في سوريا قد خطا خطوة متقدمة.

بعض الأسس التي تبنى عليها البيئة الآمنة والمحايدة

1ـ وقف الأعمال القتالية

2ـ اخراج كافة الميليشيات غير السورية

3ـ نزع سلاح الفصائل والميليشيات، وحصر السلاح في مؤسسة الجيش بعد إعادة هيكلته وتأهيله

4 ـ تفكيك الأجهزة الأمنية وإعادة بنائها على اسس وطنية سليمة تخدم الدولة وليس السلطة.

5 ـ مراجعة القوانين وإلغاء أو تعديل أو وقف العمل بتلك التي لا تناسب مرحلة البناء الديمقراطي

6 ـ سحب الجنسية من الذين منحهم النظام لأسباب طائفية ومذهبية.

——————————–

من صفحة الكاتب على الفيسبوك