بيان الذكرى الـ (71) للإعلان العالمي لحقوق الإنسان

بيان

الذكرى الـ (71) للإعلان العالمي لحقوق الإنسان

يحتفل العالم اليوم بالذكرى الـ (71) للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تم اعتماده من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، رداً على الخراب والدمار والكوارث الهائلة والانتهاكات الواسعة التي نجمت عن الحرب العالمية الثانية وتطوراتها.

ويشكل الإعلان الوثيقة التاريخية الأكثر أهمية والأكثر ترجمة في العالم – ترجمت بأكثر من (500) لغة – وقد أعلنت حقوقا غير قابلة للتصرف، يحق لكل شخص أن يتمتع بها بغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو اللغة أو الرأي السياسي أو الوضع الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر.

ويضع الإعلان، الذي صاغه ممثلون من خلفيات قانونية وثقافية متنوعة من جميع مناطق العالم، القيم العالمية، معيارا للهدف المشترك لجميع الشعوب وجميع الأمم، وهو ينص على المساواة في الكرامة والقيمة لكل إنسان، ويمنح القوة للجميع.

وتُعد حقوق الإنسان معايير عالمية تضمن، تمتُع جميع الأشخاص في العالم بمستوى مَعيشي لائق، وتتّسم هذه المعايير بعَدالتها ومساواتها بين البشر، إلى جانب شموليّتها لجميع جوانب حياة الإنسان وتكمُن أهمية هذه الحقوق في تمثيلها لجوهر الكرامة الإنسانية، حيث تُساعد في تمكين الإنسان وتمتُعه بكامل الحقوق التي نُسِّبت إليه بفعل القوانين أو الاستفادة من القرارات التي تصدر في حقّه.

وفي هذا التوقيت من كل عام، يحيي العالم ذكرى هذا الإعلان للوقوف على ما آلت إليه أوضاع حقوق الإنسان في مختلف دول العالم، ومدى التزام الحكومات بالمعايير التي وردت في تلك الوثيقة، والدعوة إلى المزيد من الخطوات نحو إرساء أسس العدالة والمساواة والكرامة.

وعلى الرغم من أن المبادئ المكرسة في الإعلان لا تزال تحافظ على أهميتها اليوم كما كانت عليه في عام 1948، إلا أن هناك حاجة إلى الدفاع عن حقوق الإنسان والقيام بخطوات عملية في هذا الاتجاه خلال حياتنا اليومية، حيث لم تشهد السنوات الـ (71) التي انقضت منذ اعتماده، الالتزام أو الوفاء بالعديد من المبادئ الواردة فيه، ليس فقط خلال أوقات الحرب والاضطرابات، بل في أوقات السلم أيضا، وعلى الرغم من ذلك فقد تمكنت حكومات كثيرة من تحقيق النجاح الاقتصادي بسبب احترامها لحقوق الإنسان، كما يعتبر الكثيرون هذا الإعلان أساسا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويمثل اعترافا عالميا غير مسبوق بعالمية حقوق الإنسان.

ومع تصاعد الأزمات والحروب والنزاعات وحوادث جرائم الكراهية، وتقلص المساحات الديمقراطية وتفاقم الاضطرابات الاقتصادية والبيئية والعنف في مساحات شاسعة من كوكب الأرض، تبرز بإلحاح أهمية التذكير بضرورة دعم واحترام حقوق الإنسان، للوقوف في وجه الظلم أينما كان، وحتى لا تصبح أصوات الكراهية والحقد والعنصرية والتمييز أكثر جرأة وانتشارا وتأثيرا في مسارات عالم اليوم واختياراته وتطلعاته.

وبهذه المناسبة لا بد من التذكير بما آلت إليه أوضاع حقوق الإنسان في سوريا من تدهور مريع في جميع جوانب الحياة، في ظل الأزمة المستمرة فيها منذ عام 2011، وتداعياتها المختلفة على حياة السوريين، نتيجة استخدم “النظام” للقوة المسلحة والعنف المفرط بحق المواطنين المطالبين بحقوقهم وحرياتهم الأساسية، وانتشار المجموعات الإرهابية المسلحة في طول البلاد وعرضها، والتي أدت إلى وقوع أعداد كبيرة من الضحايا القتلى والجرحى، واعتقال الآلاف والتعذيب والتهجير والتخريب والتدمير.

أما الكُرد في سوريا، وباعتبارهم مجموعة بشرية، لها خصوصيتها القومية المميزة، وبنفس الوقت ينتمون للمجتمع السوري، فأنهم إضافة إلى ما يعانيه ويتعرض له عموم الشعب السوري، يعانون ويتعرضون لسياسة الاضطهاد القومي وإفرازاتها السلبية في مختلف مجالات الحياة، ومن الحرمان من حقوقه القومية والوطنية الديمقراطية، ومن السياسة العنصرية والتمييز، وحظر التعلم والتعليم بلغته الأم، والشطب على تاريخه ووجوده القومي والإنساني..، في سياق ممارسة وسياسة عنصرية، تتناقض مع أبسط المبادئ والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

وخلال سنوات الأزمة السورية، تعرضت العديد من المناطق الكردية ( سري كانيي/رأس العين، كوباني/عين العرب، ديرك/المالكية، عفرين )، لهجمات وحملات وحروب، من قبل جهات عدة: ( الحكومة السورية، الجماعات الإسلامية الإرهابية، الحكومة التركية )، ارتكبت فيها الجهات المذكورة، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تتنافى بشكل مطلق مع نصوص وبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

  إننا في مركز ” عدل “ لحقوق الإنسان، وفي الوقت الذي نحيي فيه الذكرى الـ (71) لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإننا نناشد هيئات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في العالم، وكافة القوى والفعاليات المحبة للحرية والديمقراطية والسلام والمساواة، إلى تحمل مسؤولياتها، والتضامن مع الشعب السوري بمختلف مكوناته القومية والدينية والمذهبية..، في محنته التي يمر بها، والعمل من أجل إحقاق حقوقه ورفع الظلم والاضطهاد عنه، وفق المبادئ التي أعلنت عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وأننا نرى أنه من الضروري أن يبذل المجتمع الدولي جهوداً حقيقية لإيجاد الحلول الممكنة لتدهور حقوق الإنسان عالمياً، والنهوض الفعلي من جديد بمبادئ حقوق الإنسان، ومنها: الدراسة الدقيقة لجذر الانتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان على كافة المستويات، وعدم تجاهل قضايا العنصرية والتمييز والتهميش، وإيلاء اهتمام خاص لتأثيرات التدخلات العسكرية والاحتلال غير الشرعي، وضرورة التعامل مع جميع الدول على قدم المساواة من حيث منع حدوث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومكافحة الإفلات من العقاب، وضرورة وضع آلية قضائية لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومتابعة فعالة للتنفيذ، وأن لا تستبعد أي دولة من ذلك، وضرورة أن تعمل كافة الأجهزة والهيئات والمنظمات غير الحكومية على تحسين التعاون والتنسيق مع آليات الأمم المتحدة.

