تقرير  حقوقي

الأربعاء،19 آب(أُغسطس)،2026

بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري

تقرير  حقوقي

بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري

من أجل الكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرًا في سوريا وضمان الحق في الحقيقة والعدالة

تحيي الفيدرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يصادف الثلاثين من آب من كل عام، مستذكرة جميع ضحايا الاختفاء القسري والمفقودين والمختطفين والمحتجزين مجهولي المصير في سوريا، ومعاناة عائلاتهم التي استمرت سنوات، وفي حالات كثيرة عقودًا كاملة، من دون معرفة مصير أبنائها وبناتها.

لقد عانت سوريا، على امتداد عقود، من ممارسات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والاحتجاز السري والاختطاف، وهي ممارسات أحدثت جراحًا عميقة في المجتمع السوري وخلّفت آثارًا إنسانية ونفسية واجتماعية وقانونية مستمرة.

ولا تزال قضية المفقودين واحدة من أكبر القضايا الإنسانية والحقوقية في سوريا. وقد أكدت المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية التابعة للأمم المتحدة في تموز 2026 أن مئات الآلاف ما زالوا في عداد المفقودين، وأن معالجة هذه القضية ضرورة إنسانية وعنصر أساسي للاستقرار والمصالحة والسلام المستدام.

وتؤكد الفيدرالية أن البحث عن الحقيقة والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرًا ليس شأنًا متعلقًا بالماضي وحده، وإنما هو قضية إنسانية ووطنية وحقوقية وعدلية، وشرط أساسي لبناء دولة القانون وتحقيق عدالة انتقالية ذات مصداقية واستعادة ثقة السوريين بمؤسسات الدولة ومنع تكرار الانتهاكات.

كما تؤكد أن هذا الملف يجب أن يظل مفتوحًا إلى أن يتم الكشف عن مصير المفقودين والمختفين، وتحديد المسؤوليات عن الانتهاكات، وإنصاف الضحايا وعائلاتهم، وضمان عدم تكرار هذه الممارسات.

أولًا: الاختفاء القسري في القانون الدولي

تعرّف الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الاختفاء القسري بأنه الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل آخر من أشكال الحرمان من الحرية عندما يقع على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات تتصرف بإذنها أو دعمها أو موافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بالحرمان من الحرية أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون.

ومن ثم، تؤكد الفيدرالية ضرورة التمييز، لأغراض التوثيق والتكييف القانوني، بين المفقود والمختطف والمحتجز تعسفيًا والمختفي قسرًا، من دون أن ينتقص هذا التمييز من واجب البحث عن كل شخص مجهول المصير، والتحقيق في ظروف اختفائه أو احتجازه، وتحديد الجهة المسؤولة عنه. كما أن الاختفاء القسري لا يمثل انتهاكًا لحظة وقوع الحرمان من الحرية فحسب، وإنما تظل آثاره القانونية والإنسانية مستمرة ما دام مصير الشخص أو مكان وجوده مجهولًا.

وتنص الاتفاقية الدولية على أن الممارسة الواسعة النطاق أو المنهجية للاختفاء القسري تشكل جريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي المنطبق. كما يدرج نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الاختفاء القسري ضمن الأفعال التي قد تشكل جريمة ضد الإنسانية عندما ترتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين مع العلم بذلك الهجوم.

وتؤكد الفيدرالية، لذلك، ضرورة عدم وصف كل واقعة اختطاف أو اختفاء بصورة آلية بأنها جريمة ضد الإنسانية، وإنما إخضاع كل حالة للتحقيق والتكييف القانوني وفق عناصر الجريمة وظروف ارتكابها.

ثانيًا: الاختفاء القسري والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

يمثل الاختفاء القسري انتهاكًا مركبًا يمكن أن يمس في الوقت ذاته مجموعة من الحقوق الأساسية التي يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وفي مقدمة هذه الحقوق:

– الحق في الحياة المنصوص عليه في المادة 6؛

– حظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بموجب المادة 7؛

– الحق في الحرية والأمان الشخصي والحماية من الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي بموجب المادة 9؛

– حق كل شخص محروم من حريته في أن يعامل معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة في الإنسان بموجب المادة 10؛

– الحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة بموجب المادة 14؛

– وحق كل إنسان في الاعتراف له بالشخصية القانونية في كل مكان بموجب المادة 16.

