رأي في المرسومين التشريعيين (3) و(4) لعام 2020

الإثنين،20 كانون الثاني(يناير)،2020

رأي في المرسومين التشريعيين (3) و(4) لعام 2020

المحامي عارف الشعال

أصدر المشرع يوم أمس المرسومين التشريعيين (3) و(4) لعام 2020، عدَّل في الأول منهما المرسوم التشريعي رقم (54) لعام 2013، الذي منع التداول بغير العملة السورية كوسيلة مدفوعات والذي كان يعاقب على الفعل بجنحة الحبس من ستة أشهر لثلاث سنوات إذا كان المبلغ أقل محل التداول أقل من ( 5000 ) دولار أو ما يعادله، وبجناية الأشغال الشاقة من ( 3 ) إلى ( 10 ) سنوات إذا تجاوز المبلغ ( 5000 ) دولار أو ما يعادله، فقام بتشديد العقوبة وجعلها جناية الأشغال الشاقة لمدة لا تقل عن سبع سنوات في جميع الحالات.

وفي الثاني منهما عدَّل المادة ( 309 ) عقوبات عام التي تعاقب جريمة “النيل من مكانة الدولة المالية” بجنحة الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وشددها إلى جناية الاعتقال المؤقت (أي الحبس من 3 إلى 15 سنة) والغرامة من ( 1 ) إلى ( 5 ) ملايين ليرة سورية، كما قام بتوسيع دائرة الأفعال التي يطالها القانون فشمل التجريم، النشر عن الانترنت، كما وضع معيار لارتكاب الجريمة، أي فعل يتجاوز فيه الفاعل السعر الرسمي لليرة السورية المحدد من البنك المركزي.

مما لا شك فيه أن للمشرع مطلق الصلاحية الدستورية في تجريم أي سلوك يراه مناهضاً للمجتمع أو ينال من مكانة الدولة المالية أو الاقتصادية، وله أن يفرض العقوبة المناسبة لهذا السلوك، أما لجهة تقدير فيما إن كانت العقوبة التي فرضه المشرع تتناسب مع الفعل الذي قام بتأثيمه، فهو أمر ليس رهناً بالحقوقيين، فقط وإنما برسم المجتمع بكافة أطيافه من علماء الاجتماع والنفس والفلسفة ويترك لتقديرهم. ولكن الملاحظ أن المشرع لم يكتف بتشديد العقوبة فقط، بل قام بفرض إجراءات إضافية شديدة جداً بحق الفاعل تستحق الوقوف عندها.

أولاً – مَنَعَ إخلاء سبيل المتهم في هاتين الجريمتين حتى إصدار حكماً مبرماً في القضية، ومن المعلوم أنه قد تستغرق إجراءات التقاضي سنوات يبقى فيها المتهم سجيناً، وهذا الإجراء يعتبر قيداً شديداً على “الحرية”، وعلى مبدأ قرينة “البراءة” المفترضة بكل شخص، اللذين حماهما الدستور بنصوص صريحة، فضلاً عن أن ذلك يعتبر برأينا تدخلاً من السلطة التشريعية في أعمال السلطة القضائية يخالف مبدأ فصل السلطات الذي نصَّ عليه الدستور صراحة عندما نصَّ بأن السلطة القضائية مستقلة (المادة 132 من الدستور)، مع الإشارة أن للمشرع سوابق في ذلك كجريمة سرقة السيارات على سبيل المثال!

ثانياً – حَظَرَ على القاضي منح الأسباب المخففة التقديرية عند الحكم في جريمة “النيل من مكانة الدولة المالية” بنشر وقائع وهمية أو كاذبة تخالف سعر الصرف الرسمي (المرسوم التشريعي 4 / 2020) وهذا يعتبر برأينا تدخلاً ثانياً من السلطة التشريعية في أعمال السلطة القضائية على النحو المشار إليه آنفاً.

ثالثاً – أخضع التحقيق في جريمة تداول العملة غير السورية للمرسوم التشريعي ( 55 ) لعام 2013 الذي يسمح للضابطة العدلية (أو من يقوم مقامها) باحتجاز المشتبه به لمدة تصل لستين يوماً قبل تقديمه للقضاء بموافقة النيابة العامة، وهو إجراء يشتبه بمخالفته للدستور أيضاً لأسباب لا يتسع المجال لذكرها في هذه العجالة.
لذلك أهيب بالزملاء المحامين عند المرافعة في إحدى هذه القضايا (الدفع أمام المحكمة بعدم دستورية المواد الملمع إليها أعلاه وفق الأطر المنصوص عليها في الدستور، عسى أن تحال إحداها إلى المحكمة الدستورية العليا لترى مدى اتساقها مع المبادئ الدستورية الصريحة.

المصدر: وسائل التواصل الاجتماعي “الفيس بوك”