مركز ” عدل ” لحقوق الإنسان

 9  كانون الأول/ديسمبر 2019

أيميل المركز والموقع الالكتروني:

adelhrc1@gmail.com

www.adelhr.org

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ذكراه الواحدة والسبعين

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ذكراه الواحدة والسبعين

عبيد الحليمي*
يخلد العالم في العاشر دجنبر من كل سنة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وهو اليوم الموافق لذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعية العامة بقرار (القرار رقم “أ” 217) في 10 دجنبر سنة 1948، إذ رغم مرور واحد وسبعين سنة على صدور الإعلان، إلا أنه ما زال الوثيقة الحقوقية الأكثر إلهاما وتأثيرا، بالنظر إلى طبيعة مقتضياته التي تنطبق على كل فرد أو على جميع الناس أو على الإنسان كمفهوم عام ومجرد، أي الإنسان كيفما كان وأينما كان بصرف النظر عن شكله أو لونه أو عرقه أو جنسه أو دينه أو لغته أو انتمائه الجغرافي أو الاجتماعي، ثم لكون الإعلان يأتي من حيث التراتبية بعد ميثاق الأمم المتحدة، كما أنه فسر مقتضيات الميثاق الخاصة بحقوق الإنسان، ناهيك على أنه صدر بعد المآسي الإنسانية والفظاعات التي خلفتها الحربان العالميتان بسبب ازدراء وعدم احترام حقوق الإنسان.

بيد أن هذا الإعلان يثير الكثير من الجدل بشأن طبيعة مقتضياته وطريقة صياغته، بالإضافة إلى تطور المنظومة الحقوقية التي أفرزت أجيالا جديدة وقضايا ناشئة لم يتضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ناهيك عن الإشكالات الأخرى المرتبطة بجدلية الكونية والخصوصية، ثم مدى راهنيته في عصر يعرف تطورا لافتا لمنظومة حقوق الإنسان سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي، التي يوازيها ظهور أنماط جديدة من الانتهاكات وبروز فاعلين جدد إلى جانب الدولة متدخلين بشكل إيجابي أو سلبي في منظومة الحماية الدولية لحقوق الإنسان.

صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

استغرقت مدة إعداد الإعلان حوالي ثلاث سنوات من النقاش حول الصيغة الممكن أن يكون عليها شكلا ومضمونا، حيث أحدثت لجنة مصغرة سنة 1946 لصياغة شرعة للحقوق، فتم التخلي عن هذه اللجنة بعد صدور قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي الخاص بإحداث لجنة حقوق الإنسان، إذ كلفت هذه الأخيرة ـ التي كانت تتألف في بادئ الأمر من 18 عضوا ـ من بين أعضائها لجنة لصياغة الإعلان الدولي لحقوق الإنسان الذي سيتم تغيير اسمه إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باقتراح من رونييه كاسان، كي يشمل جميع الشعوب بما فيها تلك التي كانت مستعمرة من طرف الدول الغربية أو التي لم يساهم ممثلوها في إعداد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في حين تمت صياغة العهدين في ما بعد صدور الإعلان كتتمة للشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

لذلك فإن صياغة العهدين ستعرف ارتفاع في عدد الدول المشاركة في إعداد هذين الصكين، سواء في إطار لجنة حقوق الإنسان (حل محلها مجلس حقوق الإنسان سنة 2006 التابع للجمعية العامة) التي كانت تابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أو في إطار الجمعية العامة، حيث ساهمت حوالي 18 دولة عربية وإسلامية وثلاثين دولة إفريقية في إعداد العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية؛ والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادرين سنة 1966، ومن بين هذه الدول المغرب الذي كان ممثلا بحليمة امبارك الورزازي، بينما وصل عدد الدول العربية والإسلامية المشاركة في إعداد الإعلان ثماني دول، في حين لم يتجاوز عدد الدول الإفريقية أربع دول.

جدير بالذكر أن لجنة صياغة الإعلان العالمي تألفت من تسعة أشخاص من خلفيات ثقافية متعددة، وهم الديبلوماسية إليانور روزفيلت Eleanor Roosevelt (الولايات المتحدة الأمريكية)؛ الفقيه القانوني رونييه كاسان René Cassin (فرنسا) الذي توفيت عائلته في المحرقة النازية؛ وليام هودستن Wlliam Hodgson (أستراليا) وهو عسكري سابق شارك في الحرب العالمية الأولى؛ الفيلسوف بنغ تشون تشانغ Peng Chun Chang (الصين)؛ الفيلسوف شارل مالك Charles Habib Malik (لبنان)؛ الفقيه القانوني سنتا كروز Hernan Santa Cruz (الشيلي)؛ الديبلوماسي ألكسندر بوكومولوفAlexander E.Bogomolov (الاتحاد السوفياتي)؛ الديبلوماسي تشارلز ديوكس Charles Dukes (المملكة المتحدة)؛ بالإضافة إلى جون همفري John Hamphrey (كندا) المتخصص في القانون الدولي الذي كان مديرا لشعبة حقوق الإنسان التابعة للأمانة العامة للأمم المتحدة.

وقد استعانت لجنة الصياغة في إعداد مشروع الإعلان بالعديد من الوثائق وإعلانات الحقوق التي جمعتها الأمم المتحدة، فتمت مناقشته في لجنة حقوق الإنسان، ثم بعد ذلك في الجمعية العامة عن طريق اللجنة الثالثة (اللجنة الاجتماعية والإنسانية والثقافية التابعة للجمعية العامة)، ليتم التصويت عليه في الجلسة العامة عبر مرحلتين، في الأولى تم التصويت على كل فقرة من فقرات الديباجة ومادة من مواده الثلاثين بشكل منفرد، وفي الثانية تم التصويت على المشروع بشكل جماعي، إذ صوتت عليه 48 دولة، بينما لم تحضر دولتان في جلسة التصويت (اليمن والهندوراس)، في حين امتنعت ثماني دول عن التصويت (الاتحاد السوفياتي؛ يوغسلافيا؛ بولندا؛ تشيكوسلوفاكيا؛ أوكرانيا؛ بيلاروسيا؛ السعودية؛ جنوب إفريقيا)، ولم تعترض أي دولة على مقتضياته أثناء جلسة التصويت.

بالموازاة مع ذلك، أعدت اليونيسكو دراسة حول القضايا النظرية المتعلقة بصياغة الإعلان بطلب من الأمم المتحدة، فقامت باستطلاع رأي العديد من المفكرين الأكثر تأثيرا في العالم خلال تلك المرحلة (كالزعيم الهندي المهاتما غاندي Mahatma Gandhi، والفيلسوف المسلم البنغالي هاميون كبير Humayun Kabir، وعالم البيولوجيا الأمريكي رالف جيرارد Ralph W.Gerard، والمنظر اليساري البريطاني هارود لاسكي Harold Joseph Laski، والكاتب الصحفي الإسباني سالفادور دي مادارياغاDe Madariaga Salvador، ومنظر الواقعية السياسية في العلاقات الدولية البريطاني إدوارد هاليت كار Edward Hallet Carr، والمفكر الهندي بنتامبيكار Puntambekar، والفيلسوف الكونفوشي الصيني شانغ تشو لو Chung Shu Lo، والفيلسوف الفرنسي إيمانويل مونيي Emmanuel Mounier، والأنثروبولوجي الأسترالي ألدوس بيتر إلكين Aldous Better Elkin..) لتخلص إلى أن هناك مجموعة من المبادئ والقيم التي تتفق عليها معظم الشعوب، فنشرت تلك الدراسة في تاريخ 5 يونيو 1948 متضمنة لتقرير لجنة المبادئ الفلسفية، ثم أراء المفكرين من مختلف الخلفيات الثقافية والتخصصات المعرفية.