ويشكل الاختفاء القسري، بحكم ما ينطوي عليه من احتجاز خارج حماية القانون ومن مخاطر تهدد سلامة الشخص وحياته، مساسًا بالغ الخطورة بالحق في الحرية والأمان الشخصي، وقد يرتبط كذلك بانتهاكات الحق في الحياة وحظر التعذيب وسوء المعاملة.

وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن الأشكال القصوى من الاحتجاز التعسفي التي تعرض الحياة للخطر، ومن بينها الاختفاء القسري، تمس الحق في الحرية والأمان والحق في حماية الحياة في آن واحد.

وتنص المادة 9 من العهد على أنه لا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفًا، وأن كل شخص يتم توقيفه يجب أن يُبلّغ عند توقيفه بأسباب ذلك، وأن يُبلّغ سريعًا بالتهم الموجهة إليه.

كما يتعين تقديم الشخص المقبوض عليه أو المحتجز على خلفية اتهام جنائي سريعًا أمام قاضٍ أو سلطة مخولة قانونًا ممارسة وظائف قضائية، ويحق لكل شخص محروم من حريته اللجوء إلى القضاء للطعن في قانونية احتجازه.

وقد أوضحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 35 أن 48 ساعة تعد، كقاعدة عامة، مدة كافية لنقل الشخص المحتجز والتحضير لمثوله أمام القضاء، وأن أي تأخير يتجاوزها ينبغي أن يبقى استثنائيًا ومبررًا بحسب ظروف الحالة. وشددت على معيار أسرع بالنسبة للأحداث، مثل 24 ساعة.

كما أكدت اللجنة ضرورة:

– احتجاز الأشخاص فقط في أماكن احتجاز معترف بها رسميًا؛

– إنشاء سجل رسمي مركزي يتضمن أسماء المحتجزين وأماكن احتجازهم وأوقات الدخول والخروج والجهات المسؤولة عن احتجازهم؛

– إتاحة المعلومات للأشخاص ذوي المصلحة المشروعة، بمن فيهم أفراد الأسرة؛

– تمكين المحتجزين سريعًا وبصورة منتظمة من الوصول إلى محامين وأطباء مستقلين؛

– السماح بالتواصل مع أفراد الأسرة ضمن الضوابط القانونية المشروعة؛

– وإخضاع أماكن الاحتجاز لآليات تفتيش مستقلة ومحايدة.

– ولا يجوز استخدام حالة الطوارئ أو الظروف الأمنية الاستثنائية ذريعة لتبرير الاختفاء أو الاحتجاز غير المعترف به. وقد أكدت اللجنة أن حظر أخذ الرهائن والاختطاف والاحتجاز غير المعترف به لا يجوز تعطيله حتى في سياق التدابير الاستثنائية.

ثالثًا: القانون الدولي الإنساني والمفقودون في سياق النزاع

إلى جانب قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، يفرض القانون الدولي الإنساني، في حالات النزاع المسلح التي ينطبق عليها، التزامات متعلقة بحماية الأشخاص المحرومين من حريتهم، والمعاملة الإنسانية، والبحث عن المفقودين، وتوفير المعلومات المتعلقة بمصير الأشخاص لأسرهم وفق القواعد المنطبقة.

وتشدد الفيدرالية على ضرورة عدم الخلط بين مفهوم المفقود، الذي يشمل طيفًا أوسع من الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم نتيجة النزاع أو النزوح أو الاحتجاز أو الاختطاف أو الهجرة أو غيرها من الظروف، وبين الاختفاء القسري بوصفه توصيفًا قانونيًا ذا عناصر محددة.

وتؤكد المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية أن ولايتها تشمل البحث عن جميع المفقودين، بصرف النظر عن ظروف اختفائهم أو انتمائهم أو زمن فقدانهم، بما في ذلك حالات الاختفاء القسري والاختطاف من الجهات غير الحكومية والاتجار بالبشر والاحتجاز التعسفي وغيرها.

