إشاعة الكراهية والتمزق المجتمعي

الجمعة،30 آب(أُغسطس)،2019

كفاح محمود

يتحدث الكثير عن هذه الحقبة التي بدأت مع إسقاط الولايات المتحدة لهيكل النظام السياسي والإداري لحزب البعث، عن ظهور ما يسمى بالطائفية والعنصرية في العراق وحتى في سوريا أيضاً، متناسين كَماً هائلاَ من الثقافة الإقصائية والإزدرائية التي مورست من قبل معظم النُّظم السياسية العراقية ضد مكونات دينية أو مذهبية أو عرقية وبأشكال مختلفة ووسائل متعددة، باستثناء فترة قصيرة جداً من الحكم الملكي، وتحديداً في السنوات الأولى لتأسيس المملكة العراقية، والى حدٍّ ما فترة أقصر من حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، وما عداها ومنذ انقلب البعثيون وحلفائهم على نظام الزعيم قاسم، حكم البعثيون البلاد منذ شباط 1963 وحتى إسقاطه في نيسان 2003 مع وجود فترة قلقلة بين 1963 و 1968 التي انقلب فيها العوارف على الحرس القومي، لكنهم لم يختلفوا في نهجهم السياسي عن سابقيهم إلا بالعناوين والأسماء.

لقد مورست ضد المكونات (الأصغر) سواءً أكانت قومية أو دينية أو مذهبية كل أنواع الإقصاء باستخدام وسائل دعائية اجتماعية، تزدري تلك المكونات بفيض من النكات والطرائف التي تظهرها بشكلٍ ساخر أو منتقص، وتشكك في أهليتها، بل وتهينها في نهجها الديني أو انتمائها العرقي، ونتذكر جميعا طوفانات النكات والقصص أو الطرائف المفبركة التي كانت أجهزة المخابرات وبعض المؤسسات تقوم بنسجها وإشاعتها للتداول بين الأهالي، وليس ببعيد عن الذاكرة تلك التي كانت تستهدف جنوباً (الشروك والمعدان) وازدرائهم وإظهارهم بأنهم أُناس بدائيون وأجلاف، وشمالاً الكورد والتركمان، الذين ينتقصون من آدميتهم ومواطنتهم بأنماط من القصص والنكات المفبركة التي تظهر إنهم أغبياء وحمقى، وكذا الحال غرباً مع “الدليم والمصالوة” كما كانوا يقولونها، وإظهارهم بالبخل والحماقة والتخلف.!

في حصيلة سنوات طويلة من ممارسة هذه الثقافة، تكلست أنماط من الكراهية والإزدراء بين المكونات، التي تعرضت جميعها إلى هذا النمط من التسقيط والإنتقاص، سواء الكورد والعرب أو السنة والشيعة، وبقية المكونات، ناهيك عن عقدة ابن المدينة من القروي أو (البراني – البراوي) واعتباره دوما منتقص المدنية ومحط السخرية، مما أنتج مع وجود بيئة صالحة لتفعيل هذه الأحاسيس المليئة بالكراهية، ما نشهده اليوم من طائفية وعنصرية مذهبية وقومية مقيتة وصلت إلى حد التذابح والتكفير، بل وشن حرباً مقدسة فيما بينها لأي سبب كان، وما يجري اليوم من عمليات تطهير مذهبي وعرقي في المناطق المختلطة عمل على إحداث تمزيق شديد في البنية المجتمعية للسكان، وهذا ما نشهده اليوم في نينوى والأنبار وصلاح الدين وأطراف بغداد وشمال الحلة وكركوك وديالى، ما ينذر بخطر داهم يضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية ووطنية إزاء حرب ستحرق الأخضر واليابس، ولن تكون نتائجها أفضل من تلك النتائج التي وصل إليها البعثيون وغيرهم بتدمير العراق وضياع فرص ذهبية لتقدمه وتطوره ووجوده.

———————————–

كفاح محمود: مستشار مكتب السيد مسعود بارزاني

المصدر: إيلاف (الأربعاء 28 أغسطس 2019)

https://beta.elaph.com/Web/opinion/2019/08/1262677.html