الإعلان العالمي وسؤال المرجعية

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو نتاج لتوافق الدول التي كانت ممثلة آنذاك بهيئة الأمم المتحدة، لهذا فإنه سيعكس مرجعيات الدول التي ساهمت في صياغته، خاصة دول المعسكرين الشرقي والغربي، الأمر الذي ينجلي بوضوح ببعض بنود الإعلان كالمادة 17 “الفقرة الأولى” (لكل فرد حق التملك بمفرده أو الاشتراك مع غيره)، والمادة 21 “الفقرة الثالثة” (إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب إجراء مماثل يضمن حرية التصويت)، كما أن مواد الإعلان تنقسم إلى حقوق مدنية وسياسية التي تعد المادة الثالثة أساسا لها، ثم حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية التي تعد المادة 22 مرتكزا لها.

أما من حيث الأسلوب، فقد استعمل نفس طريقة صياغة إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لسنة 1789، من خلال تضمنه لقيم ومبادئ عامة ومجردة، تستهدف الإنسان بصفته كالإنسان له نفس القواسم المشتركة وله نفس الحقوق الفطرية التي تولد معه، وهذا الأسلوب هو انتصار للكونية الفلسفية التي بزغت مع فكر الأنوار وعصر الحداثة خلال القرنين السابع والثامن عشر، فالتقت الكونية الفلسفية مع إرادة الدول في إرساء عالمية النظام الدولي، ليتجسد ذلك بشكل جلي في بنود الإعلان ذات المفاهيم العمومية والقيم الإنسانية (الكرامة، المساواة، الإخاء، الحرية، العدل، السلام، التسامح، الصداقة، الأسرة البشرية، الضمير الإنساني، العقل، الوجدان..)، كما وظف الأسلوب الذي يشير إلى الوسائل التي يتمكن من خلالها الفرد بالتمتع بالحقوق والحريات.

لكن لا بد من الإشارة إلى أن الإعلان بصيغته الحالية وقع حوله الكثير من الجدل خلال فترة الإعداد، وهذا ما يفسر امتناع ثماني دول عن التصويت عليه، إذ بالرجوع لأرشيف الجلسات والنقاشات السابقة على صدوره يتبين بأنه كان هناك نوع من عدم التوافق على بعض مواده، فمثلا رفضت الدول إدخال بعض التعديلات المقترحة من الدول الاشتراكية الستة، والتي كانت تصوت عليها الدول بالرفض حينما تطرح لمسطرة التصويت، كما تحفظت السعودية على المادة 16 الخاصة بالمساواة في الزواج، وأيضا المادة 18 الخاصة بحرية العقيدة بذريعة أنهما مخالفتين للشريعة الإسلامية، في حين امتنعت جنوب إفريقيا عن التصويت بسبب تضمن الإعلان لمبدأ المساواة وعدم التمييز.

لذلك فإن الإعلان العالمي سيطرح إشكالية الكونية والخصوصة أثناء فترة الصياغة، لكن هذه الإشكالية لم تؤثر على صدور الإعلان كالتأثير الذي أحدثته أثناء صياغة العهدين، والسبب في ذلك هو طبيعة السياق الدولي الذي اعتمد فيه، ثم أن حضور الدول العربية والإسلامية كان قليلا مقارنة بحضور الدول الغربية، بينما الدول الاشتراكية لم يكن لها تأثير كبير لفرض مقترحاتها بالإعلان، الأمر الذي يؤكد بأن المفاوضات والنقاشات الموازية لإعداد الإعلان خففت من وقع هذا السجال لكنها لم تحسمه بشكل نهائي، وسيأتي الحسم في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان سنة 1993 بفيينا الذي شاركت فيه أكثر من 171 دولة، أي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانخراط العديد من الدول في منظومة حقوق الإنسان بما فيها التي كانت تنتمي إلى المعسكر الشرقي.

هذا المؤتمر بزغت أثناء جلساته ثلاث مرجعيات، الأولى هي المرجعية الليبرالية للدول الغربية التي تركز على الحقوق المدنية والسياسية، والثانية فهي مرجعية الدول الآسيوية التي تركز على واجبات الفرد تجاه الجماعة، أما الثالثة فهي مرجعية الدول الإسلامية التي تركز على أهمية الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرا من مصادر حقوق الإنسان، وكادت الاختلافات بين الدول أن تعصف بالمؤتمر بسبب عدم توافقهم على الصيغة النهائية لمسألة الكونية والخصوصية بالوثيقة الختامية للمؤتمر (إعلان وبرنامج عمل فيينا).

إذ بجهود من الفرنسي ستيفان هيسيل Stéphane Hessel تم التوافق على الصيغة التالية “جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزيء ومترابطة ومتشابكة، ويجب على المجتمع الدولي أن يعامل حقوق الإنسان على نحو شامل وبطريقة منصفة ومتكافئة، وعلى قدم المساواة، وبنفس القدر من التركيز. وفي حين أنه يجب أن توضع في الاعتبار الخصوصيات الوطنية والإقليمية ومختلف الخلفيات التاريخية والثقافية والدينية، فإن من واجب الدول، بصرف النظر عن نظمها السياسية والاقتصادية والثقافية، تعزيز وحماية جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية”.

دلالات تخليد ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

ليس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مجرد مبادئ ذات طابع أدبي أو توصية لا قيمة لها، بل هو مرجع مؤسس للحماية العالمية لحقوق الإنسان، أما ذكراه فهي تاريخ أبدي وتقليد سنوي تؤكد على أهمية الإعلان كوثيقة دولية، إذ أن الحقوق الواردة في الإعلان تم دسترتها بالعديد من دساتير الدول (الدستور المغربي لسنة 2011)، في حين أن دول أخرى تضمنت دساتيرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الدستور الإسباني، الدستور السنغالي..)، ناهيك على أن الإعلان هو أساسا قانونيا للاستعراض الدوري الشامل التي تجريه جميع الدول كل أربع سنوات ونصف سواء كانت مصادقة على الاتفاقيات أم لا، فالتقارير التي تقدمها الدول إلى هذه الآلية الأممية التابعة لمجلس حقوق الإنسان لا بد من استحضارها للحقوق الواردة في الإعلان، لكونه أساسا قانونيا إلى جانب ميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات التي صادقت عليها الدولة موضوع الاستعراض وقواعد القانون الدولي الإنساني الواجبة التطبيق، ثم التعهدات الطوعية للدولة.

لذلك فالإعلان العالمي هو الوثيقة المرجعية التي شكلت منعطفا تاريخيا ومنطلقا لصدور العديد من الاتفاقيات، إذ لم تعد ذكرى صدوره مجرد تذكير تاريخي بالحدث، بل أضحت محطة سنوية تقف فيها الحركة الحقوقية على ما تحقق وما لم يتحقق، من خلال تقييم للأحداث الدولية وجرد عام لكل التطورات الحاصلة وكذلك التجاوزات والانتهاكات، رغبة منها في تثمين المجهودات والمطالبة بتحسين وضعية حقوق الإنسان بسائر بلدان المعمور، ثم تطوير المنظومة الاتفاقية كي تشمل جل قضايا حقوق الإنسان.

إن تخليد هذا اليوم هو تثبيت لتوجه كوني يجنب الإنسانية من ويلات الظلم والاستبداد عبر الحماية القانونية والمؤسساتية والواقعية لحقوق الإنسان، والانخراط الكلي في المنظومة من خلال المصادقة على الاتفاقيات ذات الصلة وملاءمة القوانين الداخلية مع تلك الاتفاقيات.