وعلى جميع الجهات-الحكومية وغير الحكومية- التي تقوم بالاحتجاز القسري والاختطاف وبالإخفاء القسري، لكف عن هذه الممارسات اللاإنسانية التي تجري خارج القانون والتي تشكل انتهاكاً صارخا للحقوق والحريات الأساسية التي كفلتها جميع المواثيق والاتفاقيات الدولية المعنية بذلك. وخاصة القانون الدولي العام والقانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث يعتبر الحق في الحياة والحفاظ عليه من النظام العام في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن القواعد الآمرة فيه، فلا يجوز الانتقاص منها أو الحد منها، كما أنها تعتبر حقوق طبيعية تلتصق بالإنسان، ولا يجوز الاتفاق على مخالفتها، لأنها قاعدة عامة فالاختطاف والإخفاء القسري، هي جرائم جنائية دولية ضد الانسانية، تستوجب المساءلة والمحاكمة.

رابعًا: حق الضحايا وعائلات المفقودين في الحقيقة والإنصاف

لا تقتصر آثار الاختفاء القسري على الشخص المختفي وحده، فالحرمان المستمر للعائلة من معرفة مصير قريبها ومكان وجوده يخلّف أضرارًا نفسية واجتماعية واقتصادية وقانونية عميقة.

وتقر الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري بحق الضحايا في معرفة الحقيقة المتعلقة بظروف الاختفاء وسير التحقيق ونتائجه ومصير الشخص المختفي، كما تتناول حق الضحايا في جبر الضرر والتعويض.

وتؤكد الفيدرالية أن عائلات المفقودين والمختفين ليست مجرد مصدر للمعلومات والشهادات، وإنما هي صاحبة حقوق مستقلة، ويجب أن تشارك بصورة فعلية في جميع السياسات والآليات الوطنية المتعلقة بالبحث عن المفقودين وكشف المصير والعدالة الانتقالية.

وتشمل هذه الحقوق، على وجه الخصوص:

– الحق في معرفة الحقيقة ومصير الشخص المفقود؛

– الحصول على المعلومات الرسمية المتاحة بصورة منتظمة؛

– المشاركة في عمليات البحث وصياغة السياسات ذات الصلة؛

– الحماية من التهديد والانتقام والابتزاز؛

– الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي؛

– معالجة الآثار المدنية والاقتصادية للغياب؛

– جبر الضرر والتعويض وإعادة التأهيل؛

– وعدم إجبار الأسرة على إعلان وفاة الشخص المفقود كشرط للحصول على حقوقها المدنية أو الاجتماعية.

وتؤكد المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين بدورها أن دعم الأسر ومشاركتها وحقها في المعرفة مكونات مركزية في ولايتها.

خامسًا: إرث عقود من الاختفاء القسري في سوريا

ارتبط ملف الاختفاء القسري في سوريا على امتداد عقود بممارسات قمعية واسعة، والاعتقال خارج إطار القانون، والاحتجاز في أماكن سرية، وانقطاع أخبار أعداد كبيرة من السوريين عن عائلاتهم. وظل الحديث العلني عن هذه الانتهاكات، ولا سيما خلال عقود الحكم الاستبدادي السابق، محفوفًا بالمخاطر في ظل القيود الشديدة على حرية التعبير والعمل الحقوقي، والخوف من الملاحقة والانتقام الذي تعرض له الضحايا وذووهم والشهود والمدافعون عن حقوق الإنسان.

ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، أصبحت هناك فرصة تاريخية لا يجوز إضاعتها للوصول إلى المعلومات التي يمكن أن تساعد في كشف مصير المفقودين والمختفين قسرًا، بما فيها أرشيفات الأجهزة الأمنية والعسكرية والسجون والمحاكم والمشافي والمشارح والسجلات الرسمية ومواقع المقابر والدفن.

وتؤكد الفيدرالية أن حماية هذه الوثائق والأرشيفات والمواقع من العبث أو الإتلاف أو الإخفاء تمثل أولوية وطنية وحقوقية وقضائية عاجلة، لما قد تتضمنه من أدلة تساعد في تحديد المصير والتعرف إلى الضحايا وإثبات الانتهاكات وتحديد المسؤوليات.

