عندما تسلك الدولة سلوك التنظيمات الإرهابية

الجمعة،24 كانون الثاني(يناير)،2020

حميد الكفائي

المنظمات الإرهابية لا تلتزم بقانون أو عرف أو قيم أخلاقية أو دينية، على الرغم من تشدقها بالدين لتبرير أفعالها الإجرامية، لذلك نجدها تمضي في الطريق الذي رسمه قادتها لها إلى النهاية مهما كان زائغا وخطيرا ودمويا وتدميريا، لها ولمن تصطدم به في طريقها.

وبخلاف المنظمات الإرهابية، تلتزم الدولة بقوانين ومواثيق وأعراف دولية وهي مسؤولة أمام المجتمع الدولي عن إجراءاتها وأفعالها وعن كل عمل تقوم به، لأنها عضو في الأمم المتحدة وعدد من المنظمات والهيئات الدولية المهمة الأخرى، القانونية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ولديها مصالح وعليها التزامات، وتقع عليها مسؤولية تصرف أي جهة مرتبطة بها.

وإن حصل أي تجاوز من الدولة أو أي مؤسسة من مؤسساتها على القانون الدولي، أو الوطني لدولة أخرى، فإن الدولة المتجاوزة تُحاسَب وفق القانون وتدفع الثمن، وهذا ما حصل عندما اشتكت إيران على الولايات المتحدة في المحاكم الأميركية نفسها حول حجز واشنطن أموالها، وربحت الدعوى، واضطرت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس أوباما إلى إطلاق الأموال الإيرانية البالغة 150 مليار دولار، مع الفوائد المتراكمة عليها، وهذا ما صرح به جون كيري، وزير الخارجية في إدارة أوباما.

حكومة أعظم دولة في العالم التزمت بقانونها وامتثلت لأمر المحكمة وأطلقت أموال إيران، على الرغم من العداء الواضح بين البلدين.

أما المنظمة الإرهابية فهي جماعة خارجة على القانون أصلا، فهي أساسا تستخدم العنف ضد خصومها وليس لديها طريق آخر غير القتل والتخريب.

وعندما يستحيل إيقافها عند حدها أو محاسبتُها عبر الطرق السلمية كونها تعمل في السر، فإن السبيل الوحيد المتبقي للتعامل معها هو محاصرتها ماليا وسياسيا ولوجستيا ومحاربتها عسكريا والقضاء عليها بالقوة.

الأمور واضحة حتى الآن، فلابد من محاربة المنظمات الإرهابية بكل الوسائل، المالية والثقافية والإعلامية والعسكرية للقضاء عليها لأنها تسعى للاعتداء على الناس والممتلكات وزعزعة استقرار الدول المستقرة وتخريبها تحت ذرائع أيديولوجية أو دينية واهية وغير مقنعة.

فالأيديولوجيات أفكار وضعها بشر كي يستأنس بها الناس ويناقشوها ويبينوا محاسنها ومساوئها، ويشخصوا الأخطاء الواردة فيها، إن وجدت.

لا توجد أيديولوجية مكتملة وصالحة لكل زمان ومكان، فهذا أمر مستحيل، فكل شيء متغير في الكون، ولو نظرنا إلى العالم قبل عشر سنوات فقط لوجدناه مختلفا كثيرا عن عالمنا الحالي.

وسائل الاتصالات والتواصل الاجتماعي لم تكن منتشرة ومستخدمة كما هي الآن، وقد أصبحت تستخدم ليس فقط للترفيه والإعلام، بل للتجارة إذ تحولت الكثير من النشاطات الاقتصادية إلى الحيز السايبري وبدأ الناس يتسوقون إلكترونيا وأصبحت الشركات والمؤسسات، بما في ذلك الحكومات، تنجز أعمالها إلكترونيا وهذا لم يكن متاحا في الماضي القريب.

إن كان هناك من يؤمن بأيديولوجية معينة فعليه أن يسلك سلوكا قانونيا وعقلانيا سلميا لتطبيقها، فليس من العدل قسر الناس على الإيمان بأفكار غير مقتنعين بها، بل لم يعد هذا الأمر ممكنا.

أما الأديان السماوية فكلها وجدت لإشاعة العدل والسلم والأمن والطمأنينة والرخاء بين الناس، وليس لتبرير القتل والاعتداء كما تفعل الجماعات الإرهابية والجهات التي ترعاها.

مقاصد الشرائع السماوية معروفة وكل من يريد أن يحرّفها عن طبيعتها الإنسانية السلمية إنما يقف على النقيض منها.

سبل التعامل مع الجماعات الإرهابية معروفة وواضحة، وكل الدول تعمل على إعاقة عملها عبر جمع المعلومات عنها ثم القضاء عليها بقوة السلاح، فلا سبيل لمعالجة مشكلتها غير القضاء عليها أمنيا وعسكريا ابتداءً، ثم معالجة أسباب نشوئها وكيف انتشرت أفكارها ومن الذي روج لها ولماذا اقتنع بعض الناس بأفكارها وانخرط في صفوفها.

لكن المشكلة المعقدة تحصل عندما تتصرف دولة معترف بها دوليا كتصرفات التنظيمات الإرهابية، فتنشئ جماعات مسلحة خارج حدودها تستخدمها للتمدد على حساب الدول الأخرى، أو نشر نفوذها وتنفيذ سياساتها غير المشروعة، كما تفعل إيران منذ عام 1979 حتى الآن.

الجماعات المسلحة التي أنشأتها إيران أو دعمتها في الدول الأخرى تقتل وتختطف وتنهب الأموال وتستولي على الممتلكات العامة والخاصة وتعتدي على الناس الآمنين، وقد سعت وتسعى إلى زعزعة استقرار تلك الدول، كالعراق ولبنان واليمن وسوريا، وهي لا تكتفي بالمساحة الجغرافية التي تنشط بها حاليا، بل تسعى للتمدد إلى دول أخرى إن تمكنت من ذلك، فطموح قادة إيران لا حدود له على ما يبدو.

هناك منظمات إرهابية غير مرتبطة بدول، وهذه يمكن ملاحقتها عبر الجهد الدولي المنظم لمحاصرتها ماليا ولوجستيا وعسكريا، وهذا ممكن لأنها ضعيفة بسبب افتقارها إلى مصادر القوة الضرورية التي تتوفر للدولة عادة، كالموقع الاستراتيجي الآمن، والأسلحة المتطورة والثقيلة والتمويل المستمر، والمعلومات المهمة التي توفرها أجهزة المخابرات وجمع المعلومات عبر الأقمار الصناعية.

بينما الجماعة المسلحة المرتبطة بدولة يتوفر لها كل هذا وأكثر، وهي في الحقيقة ذراع عسكري لتلك الدولة، لأنها تأتمر بأمر قادتها وتعمل نيابة عنها، لكنها في الوقت نفسه غير مسؤولة (رسميا) عن أفعالها، إذ تتملص من أي مسؤولية عن أفعال الجماعات المسلحة المرتبطة بها.ٍ

عربية SKY NEWS : حميد الكفائي كاتب وأكاديمي عراقي