فاحترام حقوق الإنسان سواء تلك الواردة في الإعلان أو الاتفاقيات الدولية اللاحقة لا يتطلب وفقط الاعتراف بها من طرف الدول، وإنما تقتضي سياسات ناجعة والتزامات إيجابية، كما أن التكريس القانوني لهذه الحقوق وإرساء مؤسسات لإعمالها لا يفيد بالضرورة بأن هناك حماية حقيقية لها، بل يتطلب ضمانات أخرى تنعكس كمؤشرات وأرقام دالة على التطور الفعلي لحماية المنظومة الحقوقية، وهذه المؤشرات تشمل جميع حقوق الإنسان بما فيها الحقوق التي لم يتناولها الإعلان العالمي، لأن هذا الأخير أسس لمرحلة الاعتراف الكوني بحقوق الإنسان بصفتها المثل العليا التي تتفق عليها جميع الشعوب وتسري على جميع البشر، وبالتالي فإن هذا الاعتراف هو إعلاء من شأن الإنسان كإنسان بغية ضمان حقوقه الطبيعية والمكتسبة.

من جانب آخر، فإن احترام حقوق الإنسان يصطدم بإشكاليتين رئيسيتين، الأولى، هي التوظيف السياسي كمطية لتحقيق أغراض سياسية ومصالح اقتصادية أو لتصفية الحسابات أو لاستهداف حقوق الشعوب في العيش بأمن وسلام، فتحت الشعار الحقوقي البراق تم احتلال الشعوب واستهداف الأنظمة المعاكسة لسياسة القوى الكبرى، أما الثانية فهي التشبث بالخصوصية الوطنية كذريعة لعدم احترام حقوق الإنسان، فباسم الخصوصية الوطنية تحدث تجاوزات وتنتهك حقوق وحريات الأفراد والجماعات، لهذا فإن ذكرى اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هي محطة مفصلية لتذكير الدول بالتزاماتها الدولية دون قيود تمنع الاحترام العالمي لجميع حقوق الإنسان.

خاتمة:

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو الوثيقة المرجعية الأكثر إلهاما، حيث شكل منطلقا لإرساء صرح القانون الدولي لحقوق الإنسان، فتلاه صدور العديد من الاتفاقيات العامة والخاصة والموضوعاتية، أكثر من ذلك فإن الإعلان له مكانته ضمن النسق العام للمنظومة الدولية المعنية بحماية وتعزيز حقوق الإنسان، الأمر الذي تؤكده أعمال الآليات التعاقدية وغير التعاقدية، وكذا العمل القضائي الدولي والوطني، ناهيك عن الاتفاقيات الدولية التي تستحضر الإعلان في مقتضياتها بوصفه المعيار المشترك والوثيقة المتضمنة للحقوق الكونية وغير القابلة للتجزيء.

لذلك فإن ذكرى الإعلان العالمي هي تخليد لمسار دولي قوامه الحماية العالمية لحقوق الإنسان دون شروط مسبقة تقايض حقوق الإنسان بالمصالح الاقتصادية، ثم أن الخصوصيات الوطنية ليست ذريعة لتبرير التجاوزات الحقوقية التي تحدث هنا وهناك، لأن الخصوصية لا تعني الانغلاق على الذات، بل هي منطلق للكونية بحكم أن ثقافات الشعوب وهوياتها هي نتاج التطور الحضاري الموسوم بالانفتاح على الغير وتلاقح الثقافات، أضف إلى ذلك أن الإنسان هو نفسه أينما كان وكيفما كان، أي هناك ما يسمى بالمشترك الإنساني الذي يوحد الجميع من حيث الانتماء إلى الأسرة البشرية.

*طالب باحث بسلك الدكتوراه، كلية الحقوق، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس

الأمم المتحدة تتحدث عن جريمة حرب يرتكبها “الفصائل السورية المسلحة” المرتبطة بتركيا في سوريا

الأمم المتحدة تتحدث عن جريمة حرب يرتكبها “الفصائل السورية المسلحة” المرتبطة بتركيا في سوريا

متابعة مركز “عدل” لحقوق الإنسان

صنّفت الأمم المتحدة هجمات ما يسمى “الجيش الوطني السوري” المرتبط بالدولة التركية على منطقة تل رفعت – محافظة حلب، بأنها انتهاك خطير للقانون الإنساني الدولي وجريمة حرب, حيث تسببّت بمقتل أطفال.

وألقى المتحدث باسم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة باللوم على الفصائل السورية المسلحة المنضوية في ما يسمى “الجيش الوطني السوري” المرتبطة بالدولة التركية في قتل (12) مدنياً، من بينهم ثمانية أطفال، في مدينة تل رفعت

وفي بيانٍ له قال المتحدث باسم المفوضية روبرت كولفيل: “إنّ القصف الذي شنته الجماعات المسلّحة المرتبطة بتركيا بالقرب من مدرسة في تل رفعت أسفر عن مقتل (12) مدنياً على الأقل ، بمن فيهم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 – 15 عاماً”.

وكما لفت المتحدث إلى “أنه ومنذ اتفاقية وقف إطلاق النار الموقّع بين الولايات المتحدة وتركيا بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، سجّلت المفوضية ارتفاعاً في الهجمات الناجمة عن السيارات المفخّخة، في المناطق المأهولة بالسكان مثل الأحياء السكنية والأسواق المزدحمة في الحسكة والرقة وحلب”، مضيفاً: “هذا الاستخدام قد يصل إلى حد الهجوم العشوائي وانتهاك خطير للقانون الإنساني الدولي ويشكّل جريمة حرب”.

وختم كولفيل “إن الدول التي تدعم أطراف النزاع، حتى عندما لا تشارك مباشرة في الأعمال العدائية، ملزمة باحترام وضمان القانون الإنساني الدولي، في جميع الظروف”.

المصدر: وكالات

الأمم المتحدة تدعو لمساءلة مرتكبي الجرائم في سوريا

الأمم المتحدة تدعو لمساءلة مرتكبي الجرائم في سوريا

متابعة مركز “عدل” لحقوق الإنسان

دعت الأمم المتحدة المجتمع الدولي، إلى اتخاذ إجراءات نشطة من أجل جلب مرتكبي الجرائم في سوريا إلى العدالة. ووصف مستشار الأمين العام للأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية، أداما دينغ، الجرائم المرتكبة بحق المسيحيين والأقليات الدينية الأخرى من قبل إرهابيي “داعش” بأنها من “أفظع الجرائم” التي راقبها مكتبه، مضيفاً: في حديث لوكالة “نوفوستي” بمناسبة اليوم الدولي لتخليد ذكرى ضحايا جرائم الإبادة الجماعية، أضاف أن تلك الجرائم “ارتكبت بتجاهل كامل للكرامة والحياة الإنسانية”.

وأشار المسؤول الأممي أن مكتبه سبق أن طالب بإحالة مرتكبي مثل هذه الجرائم في سوريا، إلى المحكمة الجنائية الدولية.