سادسًا: استمرار حالات الاختطاف والاختفاء خلال عام 2026

تعرب الفيدرالية عن بالغ قلقها إزاء استمرار ورود وتوثيق حالات اختطاف واحتجاز سري واختفاء لأشخاص في عدد من المحافظات السورية خلال المرحلة الانتقالية.

ووفقًا للحالات التي وردت إلى الهيئات والمنظمات المنضوية في إطار الفيدرالية، وتمكنت من رصدها وتوثيق بياناتها الأساسية حتى تاريخ إعداد هذا البيان، بلغ عدد ضحايا حالات الاختطاف والاختفاء منذ مطلع عام 2026 ما مجموعه 257 شخصًا، بينهم 78 امرأة و41 طفلًا.

وتوزعت الحالات الموثقة على النحو الآتي:

– حمص وريفها: 83 حالة

– طرطوس وريفها: 63 حالة

– اللاذقية وريفها: 42 حالة

– حماة وريفها: 38 حالة

– الرقة وريفها: 7 حالات

– السويداء وريفها: 6 حالات

– درعا وريفها: 5 حالات

– حلب وريفها: 5 حالات

– دمشق وريفها: 4 حالات

– الحسكة وريفها: 4 حالات

وتؤكد الفيدرالية أن هذه الأرقام تمثل حصيلة الحالات التي وصلت إليها وتمكنت من رصدها وتوثيقها، ولا تمثل حصرًا نهائيًا أو شاملًا لجميع حالات الاختطاف والاختفاء والأشخاص مجهولي المصير في سوريا.

كما تؤكد ضرورة استمرار مراجعة البيانات وتحديثها كلما ظهرت معلومات جديدة تتعلق بمصير الضحايا، أو الإفراج عنهم، أو تحديد أماكن وجودهم، أو ظهور حالات جديدة، وبما يساعد على تجنب ازدواج تسجيل الحالات قدر الإمكان.

كما وثقت الفيدرالية، بصورة منفصلة عن الحالات الـ257 المذكورة أعلاه، 52 حالة اختطاف أو احتجاز منسوبة إلى القوات الإسرائيلية، بينهم 16 طفلًا وأربع نساء، وتطالب بالكشف عن مصيرهم وضمان حقوقهم وفق قواعد القانون الدولي المنطبقة، والإفراج عن المحتجزين منهم متى لم يتوافر أساس قانوني لاستمرار احتجازهم.

وتشير شهادات ومعطيات جمعتها الهيئات الحقوقية إلى وقوع عمليات أخذ أشخاص من منازلهم، ومن الطرق العامة، ومن محطات ومرافق عامة، إضافة إلى حالات مرّ فيها بعض الضحايا عبر نقاط تفتيش أو حواجز أمنية أو عسكرية قبل انقطاع المعلومات عن أماكن وجودهم، كما وردت شهادات وادعاءات بشأن تعرض بعض الضحايا للتهديد أو الإكراه أو سوء المعاملة أو العنف الجنسي، إضافة إلى ادعاءات بشأن محاولات فرض تغييرات مرتبطة بالمظهر أو الهوية الدينية، وتشير المعطيات المتعلقة ببعض الحالات كذلك إلى مؤشرات على دوافع انتقامية أو استهداف قائم على الهوية الطائفية أو الدينية، وترى الفيدرالية أن خطورة هذه الادعاءات تقتضي إجراء تحقيق مستقل وفعال في كل حالة، وتحديد الدوافع والمسؤوليات الفردية والمؤسساتية على أساس الأدلة، وعدم تحميل جماعات أو مكونات اجتماعية بأكملها مسؤولية أفعال أفراد أو مجموعات.

سابعًا: النساء والفتيات وخطر الاستهداف المركب

تعرب الفيدرالية عن قلق خاص إزاء حالات الاختطاف والاختفاء التي تطال النساء والفتيات، ولا سيما عندما تتوافر مؤشرات على تداخل الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي مع الاستهداف القائم على الانتماء الديني أو الطائفي أو المجتمعي.

وقد سبق لخبراء تابعين للأمم المتحدة أن أعربوا في تموز 2025 عن قلق بالغ بشأن تقارير تتعلق باختطاف 38 امرأة وفتاة علوية في عدة مناطق سورية، وأشاروا إلى مخاوف مرتبطة باستهدافهن على أساس الهوية والانتماء، إلى جانب مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي.

ولا يعني ذلك افتراض أن جميع حالات اختطاف النساء في سوريا ذات دوافع طائفية، بل يؤكد ضرورة التحقيق في نمط اختيار الضحايا ودوافع الجناة والظروف المحيطة بكل حالة، وعدم تجاهل إمكانية تداخل أكثر من دافع في الانتهاك الواحد.

وتطالب الفيدرالية بإعطاء الأولوية للتحقيق في حالات اختطاف النساء والفتيات، والتحقيق بصورة مستقلة وسرية ومراعية للضحايا في ادعاءات العنف الجنسي والاستغلال والإكراه والزواج القسري والاتجار بالأشخاص متى وجدت مؤشرات عليها، مع ضمان حماية هوية الناجيات وخصوصيتهن وعدم تعريضهن للوصم أو الانتقام.

ثامنًا: الأطفال وضرورة توفير حماية خاصة

تعرب الفيدرالية عن بالغ القلق إزاء وجود 41 طفلًا ضمن الحالات التي وثقتها منذ مطلع عام 2026، إضافة إلى الأطفال الوارد ذكرهم ضمن الحالات المنسوبة إلى القوات الإسرائيلية.

وتؤكد أن الأطفال يحتاجون إلى حماية خاصة، وأن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون اعتبارًا أساسيًا في جميع الإجراءات المتعلقة بالبحث عنه وتحديد مصيره وإعادته إلى أسرته وتقديم الدعم له.

قد خصصت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري أحكامًا خاصة لمنع ومعاقبة انتزاع الأطفال بصورة غير مشروعة في سياق الاختفاء القسري، أو إخفاء أو تزوير أو إتلاف الوثائق التي تثبت هويتهم.

كما تؤكد لجنة حقوق الإنسان ضرورة توفير ضمانات أشد للأطفال المحرومين من حريتهم، بما في ذلك إبلاغ الوالدين أو الأوصياء، واعتماد معيار أكثر صرامة في سرعة المثول أمام سلطة قضائية.

وتطالب الفيدرالية بمنح حالات الأطفال الأولوية في عمليات البحث، وحماية بياناتهم وهوياتهم من النشر غير الضروري، ومنع أي تغيير غير مشروع في هويتهم أو وثائقهم أو صلاتهم الأسرية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي المتخصص لهم ولأسرهم.

تاسعًا: مسؤولية السلطات السوريةالانتقالية خلال المرحلة الانتقالية

إن التعامل مع قضية المفقودين والمختطفين والمحتجزين مجهولي المصير يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السلطات السورية على بناء مؤسسات تقوم على سيادة القانون والمساواة أمامه، وعلى إخضاع أصحاب النفوذ وأعضاء الأجهزة الأمنية والعسكرية للمساءلة ومنع الإفلات من العقاب.

وتتحمل السلطات مسؤولية حماية الأشخاص الخاضعين لولايتها والتحقيق بصورة سريعة وجدية وفعالة في ادعاءات الاختطاف والاختفاء والاحتجاز غير القانوني، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرارها وملاحقة المسؤولين عنها وفق القانون.

وتؤكد الفيدرالية، في الوقت نفسه، أن ملاحقة الأشخاص المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال العقود والسنوات السابقة واجب قانوني وأخلاقي، غير أن مشروعية المحاسبة تقتضي الالتزام الصارم بسيادة القانون وضمانات المحاكمة العادلة.

ولا يجوز أن تصبح المحاسبة ذريعة للاحتجاز السري أو التعذيب أو الاختفاء أو حرمان المحتجز من حقه في الدفاع أو الاتصال بمحامٍ وعائلته أو الطعن في قانونية احتجازه.