المصدر: “اليوم” الالكتروني

ماذا تريد تركيا من العرب؟

عبدالله بن بجاد العتيبي
الأعداء المحبَطون في المنطقة لم يعودوا قادرين على الاحتمال أكثر، فهم محبطون من عودة العرب وتصاعد قوة دول الاعتدال العربي، ومحبطون من فشل مشاريعهم وهزيمة عملائهم وانفضاحهم وانكشافهم، وبخاصة أن الشعوب بدأت ترى بعين الواقع ما رأته الدول والقيادات من قبل بعين الوعي.
الدول تختلف عن الأفراد – على الرغم مما قد يجمع بينهما في بعض السياقات – فالدول تحكمها المصالح والوعي، والأفراد تحكمهم المشاعر والعواطف، والأفراد يغفرون وينسون غير أنَّ الدول تغفر ولكنها لا تنسى، والقادة المؤدلجون لا يفرقون في تعاملهم بين خديعة الأفراد واستتباعهم ومحاولة خديعة الدول، فقد تنجح في الأولى، ولكنها تفشل فشلاً ذريعاً حين تتعامل مع الثانية كتعاملها مع الأولى.
من هنا لا يستطيع القادة المؤدلجون التفريق بين الحالتين فيعتقدون أن المجاملات الدبلوماسية هي نفسها المواقف السياسية ويخلطون في استيعابهم بين التكتيكات المرحلية والخطط الاستراتيجية للدول التي يتعاملون معها، يدفعهم لذلك كمؤدلجين، شعورٌ عميقٌ بامتلاك الحقيقة المطلقة وتصديقهم ثانياً لما يبثونه من دعاياتٍ حول قوتهم وتفردهم، فهم مثل من يكذب الكذبة ويصدقها.
في التاريخ القديم والحديث والمعاصر كان ثمة صراعٌ دائمٌ على من يمثل الإسلام… ومن له الحق في التحدث باسمه وباسم المسلمين، وفي التاريخ الحديث وبعد سقوط الخلافة العثمانية الديكتاتورية المتجبرة، وقيام المملكة العربية السعودية قام جدلٌ بين بعض الدول العربية والمسلمة انتهى بتوافقٍ داعمٍ للملك عبد العزيز برعاية السعودية للحرمين الشريفين، وصمتَ المنازعون دون حقٍ وأقروا بالحق لأصحابه.
وحاولت فيما بعد جماعاتٌ وأحزابٌ إعادة التنازع على ما هو مسلمٌ به لأغراضٍ سياسية أو للمزايدة أو للاستغلال، وأوضح مثالٍ على ذلك جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، ثم تزعَّم بعض المؤدلجين قيادة بعض الدول وأرادوا إعادة الصراع على الإسلام، وقامت ثورة الخميني تنازع، ثم لحقت بها تركيا الإسلام السياسي بعد عودة نجم الدين أربكان إلى المشهد السياسي التركي من جديد، وتم إنشاء ما كان يعرف بمجموعة الدول الثماني الإسلامية، ودخلت فيها مع تركيا إيران وماليزيا، وكان دخول مصر حينها غريباً، ولكنه يشابه دخولها من قبل فيما كان يعرف بمجلس التعاون العربي الذي أنشأه صدام حسين قبل غزو الكويت.
اليوم تعود تركيا مع إيران وبقيادة ماليزيا العائدة لحكم الإسلام السياسي وبعض الدول التي كانت عضواً في مجموعة الثماني سابقة الذكر بإعادة المحاولات الفاشلة مرة أخرى، وخرجت مصر لأنها لم تعد قابلة للخديعة، ودخلت بوعي دولة عربية صغيرة كثيرة المال قوية العناد الاستراتيجي، وتجريب المجرب لا يفيد.
تركيا يا للأسف لها علاقة راسخة بجماعات الإرهاب في سوريا من جبهة النصرة التابعة لتنظيم «القاعدة» إلى تنظيم «داعش»، وهي علاقاتٌ موثقة ومعروفة، وفيها مصالح اقتصادية كبرى وفساد عريض لبعض أبناء المسؤولين الأتراك، كما أن تركيا شريكٌ استراتيجي للتنظيم في تفاصيل كثيرة ليس أقلها نقل مقاتليه إلى ليبيا، وهي الراعي الأكبر لكل جماعات الإسلام السياسي خصوصاً العربية منها الهاربة من دولها.
الدعم التركي لحكومة السراج التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا معلومٌ ومعروفٌ وموثقٌ، ولكنها قامت في الأيام القليلة الماضية بتوقيع اتفاقٍ مع حكومة السراج تريد منه تعزيز مكانتها في الاعتداء على دول البحر الأبيض المتوسط؛ قبرص ومصر واليونان، كأنها تسعى جهدها لخلق الأعداء في المنطقة وفي أوروبا والعالم، وكأنها تبدي استعدادها للانتحار السياسي في مقابل سرقة ثروات الشعب الليبي والدولة الليبية الغنية.
تركيا العائدة للإسلام السياسي بعد علمانيتها الأتاتوركية الصارمة أصبحت رهينة لحلم استعادة الخلافة الإسلامية كعنوان، ولوهم استعادة نفوذ الخلافة العثمانية كسياسة، وهي مثل إيران لا تفكر في بسط النفوذ والهيمنة إلا على الدول العربية وليس لأي اتجاه آخر، وذلك لسببين؛ الأول: وجود صفٍ خامس من عملائها في الدول العربية ممثل في جماعات وأحزاب وتيارات وتنظيمات الإسلام السياسي، والثاني لضعفها عن مواجهة الدول الأخرى المحيطة بها في المنطقة.
لدى تركيا كما إيران مشروعٌ للمنطقة؛ مشروع تركيا هو استعادة الإمبراطورية العثمانية، ومشروع إيران هو استعادة الإمبراطورية الفارسية، والمشروعان فاشلان لأنهما يريدان استعادة التاريخ لا بناء المستقبل بخلاف المشروع المعتدل والتنموي والرؤيوي والتطويري الذي تقوده السعودية وحلفاؤها في المنطقة.
وأمرٌ آخر عجزت عن استيعابه وفهمه قيادات هذين البلدين؛ وهو أن القيادات الهرمة عاجزة عن استيعاب المتغيرات وبناء الرؤى المستقبلية، وهي غير قادرة بحالٍ على الوقوف في وجه القيادات الشابة المتمكنة وصانعة القرار التي تقود مصالح الدول والشعوب العربية في هذه اللحظة المهمة من تاريخ المنطقة والعالم.
ظلت تركيا تدعي عدم قدرتها على مواجهة «داعش» أو تحكمها في الحدود، ولكنها حين انقطع نفط «داعش»، وذهبت حجتها التي تهدد بها أوروبا؛ وهي استغلال الحالة الإنسانية للاجئين السوريين، استطاعت بسهولة أن تغلق الحدود بجدارٍ مصمتٍ إلا من الجيش التركي المحتل لشمال سوريا والملاحق للكرد والقاتل لهم.
تخطئ تركيا كثيراً حين تعتقد أن سياساتها المعادية للدول العربية ذهبت أدراج الرياح، وبعضها لم يتجاوز عمره السنة، وتخطئ أكثر حين تظن – وبعض الظن إثمٌ – أن الدول العربية ستنسى طموحاتها التوسعية وتحالفاتها المعادية، وتخطئ أكثر وأكثر حين تظن أن التحالف مع دولة عربية صغيرة سيحمي اقتصادها وتنميتها ومستقبلها.
إضافة إلى ما سبق، ماذا تريد تركيا بإنشاء قواعد عسكرية تحيط بالدول العربية؛ قاعدة عسكرية محتلة في «الصومال» وقاعدة عسكرية محتلة في شرق الجزيرة العربية، وقاعدة عسكرية في جزيرة سواكن السودانية تم طردها منها، وتحالف مشبوهٌ مع حركة حماس لاستغلال القضية الفلسطينية وشق الصف الفلسطيني، وتفاصيل لا تحصى تؤكد التوجه نفسه والاستراتيجية ذاتها. أخيراً، فما لم تتخلص تركيا من هذا المسار الفاشل الذي تتخذه، وما لم تستطع استيعاب المتغيرات الكبرى في المنطقة والقوة العربية القائدة الجديدة، وما لم تستطع العودة للتركيز على اقتصادها وتنميتها، وما لم تعد قوميتها لحماية مستقبلها، فهي مهددة بمصيرٍ لا يبتعد كثيراً عن مصير النظام الإيراني الذي يرزح تحت أقوى عقوباتٍ عرفها في تاريخه.