وبموجب المادتين 9 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يجب أن يستند الحرمان من الحرية إلى القانون، وأن يبلغ المحتجز بأسباب توقيفه والتهم الموجهة إليه، وأن تتاح له إمكانية مراجعة قانونية احتجازه والاستعانة بمحامٍ، وأن يقدم سريعًا أمام سلطة قضائية مختصة عندما يكون محتجزًا على خلفية اتهام جنائي، وأن يتمتع بضمانات المحاكمة العادلة.

ولا تنتقص جسامة الجرائم المنسوبة إلى أي شخص من هذه الضمانات.

إن استبدال اعتقال تعسفي باعتقال تعسفي آخر، أو اختفاء سابق باختفاء جديد، لا يمثل عدالة انتقالية، وإنما يعيد إنتاج الانتهاكات التي يفترض بالمرحلة الانتقالية إنهاؤها.

عاشرًا: حماية الأسر والشهود والمدافعين عن حقوق الإنسان

إن الوصول إلى الحقيقة في ملف الاختفاء القسري يعتمد بدرجة كبيرة على شهادات الضحايا والناجين والأسر والشهود والعاملين السابقين في المؤسسات ذات الصلة والمدافعين عن حقوق الإنسان. ولهذا تؤكد الفيدرالية أن أي عملية وطنية جادة لمعالجة الملف يجب أن تتضمن آلية فعالة لحماية الشهود والضحايا والمبلغين وأفراد الأسر والمدافعين عن حقوق الإنسان من التهديد أو الترهيب أو الانتقام أو الضغط أو الملاحقة بسبب تعاونهم مع جهات التحقيق أو آليات البحث الوطنية والدولية. ويجب أن تشمل الحماية، بحسب الحاجة وطبيعة الخطر، سرية البيانات الشخصية، وضبط الوصول إلى المعلومات الحساسة، وعدم كشف هوية الشهود أو أماكن وجودهم دون موافقتهم أو سند قانوني مشروع، وتوفير إجراءات حماية مناسبة لمن يواجهون خطرًا جديًا بسبب تعاونهم مع التحقيقات.

حادي عشر: لا إفلات من العقاب تحت غطاء العفو أو التسويات

تؤكد الفيدرالية أن المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية لا يمكن أن تقوما على طمس الحقيقة أو حماية مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من المساءلة.

وقد شدد فريق الأمم المتحدة العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي على أن قوانين العفو أو التدابير التي تنتج عمليًا إفلات مرتكبي الاختفاء القسري من المساءلة تتعارض مع الالتزامات المتعلقة بالتحقيق والمساءلة عن هذه الانتهاكات.

وعليه، تطالب الفيدرالية بألا تؤدي أية ترتيبات للعفو أو التسوية أو المصالحة إلى تعطيل البحث عن الحقيقة أو وقف التحقيقات الفعالة أو حماية المسؤولين عن الاختفاء القسري وغيره من الانتهاكات الجسيمة من المساءلة القانونية.

ويجب أن تبقى حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر أساسًا لأي عملية عدالة انتقالية.

ثاني عشر: مطالب الفيدرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان

بناءً على ما سبق، تطالب الفيدرالية السلطات السورية وجميع الجهات المعنية بما يلي:

1. الوقف الفوري لجميع أشكال الاختفاء القسري والاختطاف والاحتجاز السري والاعتقال التعسفي، أيا كانت هوية الجهة المسؤولة أو المبررات المقدمة لذلك.

2. الكشف العاجل عن المصير والمكان لجميع الأشخاص المحتجزين أو المختطفين أو مجهولي المصير، والإفراج فورًا عن كل شخص محروم من حريته بصورة غير قانونية.

3. الإفراج عن جميع المعتقلين تعسفيًا، ما لم توجه إليهم تهم جنائية محددة مستندة إلى القانون، وفي هذه الحالة يجب ضمان حقوقهم وتقديمهم سريعًا أمام سلطة قضائية مستقلة ومحايدة.

4. حظر مراكز الاحتجاز السرية وغير الرسمية وإخضاع جميع أماكن الحرمان من الحرية لرقابة قانونية وقضائية فعلية، والسماح بآليات تفتيش مستقلة.