عبدالله بن بجاد العتيبي: كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة
الشرق الأوسط: الأحد 08 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14985]

فرنسا تبدأ غداً محاكمة “رفعت الأسد” في قضية “إثراء غير مشروع”

فرنسا تبدأ غداً محاكمة “رفعت الأسد” في قضية “إثراء غير مشروع”

متابعة مركز “عدل” لحقوق الإنسان

تبدأ يوم الاثنين 9 كانون الأول/ديسمبر 2019، في باريس المحاكمة الثانية لـ“رفعت الأسد”، في قضية “إثراء غير مشروع” للاشتباه بأنه بنى عن طريق الاحتيال إمبراطورية عقارية في باريس تُقدر قيمتها بـ“تسعين” مليون يورو. وقال وكلاء الدفاع عن (رفعت الأسد 82 عاماً) لوكالة فرانس برس، أنه سيغيب “لأسباب طبية”.

وتستمر المحاكمة حتى 18 كانون الأول/ديسمبر، وهو متهم بـ“تبييض أموال في إطار عصابة منظّمة” للاحتيال الضريبي المشدد واختلاس أموال عامة سورية بين عامي 1984 و2016، وهي اتهامات يرفضها كلها.

وفتح القضاء الفرنسي تحقيقاً في نيسان/أبريل 2014، إثر شكاوى تقدّمت بها منظمتان غير حكوميتين لمكافحة الفساد هما: “شيربا” و“الشفافية الدولية”.

وفي فرنسا فقط، يملك “رفعت الأسد” قصرين وحوالي أربعين شقة في أحياء راقية من العاصمة بالإضافة إلى قصر مع مزرعة خيول في فال دواز قرب باريس ومكاتب في ليون، وغيرها. وتقدّر قيمة ممتلكاته في فرنسا بنحو “تسعين” مليون يورو، تُضاف إليها حوالي “عشرة” ملايين جناها من بيع ممتلكات.

المصدر: “مونت كارلو الدولية/أ ف ب”

الجامعة العربية باللون البرتقالي لمناهضة العنف ضد المرأة

الجامعة العربية باللون البرتقالي لمناهضة العنف ضد المرأة

متابعة مركز “عدل” لحقوق الإنسان

في إطار تضامنها مع حملة “الستة عشر يوماً لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي”، التي تتخذ من “لون العالم برتقالياً”، شعاراً لها، شهدت الجامعة العربية، يوم أمس السبت 7 كانون الأول/ديسمبر، إنارة مبنى الأمانة العامة لها باللون البرتقالي، وذلك للمرة الأولى في تاريخها، تزامناً مع اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة.
وأكدت السفيرة هيفاء أبو غزالة، الأمين العام المساعد لدى الجامعة رئيس قطاع الشؤون الاجتماعية العربية، في مؤتمر صحافي مشترك لها، وممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان لؤي شبانة، والمدير التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة معز دريد، أهمية هذا الحدث التاريخي، وحرص الجامعة العربية، بالتعاون مع المكتب الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للسكان للدول العربية، والمكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة للدول العربية، على تعزيز الشراكة القوية لمنع العنف القائم على النوع الاجتماعي، ودعم الناجيات من العنف في المنطقة العربية، في اجتماع موسع لهذه الغاية.
وأضافت السفيرة أبو غزالة أن “الجامعة العربية تولي اهتماماً خاصاً لجهود القضاء على العنف ضد المرأة، ففي آذار/مارس 2017، اعتمد القادة العرب (إعلان القاهرة للمرأة العربية) والخطة التنفيذية الإستراتيجية (أجندة تنمية المرأة في المنطقة العربية 2030) خلال اجتماعات الدورة الثامنة والعشرين للقمة العربية بالمملكة الأردنية الهاشمية”.
وأوضحت أن الإستراتيجية تضمنت بنوداً مهمة للقضاء على العنف ضد النساء والفتيات، حيث تدعو الإستراتيجية إلى “تمتع النساء والفتيات بالحق في العيش في مجتمع خالٍ من جميع أشكال العنف ضد المرأة، وفي الحماية القانونية والاجتماعية والصحية لجميع النساء والفتيات اللاتي يعانين من العنف، والناجيات منه، وعواقبه، هذا بالإضافة إلى التعاون مع ائتلاف النساء البرلمانيات من الدول العربية لمكافحة العنف ضد المرأة، تعمل مؤسسة (وستمنستر)، من أجل الديمقراطية ومنظمة الأمم المتحدة للمرأة وجامعة الدول العربية، على تطوير أول اتفاقية للقضاء على العنف ضد المرأة والفتيات والعنف المنزلي في المنطقة العربية”.
وأكدت على اهتمام الجامعة العربية بالعمل على تعزيز حقوق المرأة، وأنه إذا لم تحصل النساء والفتيات (أي نصف إمكانات أي أمة)، على فرص متساوية في الحصول على تعليم عالي الجودة، وفرص العمل والصحة، وإعادة تكافؤ فرص العمل والملكية والعدالة والقيادة، فسيتم حرمان الدول من مستقبل نشط ومستدام ومزدهر.
ويمكن اعتبار المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين “محطة الإرساء” لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة الأخرى.
من جانبه، أكد الدكتور لؤي شبانة المدير الإقليمي لـ“صندوق الأمم المتحدة للسكان للدول العربية” أهمية تضافر الجهود لتعزيز الاهتمام على جميع المستويات العربية، من أجل القضاء على العنف ضد النساء والفتيات، مشيراً إلى أن هذا العنف يُعدّ أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان شيوعاً في العالم، ولا يعرف حدوداً اجتماعية أو اقتصادية أو قومية. ولفت إلى أن هذا يُعدّ بمثابة صيحة في مواجهة ظلال الصمت التي أحاطت بهذا العنف لقرون، والتي لا تزال قائمة في مناطق كثيرة.
وقال إن “صندوق الأمم المتحدة للسكان” يُعدّ إحدى وكالات الأمم المتحدة الرائدة في مجال العمل من أجل تعزيز المساواة في النوع الاجتماعي، وتمكين النساء، والتصدي للعواقب الجسدية والنفسية للعنف القائم على النوع الاجتماعي، وتوفر برامج “صندوق الأمم المتحدة للسكان”، للناجيات، المساعدة النفسية الاجتماعية، والعلاج الطبي، ومجموعة الأدوات المناسبة للتعامل معهنّ.
من جهته، أرجع معز دريد المدير الإقليمي بالنيابة بهيئة الأمم المتحدة للمرأة للدول العربية، العنف الذي تعاني منه النساء والفتيات في حياتهن إلى عدم المساواة، ومعايير اجتماعية تمييزية ترى مساهمة المرأة في مجتمعنا، مهما عَظُمت، أقل من مساهمة الرجل، لافتاً إلى أن واحدة من كل ثلاث نساء في العالم تتعرض للعنف الذي يُعدّ أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً، حيث تواجهه النساء والفتيات: في الشوارع، وفي وسائل النقل العام، وفي المدارس، وفي بيئات العمل، وحتى في المنازل. على الصعيد العالمي، تُقتل 137 امرأة كل يوم على يد أحد أفراد أسرهن.
وتسعى حملة “اتحدوا” لإنهاء العنف ضد المرأة، وهي حملة يرأسها الأمين العام للأمم المتحدة، للقضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة والفتيات، إلى اتخاذ إجراءات عالمية لزيادة الوعي وتعبئة جهود الدعوة وتبادل المعرفة والابتكارات. وتسلط هذه الحملة الضوء على الإجراءات التي يتم اتخاذها للقضاء على هذه الآفة العالمية التي تعد إحدى أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً في العالم.

المصدر: صحيفة “الشرق الأوسط”

غدا.. العالم يحيى اليوم الدولي لمكافحة الفساد 2019

غدا.. العالم يحيى اليوم الدولي لمكافحة الفساد 2019

متابعة مركز “عدل” لحقوق الإنسان   

يحيي العالم غدا الاثنين 9 كانون الأول/ديسمبر، اليوم الدولي لمكافحة الفساد 2019، حيث بات الفساد ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة تؤثر على جميع البلدان، فالفساد يقوض المؤسسات الديمقراطية ويبطئ التنمية الاقتصادية ويساهم في عدم الاستقرار الحكومي ويهاجم أسس المؤسسات الديمقراطية من خلال تشويه العمليات الانتخابية، وتحريف سيادة القانون وخلق مستنقعات البيروقراطية.

وتعاني التنمية الاقتصادية من التقزم لأن من المستحيل التغلب على “تكاليف البدء” المطلوبة بسبب الفساد، ففي كل عام، تصل قيمة الرشى إلى تريليون دولار، فيما تصل قيمة المبالغ المسروقة بطريق الفساد إلى ما يزيد على تريليونين ونصف دولار، وهذا مبلغ يساوي (5%) من الناتج المحلي العالمي، وفي البلدان النامية بحسب ما يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقدر قيمة الفاقد بسبب الفساد بعشرة أضعاف إجمالي مبالغ المساعدة الإنمائية المقدمة.

والفساد جريمة خطيرة يمكن أن تقوض التنمية الاجتماعية والاقتصادية في جميع المجتمعات، لا يوجد بلد أو منطقة أو مجتمع محصن.

وفي هذا العام، أقام مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي شراكة عالمية تركز على كيفية تأثير الفساد على التعليم والصحة والعدالة والديمقراطية والازدهار والتنمية.

كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2003، وطلبت إلى الأمين العام أن يعين مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بوصفه أمانة مؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية، واعتمدت الجمعية أيضا القرار ( 4/58 )، باعتبار يوم 9 كانون الأول/ديسمبر، يوما دوليا لمكافحة الفساد، لزيادة الوعي بالفساد ودور الاتفاقية في مكافحته ومنعه، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في كانون الأول/ديسمبر 2005.

وكشف مؤشر مدركات الفساد لعام 2018، الذي صدر اليوم عن منظمة الشفافية الدولية، عن أن الفشل المتواصل لمعظم الدول في الحد من الفساد على نحو فعال يساهم في مفاقمة أزمة الديمقراطية في العالم، ويستند مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 إلى (13) استطلاعا وتقييما للفساد أجراه خبراء لتحديد درجة انتشار الفساد في القطاع العام في (180) دولة وإقليما، عن طريق إسناد درجة تتراوح بين 0 (الأكثر فسادا) و100 (الأكثر نزاهة).

وتصدرت الدنمارك، التي تعد من أعلى بلدان العالم دخلا، (180) اقتصادا حول العالم، كأقل البلدان انتشارا للفساد، والأكثر من حيث وضع الإجراءات المحاربة لها، وحصلت على علامة (88%)، وهي ذات نسبة 2017، بينما نيوزيلندا التي أعلنت قبل أيام عن ميزانية للرفاهية للمجتمع المحلي، جاءت في المرتبة الثانية بعد الدنمارك، بحصولها على علامة (87%)، مقارنة مع (89%) في تقرير العام 2017.

أما البلدان الأقل حصولا على درجات في المؤشر الدولي، فجاءت كوريا الشمالية في المرتبة (176) من أصل (180) اقتصادا، إذ بلغت درجتها المئوية (14%) مقارنة مع (17%) في تقرير العام الماضي، أما اليمن، فقد حصل على المرتبة (177) من أصل  (180) اقتصادا حول العالم، إذ بلغت درجتها المئوية (14%) مقارنة (16%) في تقرير العام الماضي.

وبحسب تقرير منظمة الشفافية، “فإن الفساد السياسي يعتبر التحدي الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالرغم من جهود الحكومات في مكافحة الفساد”، ويضيف التقرير “أن العديد من الحكومات العربية تتأثر سياساتها وتتحدد ميزانيتها ومصارف أموالها بنفوذ شخصيات تعمل على مصالحها الشخصية على حساب المواطنين” و“أنه بدون إرادة سياسية تعمل على مكافحة الفساد في القطاع العام، فإن بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا تجهض حقوق شعوبها”، فقد احتلت الإمارات المركز الـ (23)، برصيد (70 نقطة) لتكون بذلك أقل الدول العربية فسادا.

وأشار التقرير إلى أن قطر حصلت على (62) درجة في مؤشر الفساد وسوريا (13 درجة) واليمن (14 درجة) وليبيا (17 درجة) محتلين أدنى مراتب المؤشر في المنطقة، كما أن سوريا واليمن تندرجان أيضا ضمن البلدان الخمسة الأدنى مرتبة في المؤشر على الصعيد العالمي.

وتواجه عدة بلدان مثل سوريا وليبيا واليمن والعراق تحديات بسبب عدم الاستقرار وانتشار الإرهاب والحروب والنزاعات، وذلك ما يبقيها في أدنى مراتب المؤشر، وسجل اليمن وسوريا أشد انخفاض في المؤشر خلال السنوات القليلة الماضية حيث تراجع اليمن بخمس درجات على امتداد السنوات الأربع الماضية، إذ انتقل من (19) درجة سنة 2014 إلى (14) درجة سنة 2018، ويعكس هذا التغيير في جزء منه العلاقة المباشرة بين الحرب والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وانتشار الفساد.

وبشكل عام، تشكل الدول ذات المستويات العالية من الفساد خطرا على المعارضين السياسيين، ومن الناحية العملية نجد أن كل الدول التي تشهد اغتيالات سياسية إما بأمر من الحكومة أو بتغاض منها قد صُنّفت من ضمن الدول الأكثر فسادا في المؤشر.

وذكر التقرير أن هناك دولا تحت المجهر، فقد حصلت الولايات المتحدة الأمريكية على (71) درجة، لتسجل بذلك تراجعا بأربع نقاط منذ السنة الماضية خرجت فيها من مجموعة الدول العشرين التي تتصدر المؤشر لأول مرة منذ عام 2011، وتأتي هذه الدرجة المتدنية في فترة تشهد فيها الولايات المتحدة مخاطر تهدد منظومتها القائمة على الضوابط والتوازنات وتدهور المعايير الأخلاقية في أعلى مستويات السلطة.

وقالت ديليا فيريرا روبيو رئيسة منظمة الشفافية الدولية “تظهر أبحاثنا إلى وجود علاقة واضحة ما بين وجود ديمقراطية سليمة والنجاح في مكافحة الفساد في القطاع العام”، وأضافت أنه يمكن للفساد أن يستشري بشكل واسع حين تستند الديمقراطيات إلى أسس هشة، وحين يستغل ذلك السياسيون الشعبويون والمناهضون للديمقراطية لمصلحتهم، وهو ما رأيناه في عدة بلدان.

ولإحراز تقدم حقيقي في المعركة ضد الفساد ولتعزيز الديمقراطية في أنحاء العالم، تدعو منظمة الشفافية الدولية جميع الحكومات إلى تقوية المؤسسات المسؤولة عن ضمان فرض الضوابط والتوازنات على السلطة السياسية، الحرص على أن تعمل هذه المؤسسات دون التعرض للترهيب؛ سد الفجوة بين سن التشريعات المتعلقة بالفساد وتنفيذها على أرض الواقع وتطبيق أحكامها؛ دعم منظمات المجتمع المدني خاصة على المستوى المحلي، وهو ما سيعزز المشاركة السياسية ورقابة الرأي العام على الإنفاق الحكومي ؛ دعم استقلالية الإعلام وحريته، وضمان سلامة الصحفيين وقدرتهم على العمل دون أي تخويف أو تضييق.

المصدر: “اليوم السابع” الالكتروني

العراق في خطر شديد

عبد الرحمن الراشد
قد يتحول هذا البلد الذي يتطلع للخروج من أزماته إلى دولة الفوضى، إلى سوريا أخرى ما لم يتدارك السياسيون والبرلمانيون والأجهزة العسكرية الأمر، وقطع الطريق على «الطرف الثالث». فحملة استهداف المحتجين العزل تكبر وتزداد عنفاً ودموية، وستدفع المحتجين إلى التحول للعنف! ويشار إلى مرتكبي جرائم القتل من الملثمين والمجهولي الهوية بالطرف الثالث، وهي الميليشيات المدعومة من إيران والتي تحصل على أموالها ومرتبات عشرات الآلاف من منسوبيها من الحكومة العراقية. وحتى الآن، قتل نحو خمسمائة من المحتجين وجرح عشرون ألفاً في شهرين، وذلك منذ اندلاع المظاهرات مطلع أكتوبر (تشرين الأول). الهجوم على المتظاهرين أول من أمس، الجمعة، كان الأجرأ والأعنف، حيث قتل مجهولون نحو خمسين شخصاً في العاصمة بغداد ووقفت الأجهزة محايدة.
ولأنه لا أحد يسمي القتلة بالاسم، مع أنه سر معروف للجميع، سواء كانوا «عصائب الحق» أو ربما غيرها من الجماعات المسلحة المتورطة، فإن العنف المنظم سيستمر وستفقد الدولة العراقية يوماً تلو الآخر السيطرة على الأوضاع.
هذه الميليشيات تتجرأ على الدخول في مواجهات لأنه لا أحد يسميها بالاسم، وليس هناك من تحذير علني ضدها، وتستغل صفتها شبه الرسمية. الميليشيات هذه تعيش على أموال الحكومة نفسها ولا تأتمر بأمرها، رغم محاولات عديدة جرت لترويضها. والجيش، المؤسسة العسكرية الرسمية، الجالس يترقب ولا يتدخل، قادر على لجم الميليشيات التي يشتكي أساساً من اعتمادها ضمن القوات المسلحة مع أنها في الأصل غير نظامية وتتصرف كما لو أنها تابعة لدولة أجنبية.
لا أحد يريد دفع الأمور في العراق نحو الصدام، لا دول الجوار ولا القوى الكبرى، لكن الجميع يرى بقلق كيف أن طهران تريد السيطرة على القرار والأجهزة؛ لأنها تعيش ضائقة خطيرة مالية واقتصادية وأمنية داخلية وترى في الجارة العراق الأرض الرخوة والنظام الضعيف.
ماذا عن الذين يروّجون لمقولة إن الاحتجاجات المدنية هي مشروع لتغيير النظام السياسي العراقي ولهذا يجب قمعها؟ في الواقع هؤلاء المتذرعون بدعوى الخوف على النظام من المحتجين هم من يحاولون فرض التغيير والاستيلاء على ما تبقى من كيانات الدولة التي تمثل العراق الوطن والدولة. أما الاحتجاجات، وعلى الرغم مما شابها من فوضى، وما رفعه البعض من مطالب غير واقعية، فهي في الحقيقة تعزز النظام لأنها تدعو للتغيير والتصحيح من داخله وليس الانقلاب عليه. المحتجون يعترفون بمؤسسة الدولة وأقصى مطالبهم الدعوة إلى انتخابات مبكرة ومحاسبة المتورطين في الفساد، وجميعها تعود للتشريعات والمؤسسات الدستورية التي لم تفعّل بكل أسف خلال السنوات الماضية.
الميليشيات، وبعض القوى السياسية، ترفض دعوات المحتجين لأنها لا تريد تصحيح الأوضاع الخاطئة المستفيدة منها.المحتجون هم قوة الدولة، وهم فرصة النظام السياسي ليستفيد من صرختهم ودعواتهم لإصلاح الوضع الذي يستحيل عليه تحقيقه دون ضغوط الشارع. حماية المحتجين حماية للنظام، وردع قتلة المحتجين هو ردع للخطر الأكبر على الدولة الحديثة الذي يتمثل في الميليشيات، التي اتضح أنه لم يفلح ضمها للقوات المسلحة في ضمان تبعيتها للوطن. فقد استمرت أذرعاً متمردة خطيرة، ومصدر هدر مالي هائل، وكيانات هادمة.

عبد الرحمن الراشد: اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة “الشّرق الأوسط” والمدير العام السابق لقناة “العربيّة”
الشرق الأوسط: الأحد 08 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [14985]

الأردنية ندى الناشف نائبة للمفوضة السامية لحقوق الإنسان

مركز “متابعة” عدل لحقوق الإنسان
أعلن الأمين العام للأمم المتحدة اليوم الجمعة تعيين ندى الناشف نائبة للمفوضة السامية لحقوق الإنسان، خلفا للأسترالية كيت غيلمور التي أعرب الأمين العام أنطونيو غوتيريش والمفوضة السامية ميشيل باشيليت عن امتنانهما العميق لخدمتها المتفانية في برنامج الأمم المتحدة لحقوق الإنسان خلال السنوات الأربع الماضية.
وشغلت السيدة الناشف منذ عام 2015 منصب المديرة العامة المساعدة للعلوم الاجتماعية والإنسانية في اليونسكو في باريس، حيث قادت حقيبة تهدف إلى تعبئة المعرفة من أجل مجتمعات شاملة وعادلة ومستدامة. وتولت أيضا أدوارا إدارية متزايدة التعقيد خلال حياتها المهنية داخل الأمم المتحدة، بما في ذلك عمليات التحول التنظيمي الاستراتيجي الرائدة.
وقبل ذلك، شغلت ندى الناشف منصب المديرة الإقليمية والمديرة العامة المساعدة للمكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية بالدول العربية، ومقرّه بيروت (2007-2014). وانضمت إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث بدأت حياتها المهنية في الأمم المتحدة عام 1991، وخدمت في ليبيا (1992-1995)، لبنان (2000-2004)، العراق (2003) وفي المقرّ الرئيسي في نيويورك (1995-2000، 2005-2006).والسيدة ندى الناشف حائزة على بكالوريوس الآداب في الفلسفة والسياسة والاقتصاد من جامعة أكسفورد (المملكة المتحدة)، وماجستير في السياسة العامة من جامعة هارفارد (الولايات المتحدة الأمريكية) وتتحدث اللغتين العربية والإنجليزية بطلاقة، ولديها إلمام باللغة الفرنسية.

أخبار الأمم المتحدة