5. إنشاء سجل رسمي مركزي وموحد لجميع المحتجزين يتضمن هوية الشخص، ووقت ومكان احتجازه، والأساس القانوني للاحتجاز، والجهة التي أمرت به والجهة المسؤولة عن مكان الاحتجاز، مع إتاحة المعلومات للأسر والمحامين والسلطات القضائية المختصة وفق القانون وضمانات حماية البيانات.

6. ضمان الحقوق القانونية للمحتجز منذ اللحظة الأولى لحرمانه من حريته، بما فيها إبلاغه بأسباب توقيفه، وتمكينه من الاتصال بمحامٍ وعائلته، والحصول على الرعاية والفحص الطبي اللازمين، والطعن في قانونية الاحتجاز.

وبالنسبة إلى الأشخاص المحتجزين على خلفية اتهام جنائي، يجب تقديمهم سريعًا أمام قاضٍ؛ وتعتبر لجنة حقوق الإنسان أن 48 ساعة تكفي كقاعدة عامة للبالغين، مع معيار أشد سرعة بالنسبة للأطفال والأحداث.

7. فتح تحقيقات مستقلة ومحايدة وفعالة في جميع حالات الاختفاء القسري والاختطاف والاحتجاز السري والتعذيب والعنف الجنسي وسوء المعاملة وغيرها من الانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها وفق ضمانات المحاكمة العادلة، بصرف النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم أو نفوذهم.

8. إنشاء سجل وطني مركزي وموحد للمفقودين والمختفين والمحتجزين مجهولي المصير، وربط المعلومات الموجودة لدى مؤسسات الدولة والجهات المختصة ضمن نظام يضمن جودة البيانات ويحمي خصوصية الضحايا والأسر ويمنع ازدواج الحالات.

9. حماية جميع الأرشيفات والسجلات والوثائق التابعة للأجهزة الأمنية والعسكرية والسجون والمحاكم والمشافي والمشارح وغيرها من المؤسسات التي قد تحتوي معلومات بشأن المفقودين والمحتجزين، ومنع إتلافها أو إخفائها أو العبث بها أو الاتجار بها.

10. حماية المقابر الجماعية ومواقع الدفن المحتملة بوصفها مواقع إنسانية وأدلة محتملة، ومنع فتحها أو العبث بها أو نقل الرفات منها بصورة غير مهنية، وضمان إجراء عمليات الاستخراج والتعرف على الهوية وفق المعايير العلمية والطب الشرعي، بما في ذلك استخدام تحاليل الحمض النووي ضمن نظام يحمي حقوق الأسر وخصوصيتها.

11. ضمان حقوق عائلات المفقودين والمختفين في الحقيقة والمعلومات والمشاركة الفعلية في عمليات البحث والسياسات المتعلقة بالمفقودين، وتوفير الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي لها، ووضع برامج لجبر الضرر والتعويض وإعادة التأهيل وضمان عدم التكرار.

12. عدم إجبار عائلات المفقودين على إعلان وفاة ذويهم كشرط للحصول على الحقوق المدنية أو الاجتماعية أو الاقتصادية المتعلقة بالملكية والميراث والحضانة والوثائق وغيرها.

13. إنشاء منظومة خاصة لحماية الشهود والضحايا والأسر والمبلغين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يقدمون معلومات مرتبطة بالمفقودين أو أماكن الاحتجاز أو المقابر أو المسؤولين المحتملين عن الانتهاكات.

14. إعطاء أولوية خاصة لحالات النساء والفتيات والأطفال، والتحقيق في أي مؤشرات على العنف الجنسي أو الاتجار أو الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي أو الهوية الدينية أو الطائفية، واعتماد إجراءات تراعي العمر والنوع الاجتماعي وتحمي الخصوصية.

15. تعزيز التعاون الكامل مع المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، كل ضمن ولايته واختصاصه، بما يسهم في كشف المصير وحماية الأدلة ودعم التحقيقات ومسارات المساءلة.

16. سن تشريع وطني متكامل بشأن المفقودين والاختفاء القسري والاحتجاز يجرّم الاختفاء القسري وفق المعايير الدولية، ويحظر الاحتجاز السري والاحتجاز غير المعترف به، وينظم التوقيف والاحتجاز والرقابة القضائية، ويوفر آليات مستقلة وفعالة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها.

17. الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ومواءمة التشريعات الوطنية معها، بما في ذلك تجريم الاختفاء القسري بصورة مستقلة وتوفير آليات فعالة للوقاية والتحقيق والبحث عن المختفين وضمان حقوق الضحايا.

18. ضمان ألا تؤدي أية قوانين عفو أو تسويات أو ترتيبات للمصالحة إلى منع التحقيق الفعال في حالات الاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة أو إلى تكريس الإفلات من العقاب، مع الحفاظ على حقوق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.

19. الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، واتخاذ الخطوات القانونية اللازمة لتعزيز المساءلة عن الجرائم الدولية المرتكبة في سوريا.

كما تطالب الفيدرالية السلطات السورية بالنظر بصورة جدية في إيداع إعلان بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي يقبل ممارسة المحكمة الجنائية الدولية لاختصاصها بالنسبة إلى الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة والمرتكبة على الأراضي السورية اعتبارًا من آذار 2011. وتتيح المادة 12(3) لدولة غير طرف في نظام روما قبول ممارسة المحكمة اختصاصها بواسطة إعلان يودع لدى مسجل المحكمة، وقد استُخدمت هذه الآلية بالفعل في حالات دولية سابقة. كما ينص نظام روما على عدم تقادم الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة.

20. دعوة مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة والآليات الدولية المختصة إلى إبقاء قضية المفقودين والمختفين قسرًا في سوريا ضمن الأولويات الرئيسية خلال المرحلة الانتقالية، ودعم الجهود الرامية إلى تحديد المصير وحفظ الأدلة وتعزيز الشراكة مع منظمات حقوق الإنسان السورية وروابط وأسر الضحايا.

21.مطالبة مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة بالتدخل والضغط على الحكومة الإسرائيلية من اجل اخلاء سبيل كل المواطنين السوريين 

لا مصالحة من دون حقيقة، ولا عدالة من دون معرفة المصير

إن الكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرًا ليس مطلبًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد استقرار الأوضاع السياسية أو الأمنية، وإنما يمثل أحد الشروط الأساسية لبناء دولة القانون والسلام المستدام واستعادة ثقة السوريين بالمؤسسات العامة.

ولا يمكن بناء مستقبل مشترك للسوريين بينما لا تزال عائلات كثيرة تعيش منذ سنوات أو عقود مع سؤال لم تحصل على جواب عنه: أين أبناؤنا وبناتنا؟

إن معرفة مكان من بقي حيًا وإعادته إلى عائلته، والكشف عن حقيقة مصير من توفي أو قُتل، وتحديد هوية الرفات وإعادتها إلى الأسرة بكرامة، وحفظ الأدلة ومساءلة المسؤولين، ليست قضايا انتقام، وإنما هي حقوق للضحايا والتزامات أساسية لبناء العدالة وسيادة القانون.

وتؤكد الفيدرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان أن ملف المفقودين والمختفين قسرًا يجب أن يظل مفتوحًا حتى يتم الكشف عن مصيرهم، وتحديد المسؤوليات عن الانتهاكات، وإنصاف الضحايا وعائلاتهم، واتخاذ ضمانات فعلية تحول دون تكرار هذه الممارسات.

كما تؤكد أن الحقيقة والعدالة لا تتجزآن؛ فحقوق الضحايا لا تتحدد بانتمائهم السياسي أو القومي أو الديني أو الطائفي أو الجغرافي أو الجنس، ولا بهوية الجهة التي ارتكبت الانتهاك.

وتدعو الفيدرالية جميع السوريين، ومؤسسات الدولة، ومنظمات المجتمع المدني، وروابط عائلات المفقودين والضحايا، والهيئات الدولية، إلى التعامل مع هذا الملف باعتباره حقًا إنسانيًا جامعًا، يتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية والمناطقية.

معرفة الحقيقة حق.

معرفة مصير المفقود حق.

العدالة حق لجميع الضحايا دون تمييز.

دمشق – 30 آب2026

الهيئة الإدارية

الفيدرالية السورية لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان