بيان “العمل المناخي من أجل السلام”

 

بيان

“العمل المناخي من أجل السلام”

في 21 أيلول/سبتمبر من كل عام، يصادف “اليوم الدولي للسلام”، حيث خصصت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا التاريخ لتعزيز المثل العليا للسلام في الأمم والشعوب وفي ما بينها. واعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (17) هدفاً للتنمية المستدامة في عام 2015، لما أدركته من أن بناء عالم ينعم بالسلام يتطلب اتخاذ خطوات لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لجميع شعوب الأرض في كل مكان، ولضمان حماية حقوقها.

موضوع اليوم الدولي للسلام لعام 2019، هو “العمل المناخي من أجل السلام”، وفيه يسلط الضوء على أهمية مكافحة تغير المناخ بوصفه وسيلة لحماية السلام وتعزيزه في جميع أنحاء العالم. ويشكل تغير المناخ تهديداً للسلم والأمن الدوليين، حيث تؤدي الكوارث الطبيعية إلى نزوح ثلاثة أضعاف النازحين في حالات النزاع، ويضطر الملايين إلى ترك منازلهم والبحث عن الأمان في أماكن أخرى، ناهيك عن أن تملُّح المياه والمحاصيل يهدد الأمن الغذائي، مما يزيد من تأثير ذلك على الصحة العامة.

تمر مناسبة “اليوم الدولي للسلام” على الشعب السوري هذا العام، وهو لا يزال يعاني من غياب “السلام” و“الأمان” و“الاستقرار” و“الطمأنينة”، بسبب استمرار الأزمة السورية المتفاقمة منذ عام 2011، والتي أدت إلى وقوع آلاف الضحايا القتلى والجرحى والمفقودين والمختفين قسرياً والمعتقلين والمشردين والمهجرين واللاجئين داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى الدمار والخراب والأضرار البيئية والمناخية في كل الجغرافيا السورية.

ونحن نحتفل بـ “اليوم الدولي للسلام”، لا يمكن لنا أبداً تجاهل الآثار السلبية لغياب الحريات الديمقراطية وعدم الاعتراف بواقع التعددية القومية والسياسية والدينية والمذهبية في سوريا خلال العقود الماضية، وتدشين النظم الديكتاتورية والعسكريتارية والقوموية والاستبدادية فيها على قضية “السلام”، حيث أدى ذلك، إضافة إلى قمع الحريات ومصادرة حقوق الإنسان، واللجوء إلى سياسة الظلم والاضطهاد الناجمة عن التمييز وعدم المساواة بين المواطنين، وتطبيق المشاريع العنصرية بحق الشعب الكردي في سوريا، وتأليب المكونات السورية ضد بعضها البعض، إلى خلق بيئة عرضت “الأمن” و“السلم الأهلي” و“التعايش المشترك” و“التماسك الاجتماعي” فيها لمخاطر جدية، ظهرت بوضوح وجلاء في الكثير من المواقف التي مرت بها البلاد، ونحصد آثارها وتداعياتها السلبية بأبشع صورها وأشكالها الآن.

إن هذا الواقع المفزع جداً للمجتمع السوري وتداعياته وآثاره السلبية المختلفة على قضية “السلام” فيه، يفرض على جميع المؤسسات المدنية والسياسية، التعامل معه بحذر وحرص شديدين، والعمل على توفير العوامل التي تؤدي إلى تحقيق الأمان والاستقرار وصيانة السلام والعيش المشترك والتماسك الاجتماعي فيه، وتساهم في تطوره ونموه وازدهاره.

إننا في مركز «عدل» لحقوق الإنسان، نناشد بهذه المناسبة كافة أبناء المجتمع السوري، الدفاع عن السلم الأهلي والوقوف ضد الحرب والعنف وثقافة الكراهية والتمييز بكافة أشكالها، ودعم مبادرات السلام وترسيخ مفاهيم المحبة والتآخي وأسس الشراكة الحقيقية في الوطن.

وأننا نرى في هذه المناسبة فرصة جيدة لجميع شعوب العالم للانفتاح على بعضها البعض، والتلاقي فيما بينها، حول الأفكار التي تمهد لعودة السلام الغائب عن عدد كبير من بلدان العالم، من بينها بلدنا سوريا. كما وأننا ندعو المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه الأزمة السورية، من خلال ممارسته الضغط على جميع أطراف الصراع فيها، لإيقاف العمليات القتالية، والبدء بالحل السياسي المستند للقرارات الدولية ذات الصلة، ووقف انتهاكات حقوق الإنسان، ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإطلاق سراح كافة المعتقلين على خلفية آرائهم ونشاطاتهم السياسية والجماهيرية المدنية والحقوقية، والكشف عن مصير المختطفين والمفقودين والمختفين قسرياً، ورفع الحصار المفروض على المدنيين في المدن والبلدات السورية، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وحل قضية الشعب الكردي، على أساس الاعتراف بحقوقه وفق القوانين والعهود والمواثيق الدولية.

مركز “عدل” لحقوق الإنسان

20 أيلول/سبتمبر  2019                

أيميل المركز:adelhrc1@gmail.com

الموقع الالكتروني:www.adelhr.org

غوتيريس: اتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا

غوتيريس: اتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا

متابعة مركز “عدل” لحقوق الإنسان

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، اتفاق الأطراف السورية على تشكيل لجنة لإعداد دستور جديد للبلاد، في خطوة تعتبرها المنظمة الدولية مدخلاً أساسياً للعملية السياسية لحل النزاع المستمر منذ أكثر من (8) أعوام.

وقال غوتيريس في مؤتمر صحافي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك: “يوجد الآن اتفاق بين جميع الأطراف على تكوين اللجنة، والمبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسن يضع اللمسات النهائية مع الأطراف في ما يتعلق بالاختصاصات”، معرباً عن أمله في أن “تكون هذه خطوة مهمة للغاية في تهيئة الظروف لحل سياسي لهذا الصراع المأساوي”.

هذا وذكرت صحيفة “الوطن” السورية يوم أمس الخميس 19 أيلول/سبتمبر، أن بيدرسون سيصل الأحد المقبل إلى دمشق ويلتقي الاثنين وزير الخارجية وليد المعلم، وقالت: إن “بيدرسون سيبحث الإجراءات وآلية عمل اللجنة الدستورية، بعد الاتفاق على أسماء هذه اللجنة كاملة، وأعضائها ونسب توزع الأطراف المكونة لها”، مشيرة إلى أنه من المرجح أن يعلن بيدرسون تشكيل اللجنة الدستورية في جلسة لمجلس الأمن الدولي، في نهاية هذا الشهر.

يذكر أن الأمم المتحدة تعمل منذ أشهر على تشكيل هذه اللجنة التي يفترض أن تضم (150) عضواً، يختار النظام خمسين منهم، والمعارضة خمسين آخرين، بينما يختار المبعوث الخاص للأمم المتحدة الخمسين الباقين، لأخذ آراء خبراء وممثّلين للمجتمع المدني في الاعتبار.

ويواجه بيدرسون الدبلوماسي المخضرم، مهمة صعبة تتمثل في إحياء المفاوضات بين الحكومة والمعارضة السوريتين في الأمم المتحدة، بعدما اصطدمت الجولات السابقة بمطالب متناقضة من طرفي النزاع.

وبالإضافة إلى تشكيلة اللجنة الدستورية، فإنّ الخلاف بين المعارضة والنظام يدور أيضاً حول آلية عمل هذه اللجنة وتوزع المسؤوليات بين أعضائها، حيث يخشى دبلوماسيون أن يستغرق وضعها موضع التنفيذ أشهراً عدة أخرى.

ويأمل مبعوث الأمم المتحدة الذي تولى مهامه في كانون الثاني/يناير 2019، أن يتمكن من إحياء عملية السلام المتعثرة بعد أكثر من ثمانية أعوام من الحرب في البلاد.

المصدر: (أ ف ب – 24)

 

 

السيادة والعنف ومقولات السلام في سوريا

السيادة والعنف ومقولات السلام في سوريا

فرهاد حمي

قد يُفهَمُ للوهلة الأولى بأنَّ تناول موضوع السلام في سوريا نوع من ترف فكري أو مناجاة غاندية تُخفي في طياتها الحنين إلى الهدوء والاستقرار ليس إلاّ، لأنَّ خطاب السلم يصطدم على الفور بمنطق القوة وضراوة لعبة التناحر الدولي، وعليه، تدور عجلة الذاكرة الاجتماعية والسياسية مثقلةً بشلال الدم وخيبة الأمل الشعبي، ودياسبورا البحار والمخيمات. حيث تتثاقل ذاكرة كل فرد بذاك الماضي الأليم، والحاضر المضطرب، والمستقبل المجهول.

وسط هذا القنوط النفسي الشعبي والخطر المُفزِّع بعد ثماني سنوات من واقعة سوريا المهولة، ثمَّة محفّزاتٌ تاريخيةٌ وحاضرةٌ تدفعنا إلى إمكانية فتح نوافذ على حلول ممكنةٍ. فمقولة الشاعر الألماني هلدرين الذي وقف بالضدّ من النزعة التشاؤمية “ما ينقذ الوجود أينما وجد الخطر” تُحيلنا في الحقيقة إلى تسليط الضوء على تلك المناشدات القادمة من شمال شرقي سوريا، التي تدعو إلى السلم والتعايش والمساواة، والتي لم تلقى آذاناً صاغية إلى الآن بسبب أسمنتٍ من الأحكام المسبقة المتجذِّرة في الخطابات السلطوية السائدة.

من الجليّ أنَّ بنية الحرب الدائرة في سوريا تكاد تقتلع جذور المجتمع عن بكرة أبيها، غير أنَّ التناقض الذي يتضمن سيناريوهات السلام المطروحة في التعاطي مع الحرب السورية لا يزال رهينة أدبيات القانون الدولي والفكر الغربي الكلاسيكي حول الحرب والسلام، إذ تعظّم تلك الأدبيات شرعية دولة لوياثان عند توماس هوبز، والتي تمنح السيادة المطلقة لجهاز الدولة في فرض آلية الحرب والسلم بغية تجاوز حرب الكل ضدّ الكل على المستوى الداخلي، وترسيم الضوابط والمعايير مع الدول المجاورة. إن كان السلم هو حالة غياب الحرب، فإن سيادة الدولة التي تحتكر العنف وأجهزته، هي من تملك الحق في القول بإعلان السلم والحرب. من المعلوم أنَّ هذه الشرعية القانونية بريادة احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم أقحمت التاريخ الحديث في حروب عالمية ومحلية دامية، والسيادة السورية حتماً ليست استثناء!.

المُستهدف من هذه الأطروحات هو التنوُّع المجتمعي خارج الدولة، وما هو متضخم ومتورم، هو جهاز الدولة ومن يهيمن عليه أو من يريد أن يهمين عليه من المعسكر المعارض. سينعت ميشيل فوكو وهو يتناول تاريخ الحرب والسلم في الحضارة الغربية في كتابه ( الدفاع عن المجتمع)، بأنَّ قوننة مفهوم السيادة، والأمن الوطني، واحتكار العنف في السلم والحرب من قبل الدولة، هي من تحمل وزر الحروب الضارية في العالم ضدَّ المجتمعات.

ما ورد أعلاه، كان استرسال ضروري في فهم آلية السلم في شمال شرقي سوريا، الذي يتخذ من التنوُّع السوري الحقيقي حاملاً وأساساً لصياغة السلم في مواجهة الحرب، ولاسيما أن هذا التنوُّع التاريخي الطبيعي السوري كان، ولايزال مهددا، في فقدان وجوده في البلاد، نتيجة العنف الذي ينطلق من سيادة الدولة القومية الأحادية من جهة، أو العنف الذي يتلبس الثوب الديني الأصولي الأحادي، والذي يتشابك ويتداخل مع عنف الدولة في خنق التنوع السوري من جهة ثانية. وتالياً، ستدور فرضية السلم في شمال شرقي سوريا في إعادة هيكلية مشروع سلمي- سياسي يحتضن ويحتوي هذا التنوع من الاندثار والفناء والتشرذم.

سرديات السلم المزعوم

النظام السوري الذي يتحرك تبعاً لمنطق التفوق العسكري المسنود من إيران والنظام الروسي، يستثمر صيغة (المصالحات والأمن) ضد المجتمع، بغرض تعميم نفوذ الدولة وإعادة صيغة السيادة القومية الأحادية ضد التنوُّع السوري، مستثمراً بذلك حاجة الناس لضمانات أمنية واقتصادية عقب تداعيات كارثية فرضتها التنظيمات المتطرفة على كاهل الناس طيلة اندلاع النزاع السوري. ثمَّة خدعة مفضوحة من قبل الحل الأمني الذي يقترحه النظام، إذ لا يستهدف هذا الحل (السلمي الأمني) في تصفية وجود التنظيمات المتطرفة التي تؤمن بالعنف في عموم البلاد فقط، بل يرمي من وراء ذلك إلى إعادة المجتمع الذي يئن تحت وطأة الأنقاض إلى حظيرته الأمنية، ومن ثم التحايل على الحلول السياسية التي تحمي وتصون كرامة المجتمع وإرادته السياسية.

قد تكون هذه الحلول ساعية إلى استعادة الأمن والسيادة في بعض المناطق، لكنها تزرع في الوقت عينه قنابل موقوتة في أحشاء المجتمع؛ وقابلية تفجير تلك القنابل احتمال وراد في أية لحظة، حالما تسنح لها ظروف مواتية. وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن هذا الحلّ هو مداومة الحرب بطريقة مغايرة ومستورة، وهو لا يمتُ بصلةٍ في فرضية غياب الحرب وفرض السلم المشرِّف الذي يصون هوية المجتمع وكرامته الإنسانية والسياسية.

في حين، تحاول التنظيمات المعارضة المسلحة والمتطرفة، والتي تعمل تحت إمرة تركيا في شمال سوريا، الترويج لنظرية السلم والأمن والاستقرار على غرار رؤية النظام السوري، غير أنَّها استحضرت كل ترسانة التفوق العسكري المسنود من الدولة التركية بغية تصفية مؤسسات المجتمع المحلي وهويته الاجتماعية وإرادته السياسية والأخلاقية، فهذا السلم المزعوم الذي مرّ على عفرين السورية، يحمل في طياته مخططات هندسة المجتمع بقوة العنف اللامحدود، ويقوم على وقع الإمعان في الإبادة والصهر المنظم ضد وجود المجتمع بأكمله. ووفقاً لهذه المقاربة نكون مجددا أمام استمرارية الحرب بكل فجاجتها الموغلة في القهر والهيمنة والموت.

تكمن تراجيديا التنوُّع السوري في أن يُتخذ من الطرفين اللذين لا يؤمنان بالحلّ السلمي على المستوى الداخلي ممثلين وناطقين باسمه في مؤتمرات السلم الدولية، مثل سوتشي- وجنيف، فإن كان هذا السيناريو، هو الحل السلمي الدولي الوحيد إلى هذه اللحظة. فكلا الطرفين يخوضان صراع دموي ضد إرادة المجتمع السوري المتنوِّع، ويتخذان من الضامن الدولي “الروسي- والغربي” داعماً في تحسين موقعهم في الهيمنة والنفوذ والتسلط، ويؤمنان بالحل العمودي العنفي الذي يفرض من الأعلى على حساب التنوع السوري، وكلاهما على استعداد تام بأن يحولا الضامن الدولي الحيادي المفترض إلى سند لتعميق الحروب الدولية على سوريا، وكلاهما يخوضان منذ سنوات لعبة الدسائس والخروقات العسكرية اليومية بغرض استدامة الهيمنة على المجتمع المحلي.

ثمَّة تراجيديا تُكتب باسم السلام الدولي المقترح والمزيف ترسم من قبل أطراف لا تؤمن أصلاً في إسكات صوت السلاح وآلة الحرب، ونموذج إدلب يشكل آخر فصول هذه التراجيدية التي تتماهى مع السخرية في آن معاً.

لكن ما هي الصيغة المطروحة من قبل هذه الأطراف التي تدعو ليلاً ونهاراً بوجوب إبرام وقف إطلاق النار وإطلاق العملية السياسية، وماذا ينشد المبعوث الدولي وهو يحاول تقريب وجهات النظر في عملية المحادثات الجارية مع هذه الأطراف؟ مجدداً يغدو التنوُّع السوري والاختلاف الهوياتي الثقافي هو الضحية الكبرى، فكتلة النظام تؤمن بسيادة القومية الأحادية، في حين ينشد الطرف الإسلامي المعارض في إعادة هوية الدولة- والفرد وفق أدبيات إيديولوجية إنغلاقية بالضدّ من بنية المجتمع السوري، بينما تهرع التكتلات الليبرالية التي لا تمت صلة بالواقع الفعلي المجتمعي في وجوب تحقيق انتصار وهمي عبر تعزيز مفهوم المواطنة والحقوق الفردية أمام جهاز الدولة دون إدراج النطاق المجتمعي المتنوع والعريض على أجندتها، وتالياً ثمة انقلاب ضدّ التنوُّع المجتمعي واختلافه كما هو القائم بصورته التاريخية المتجذرة، أي مواصلة الحرب بطريقة مغايرة ضد المجتمع.

السلم في شمال شرقي سوريا

بين هذه الصيغ المتداخلة والمتطابقة في نهاية المطاف، سيتمحور مشروع شمال شرقي سوريا، وهو يستعين برؤية المفكرة الألمانية “حنا آرنت”، في وجوب تمكين مفهوم “الصفح والتعهد” كصيغة أولية من أجل إخراج المجتمع من ويلات الحروب الداخلية، ويسعى في الوقت عينه إلى ضرورة حماية المجتمع وصون إرادته السياسية التعددية وفق التقاليد الثقافية والدينية والقومية التي تعزز السلم وتتقاطع مع المفاهيم الكونية المعاصرة الداعية إلى حماية المجتمع واختلافاته في مواجهة آلة الحرب المُدارة. وبهذا يدعو هذا الطرح إلى ترسيخ سلام مشرف مع الاحتفاظ بحقه في الدفاع الذاتي ضد محور الحرب القائم سواء داخل سوريا أو خارجها، لأنّ التخلي عن هذا الحق يعني تصفية الهوية السياسية والمؤسساتية لشمال شرقي سوريا التي حاربت التطرف والاستبداد بغرض إفساح الفضاء العمومي (المؤسسات والمجالس السياسية العامة) أمام الناس في التعبير عن هويتهم الثقافية المتنوِّعة، والتي كانت مقموعة ومقهورة من قبل التطرف واستبداد الدولة المركزية في الفترات السابقة. وما صيغة الهدنة المبرمة مع الجانب التركي مؤخراً بالوساطة الأمريكية إلا خطوة حيوية تؤكد على هذا الإصرار والتماسك الحيوي في حق الدفاع الذاتي.

أطروحة شمال شرقي سوريا في مفهوم الصفح، هي مقاربة ملحّة بُغية معالجة ذاكرة الناس. فبدون إدانة الإجرام الماضي إدانة عادلة من قبل المؤسسات القانونية المحلية لا يمكن طي صفحة الماضي عبر اللهث وراء فكرة النسيان الساذج والتسامح والعفو. الذين ارتكبوا الإجرام بحق الأفراد والمجتمع، يلزم إخضاعهم إلى العدالة القانونية وكشفهم أمام الرأي العام والضمير المجتمعي، مثل محاسبة عناصر “داعش” والتنظيمات الإرهابية التي تورطت في ممارسة الإجرام بحق التنوُّع السوري وأفراده.

يجري الصفح والعفو في حالات معينة تماشياً مع التوافق المحلي، بغرض تدشين مرحلة جديدة من آلية التعايش السلمي بعد إدانة الجرائم في المحاكم القانونية وكشفها أمام الرأي العام. أي أن الجرم في عملية الصفح لا يعاقب بطريقة فرض الموت، وإنما بطريقة تنصف ذاكرة المجتمع وتريح الضمير الجمعي والفردي.

بينما تشكّل صيغة التعهد وفق مشروع شمال شرقي سوريا، وجوب تحقيق تعهدٍ اجتماعي أخلاقي وقانوني، من أجل تجاوز آثار الماضي الأليم، وذلك عبر توحيد إرادة التنوُّع السوري المجتمعي من أجل بناء المستقبل. والوعد في هذه الحالة، يعني ضرورة تأسيس عقد اجتماعي جديد يتجاوز مفهوم السيادة عند الدولة القومية الأحادية وعلى هذا المنوال، سيكون بمثابة الصيغة الدستورية التي تحمي الحق القانوني والسياسي والديمقراطي للمجتمع الأفراد، والتعهد كما تقول حنا آرنت (بمثابة جزر من الأمان داخل المحيط في المستقبل اللايقين، علاقة الصفح والتعهد هو بمثابة العيش المشترك والفضاء العمومي المبني على احترام هوية المجتمع واختلافاته ومؤسساته القانونية والأخلاقية والثقافية).

في الواقع، تَنتقدُ صيغة شمال شرقي سوريا مفهوم السيادة التقليدية، الذي أصبح وسيلة احتكارية بيد الطغمة الحاكمة والمعارضة بغرض مصادرة حرية التنوع السوري تحت يافطة الحاجة والأمن. بدون ربط تلك السيادة بصيغة قانونية ودستورية جديدة في سوريا لا يمكن فك معضلة طلاسم حالة الحرب القائمة التي تضرب بنية المجتمع برمته. وهذا الأخير يمر عبر إفساح الفضاء العمومي أمام الناس في تحقيق مقولة الصفح والعهد الجديد، وإحلال هوية سيادية منفتحة ومرنة تحتوي على التقاليد الثقافية والدينية والقومية، وصيانة هوية المجتمع في إطار الإدارة الذاتية الديمقراطية كركيزة حيوية لحماية التنوُّع السوري ضد انتهاكات الدولة الشمولية والأصولية الإسلامية. حينها فقط وفقط، قد تٌطوى صفحة الماضي المؤلم من خلال الحل السياسي، بغرض إنشاء فضاء العيش المشترك وفق تعبير المفكر الفرنسي الراحل بول ريكور.

المصدر: موقع (NPA) الالكتروني

زعيما الأمم المتحدة والصليب الأحمر يناشدان وضع حد لاستخدام الأسلحة المتفجرة في المدن

مركز “متابعة” عدل لحقوق الإنسان

قال الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر اليوم الأربعاء، إنه في ظل  معاناة حوالي 50 مليون شخص في المناطق الحضرية من آثار النزاع المسلح، فإن الحرب في المدن “لا يمكن أن تكون أخبارا منشورة على الصفحة الخلفية”.

وقد أصدر كل من أنطونيو غوتيريش وبيتر مورير نداء مشتركا يدعوان فيه الدول والأطراف المتحاربة إلى تجنب استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان.

وأضافا  “عندما يتم قصف المدن – سواء عن طريق الغارات الجوية أو الصواريخ أو المدفعية أو الأجهزة المتفجرة المرتجلة – فإن المدنيين غالبا ما يتحملون العبء الأكبر”.

في الواقع، فإن الغالبية العظمى من الضحايا – أكثر من 90 في المائة، حسب أحد التقديرات – هم من المدنيين. الصور المروعة من المناطق السكانية في أفغانستان والعراق وسوريا وأوكرانيا – على سبيل المثال لا الحصر – تُظهر نمطا خطيرا من الأذى الذي يتعرض له المدنيون و الذي يصعب تجاهله، لكن يتم تناسيه كثيرا. ”

كما يؤدي النزاع المسلح في المدن إلى تضرر وتدمير المستشفيات ومحطات الطاقة الكهربائية وغيرها من البنى التحتية اللازمة لتشغيل الخدمات الأساسية، مما يزيد من المعاناة التي يعيشها المدنيون.

أولئك الذين بقوا على قيد الحياة وجدوا أن الحياة أصبحت لا تطاق وغالبا ما يجبرون على الفرار، مثل قرابة 100.000 شخص نزحوا بسبب القصف العنيف خلال القتال حول طرابلس بليبيا الذي بدأ في شهر نيسان/أبريل الماضي.

تدمير مكاسب التنمية

التقدم الذي تم تحقيقه على مدى عقود يمكن عكسه بسرعة حيث تتحول المراكز السكانية المفعمة بالحيوية والمزدهرة إلى مدن أشباح– أنطونيو غوتيريش وبيتر مورير

نادرا ما تحتل هذه الحوادث عناوين الأخبار الرئيسية، لكن يجب أن تحتلها. فلا يمكن أن تكون الحرب في المدن أخبارا على الصفحة الخلفية– أنطونيو غوتيريش وبيتر مورير

ويدعو المسؤولان البُلدان إلى تحديد وتبادل الممارسات الجيدة للتخفيف من خطر الأذى المدني في النزاعات المسلحة الحضرية، مثل القيود المفروضة على استخدام الأسلحة المتفجرة الثقيلة في المناطق المأهولة بالسكان.

وحثا الأطراف المتحاربة على استخدام استراتيجيات وتكتيكات تقلل من القتال الحضري مع السماح للمدنيين بمغادرة المناطق المحاصرة.

ويشير نداؤهما إلى أن إدلب في سوريا، وكذلك طرابلس بليبيا، تمرّان  حاليا ب “معاناة وتدمير لا حصر لهما من جراء القنابل والقذائف”، لكنهما ضمن قائمة طويلة من المدن المتأثرة الأخرى بما فيها الموصل وحلب والرقة وتعز ودونيتسك والفلوجة وصنعاء.

وقال الزعيمان “نادرا ما تحتل هذه الحوادث عناوين الأخبار الرئيسية، لكن يجب أن تحتلها. فلا يمكن أن تكون الحرب في المدن أخبارا على الصفحة الخلفية”.

—————————————-

أخبار ” السلام” للأمم المتحدة

بهدف تعزيز السلام والأمن.. بدء أشغال الدورة الـ (74) للجمعية العامة للأمم المتحدة

بهدف تعزيز السلام والأمن.. بدء أشغال الدورة الـ (74) للجمعية العامة للأمم المتحدة

متابعة مركز “عدل” لحقوق الإنسان

بدأت ليلة أول أمس الثلاثاء 17 أيلول/سبتمبر، أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الاعتيادية الرابعة بمقرها الرئيسي في نيويورك، حيث رحب أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، في خطاب الافتتاح، برئيس الدورة الجديدة للجمعية النيجيري البروفيسور تيجاني محمد باندي، مثنياً على الأولويات التي حددها الرئيس باندي لتكون محور خطة قيادته للدورة الـ (74) للجمعية العامة، والتي يتمثل أبرزها في تعزيز السلام والأمن، وجهود القضاء على الفقر، ومكافحة الجوع، ونشر التعليم الجيد، والعمل المناخي وغيرها من القضايا الدولية الهامة، بما فيها المتصلة بجدول أعمال التنمية المستدامة، وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين.
وقال: “أمامنا عام حافل، بدءاً بخمس مؤتمرات قمة هامة حول العمل المناخي، وأهداف التنمية المستدامة، وتمويل التنمية، والرعاية الصحية الشاملة والدول الجزرية الصغيرة النامية”. كما رحب الأمين العام بالتزام الدول الأعضاء في شراكاتها مع الأمم المتحدة، ونوه إلى احتفال الأمم المتحدة العام المقبل بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لإنشائها، مذكرا بالتحديات العالمية والمترابطة بشكل متزايد في عالمنا المتغير بسرعة.
وقال: “مع دخولنا لعقد من العمل بشأن أهداف التنمية المستدامة، وبينما نطلب مزيدا من الإلحاح والطموح بشأن تغير المناخ، واعتبار عام 2020 عامًا حاسمًا، فإنه يتعين إقناع الناس بأن الأمم المتحدة وثيقة الصلة بالجميع وأن التعددية تقدم حلول حقيقية للتحديات العالمية”.
وشدد على ضرورة الشفافية والحوار والتفاهم، مشيرا إلى أن الجمعية العامة هي المنتدى الفريد ولا غنى عنه لإحراز التقدم في معالجة القضايا الحساسة والهامة.
ولفت في هذا الإطار إلى أهمية تعزيز أشكال التعاون المكثف مع المنظمات الدولية والإقليمية الأخرى، والشركات والمجتمع المدني وأصحاب المصلحة الآخرين في إطار من التعددية الشاملة.

المصدر: وكالات

الثورة الحقيقية… تفكيك العقليات التراثية

النظام القديم للفكر العربي انتهى وليس فقط النظام السياسي

هاشم صالح

يتحدثون هذه الأيام عن ضرورة تفكيك «هيئة تحرير الشام» أي «النصرة» أو «القاعدة» سابقاً. وأنا أقول ينبغي تفكيك جميع التكفيريين الظلاميين دون استثناء؛ لأنهم أصبحوا يشكلون خطراً ماحقاً على وحدة البلاد والعباد. ينبغي العلم بأن منهجية التفكيك من أحدث المناهج الفكرية والفلسفية في الفكر الغربي. وهي على عكس ما يوحي اسمها السلبي إيجابية جداً، بل وتحريرية. عموماً، عندما نلفظ كلمة تفكيك مجرد لفظ، فإن الناس يصابون بالهلع والاشمئزاز. لكن على مهلكم يا إخوان! فهذا ناتج من فهم خاطئ لواحد من أهم المصطلحات في تاريخ الفلسفة المعاصرة. وكان أول من اخترعه هيدغر قبل أن يأخذه عنه جاك دريدا ويستحوذ عليه إلى درجة أن الناس اعتقدوا أنه له ونسوا مخترعه الأصلي تماماً. للحق والإنصاف، فإنه اعترف لي بذلك عندما قابلته يوماً ما في مكتبه الجامعي في شارع راسباي بباريس. كان ذلك أيام زمان عندما كان صاحبكم جهادياً عنيفاً مستعداً للتضحية بنفسه. على أي حال، فهيدغر فيلسوف ضخم على عكس دريدا الذي يمكن اعتباره فيلسوفاً من الحجم المتوسط في أحسن الأحوال. إنه فيلسوف ثرثار وممل في أحيان كثيرة. لكن له بعض اللمحات واللمعات والإضافات. لا ينبغي أن نحتقره أكثر من اللزوم. ومعلوم أن الفلاسفة الكبار هم وحدهم القادرون على اختراع المصطلحات الكبرى التي تضيء تاريخ الفكر وتشق دياجير الظلمات. مصطلح واحد قد يضيء لك الدنيا. بل إن أبوة المصطلح تعود إلى نيتشه أستاذ هيدغر ودريدا في آن معاً. ومعلوم أنه لم يكن يتفلسف إلا والمطرقة في يده بغية تحطيم الأوثان والأصنام: أي العقائد الدوغمائية المتحجرة الموروثة عن الماضي، وكذلك الشخصيات التراثية التي يبجلها الناس ويخضعون لها دون نقاش. (بين قوسين: أنا في هذه اللحظة بالذات مضطر إلى تحطيم أعز الناس عليّ، ألا وهو والدي لأنه كان شيخاً ظلامياً على عكس عمي الكبير المستنير الشيخ محمد). بل، ويمكن القول بأن أبوة المصطلح تعود إلى زمن سابق حتى على نيتشه. إنها تعود إلى لحظة ديكارت، مؤسس الفلسفة الحديثة. ومعلوم أنه قال بعد أن تجلت له الحقيقة ساطعة كوجه الشمس: «ولذلك قررت عموماً أن أدمر كل أفكاري السابقة». لم يستخدم مصطلح التفكيك وإنما التدمير! وهو أشد خطورة بكثير. وكان يقصد به أنه بعد أن بلغ سن الرشد وتوصل إلى الحقيقة والمنهج الصحيح قرر التخلي عن كل أفكاره التراثية التي تربى عليها في البيت والمدرسة والكنيسة والطائفة. وعندئذ قام بأكبر انقلاب على الأفكار القديمة التي كانت سائدة في عصره والتي تشربها مع حليب الطفولة ككل أبناء جيله. وعلى هذا النحو استطاع أن يؤسس الفلسفة الحديثة التي قادت الغرب على طريق التقدم والعقلانية والسيطرة على الطبيعة. وهذا يعني أنه لا تركيب من دون تفكيك، لا تعمير من دون تدمير، لا انطلاقة جديدة من دون تعزيل للتراكمات. وعلى هذا النحو تقدم الغرب بشكل مطرد منذ عصر النهضة وحتى اليوم. في كل مرة كانت تطبق عليه ظلمة جديدة كان يظهر فيه مفكر كبير لكي يعزل التراكمات ويبدد الظلمات. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين العالم الغربي – والعالم الإسلامي، حيث يسود الجمود التراثي إلى أبد الدهر. لكن التفكيك الأكبر بالطبع هو ذلك الذي أصاب اللاهوت المسيحي التكفيري القديم. هنا جرت المعركة الحقيقية بين أنصار القديم وأنصار الجديد. وهي معركة شقت تاريخ الغرب إلى قسمين ما قبلها وما بعدها. لو لم ينتصر فلاسفة التنوير فيها لما تمكنوا من الخروج من العصور الوسطى المسيحية وتشييد أسس الحضارة المدنية الحديثة. لو لم ينتصر حزب الفلاسفة على حزب «الإخوان المسيحيين» الأشداء لما استطاعوا تجاوز العصبيات الطائفية التي كانت تمزقهم، ولما تشكلت دولة مدنية حديثة تساوي في المواطنة بين مختلف فئات الشعب بغض النظر عن أصولهم العرقية والدينية. لو لم ينتصر إعلان حقوق الإنسان والمواطن على العقائد الكنسية القديمة لما نفضت أوروبا عن ظهرها كابوس القرون الظلامية والحروب المذهبية. هكذا، نلاحظ أن للتفكيك وظيفة تحريرية هائلة في التاريخ. انسوا معناه السلبي فوراً إذا كنتم قادرين على ذلك، خصوصاً في هذه الظروف العصيبة. التفكيك الفلسفي إذا ما تم بشكل ناجح وموفق فإنه يحرر الطاقات المخزونة والعزائم المسجونة. التفكيك ينتقل بك من مرحلة سابقة إلى مرحلة لاحقة، من مرحلة الجمود والصدأ إلى مرحلة الإبداع والانعتاق. لا نستطيع الانتقال إلى المرحلة الحداثية قبل تفكيك المرحلة التراثية. أكاد أقول بأن المنهجية التفكيكية تنطبق أيضاً على العلاقات الغرامية. لا يمكن الانتقال من حب سابق إلى حب لاحق قبل أن تتفكك عرى الحب السابق في الذاكرة وتشحب رويداً رويداً. عندئذ تصبح مستعداً كل الاستعداد «للانقضاض» على العروس الجديدة! هل فهمتم منهج التفكيك الآن؟ هل عرفتم معنى القطيعة الأبستمولوجية؟ هل أدركتم جدوى «الخيانات» الخلاقة؟ اللهم قد أوضحت بما فيه الكفاية وفضحت أعماقي الشريرة ولا زائد لمستزيد…

والآن، نطرح هذا السؤال: أين نحن كعرب وكمسلمين من هذه الحركة الكبرى التي دشنت العصور الحديثة: أقصد حركة التفكيك الفلسفي لليقينيات التراثية والفتاوى التكفيرية التي عفا عليها الزمن، ومع ذلك فلا تزال رابضة على صدورنا وتتحكم بأعناقنا وتمزق شعوبنا؟ إننا نقف على أبوابها. آلاف اليقينيات التراثية الراسخة رسوخ الجبال سوف تتفكك وتنهار خلال السنوات المقبلة لكي تحل محلها الحقائق التاريخية المنبثقة من تحت ركام القرون. كل شعارات «العصر الآيديولوجي العربي» وكذلك «العصر اللاهوتي العربي» أصبحت خارج قوس. النظام القديم للفكر العربي انتهى أيها السادة وليس فقط النظام السياسي. إنه يتصدع من كل الجهات سقوفاً وجدراناً. هذا النظام الذي حكم العرب طيلة ألف سنة – أي منذ الغرق في العصور الانحطاطية السلجوقية والمملوكية والعثمانية – دخل مرحلة الاحتضار الآن. لكنه سيضرب بكل قواه قبل أن يشهق شهقته الأخيرة. وهذا معنى ظهور كل هذه الحركات الجهادية التي انفجرت كالبركان في السنوات الأخيرة.

أخيراً، سأقول بأن القطيعة التراثية لا تقل خطورة عن القطيعة الغرامية من حيث التمزقات الموجعة «وآلام الانفصال» كما يقول هيغل. لكن لا بد مما ليس منه بد. انظروا كم كلفتهم عملية الانفصال عن الأصولية المسيحية من مخاضات هائلة ونزيف داخلي حاد. لقد زهقت أرواحهم تقريباً أثناء عملية الانتقال أو الانفصال. فليس من السهل أن تنفصل عن شخصيتك التراثية المتجذرة في أعماق أعماقك. لكن هذا هو ثمن الحداثة: مهرها غال. ولذلك؛ أنصحكم وأنصح نفسي بألا تخافوا كثيراً إذا ما حصل تفكيك أو تقسيم في المرحلة المقبلة. فهو ليس إلا مرحلة انتقالية عابرة تمهد لمرحلة تركيب أو توحيد لاحقة على أسس صحيحة ومتينة. فما بعد اللحظة الظلامية إلا اللحظة التنويرية. وهي وحدها القادرة على احتضاننا جميعاً ودمجنا كلنا في مشروع مستقبلي كبير يتجاوز طوائفنا وانقساماتنا التي تكاد تدمرنا.

أضيف بأننا نحن العرب نعيش عصر الحيرات الكبرى والبلبلات المدوخة للعقول. في مثل هذا الجو يختلط الحابل بالنابل وتنعدم البوصلة وتضيع الناس. الجميع يخبطون خبط عشواء في الاتجاهات كافة دون أي أفق أو منفذ أو خلاص. لا أحد يعرف أين يتجه ولا كيف. أكاد أقول لم يعد أحد يثق بأحد ولا بأي شيء. كل الحلول جربت وفشلت. وبالتالي، فالمسألة ليست مزحة على الإطلاق. القصة أكبر مما نتصور بكثير. ومن المسؤول عن تشخيص الوضع المضطرب وإيجاد الحلول؟ ليس رجل السياسة على عكس ما نتوهم، وإنما رجل الثقافة. كل الأمم التي عاشت مثل هذه الظروف المدلهمة أنقذت من قبل فلاسفة كبار لا من قبل سياسيين. دور السياسي يأتي لاحقاً. لكن قبل ذلك ينبغي تمهيد الطريق وفتح الأفق المسدود.

بعض الفلاسفة يتحدثون عن العتمات أو الظلمات الكبرى التي قد تصيب الأمة أو تطبق عليها من حين إلى آخر. وفي مثل هذه الظروف المدلهمة يظهر المفكرون الكبار. فهم وحدهم القادرون على شق العتمات وتبديد الظلمات. الفكر رادار يضيء السماء المكفهرة والتراكمات. لا ريب في أن الأمتين العربية والإسلامية ككل تعيشان الآن هذا المنعطف التاريخي الخطير. لا ريب في أن الظلمات أطبقت عليهما. ولكي نفهم الأمر على حقيقته، بكل أبعاده، يستحسن بنا أن نستضيء بتجارب الأمم الأخرى التي عاشت مثل هذه الحالة وخرجت منها. أقصد هنا بالطبع الأمم المتقدمة التي لم تعد خائفة على مستقبلها بعد أن اكتشفت الطريق الموصلة إلى الخلاص: أي إلى الخروج من العتمة المطبقة على صدر الأمة. من الذي أخرج الأمة الألمانية من حيرتها الكبرى في القرن السادس عشر؟ شخص واحد يدعى مارتن لوثر. وهو نفسه كان مصاباً بأزمة داخلية حادة كادت أن تعصف به. لكنه بعد أن تغلب عليها، بعد أن حلها قبل أن تحله وتقضي عليه، تحول إلى مارد جبار واستطاع أن يحل مشكلة الأمة الألمانية، بل والمسيحية الأوروبية ككل. من الذي أخرج الأمة الإنجليزية من ضياعها في أواخر القرن السادس عشر وبدايات السابع عشر؟ شخص يدعى فرنسيس بيكون. فهو الذي أعطاها المفتاح العلمي والفلسفي المؤدي إلى الخلاص. أما لوثر قبله فكان قد أعطاها المفتاح اللاهوتي. من الذي أخرج الأمة الفرنسية من بلبلتها الكبرى في القرن السابع عشر؟ إنه شخص واحد أيضاً يدعى رينيه ديكارت. عندما صدر كتابه الشهير «مقال في المنهج» عرف الفرنسيون أنهم قد وصلوا إلى شاطئ الأمان، أنهم قد أمسكوا بأول الخيط، أنهم قد توصلوا إلى المنهاج الصحيح المؤدي إلى الحل. نعم، لقد أدركوا أن مشكلتهم قد حلت، وشدتهم انفرجت، بعد أن خرج بين ظهرانيهم فيلسوف ضخم يعرف كيف يحل عقدة العصر. الشيء نفسه يمكن أن يقال عن كانط في القرن الثامن عشر. هو أيضاً حل عقدة العصر الألماني كله عندما أصدر كتابه الشهير «نقد العقل الخالص». ثم تبعه كتاب «نقد العقل العملي»، وأخيراً كتاب مهم جداً هو: «الدين ضمن حدود العقل فقط». لقد عرف بضربة معلم عبقرية كيف يجد ثلاثة حلول دفعة واحدة: حلاً فلسفياً، وحلاً عملياً، وحلاً دينياً. وهكذا، صالح بين العلم والدين والفلسفة، وحل عقدة العصر المستعصية على الحل. وعندئذ شعر الألمان بأن نبياً جديداً قد ظهر فيهم وأعطاهم ثقة هائلة بأنفسهم. وما عادوا خائفين، قلقين، مضطربين… وإذن، فلكل عصر عقدته المستعصية التي لا يقدر عليها إلا الأنبياء أو الفلاسفة الكبار. الشيء ذاته يقال عن هيغل في القرن التاسع عشر؛ فقد كان راداراً مشعاً وضرب ضربة عبقرية عندما اكتشف القوانين التي تتحكم بحركة التاريخ البشري. وقل الأمر ذاته عن هيدغر في القرن العشرين، أو هابرماس حالياً، الخ… بالطبع، هناك مفكرون آخرون لا يقلون أهمية وليس هدفي تعداد الجميع؛ فهذا فوق استطاعتي وفوق إمكانات مقال واحد. لكن بشكل عام، فإن المثقفين الكبار هم منارات الشعوب التي تضيء لها الطريق. فلولاهم لبقينا نخبط خبط عشواء في الظلماء… والسؤال المطروح هنا هو التالي: أين هم عباقرة العرب والإسلام؟ هل عقمت الأمة العربية عن الإنجاب؟ لماذا لا يوجد مفكر واحد في حجم ديكارت أو سبينوزا أو كانط أو هيغل أو نيتشه أو ماركس، الخ…

————————————————

هاشم صالح

الشرق الأوسط: الاثنين – 17 محرم 1441 هـ – 16 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14902]

أعداد المهاجرين تنمو بمعدلات أسرع من تنامي أعداد سكان العالم

  مركز “متابعة” عدل لحقوق الإنسان

بلغ تعداد المهاجرين الدوليين، المتزايد باستمرار، 272 مليونا – وهو معدل يفوق سرعة نمو  تعداد سكان العالم، حسب بيانات جديدة صدرت اليوم الثلاثاء عن إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة.

وتعكس الأرقام المتصاعدة قفزةً تفوق أرقام عام 2010 ، حيث كان مجموع المهاجرين الدوليين (أي كل شخص يغير بلد إقامته المعهود) 221 مليون فرد مهاجر. ووفقا لهذه الأرقام يشكل المهاجرون الدوليون الآن نسبةَ 3.5% من سكان العالم.

وتستند التقديرات التي يوردها التقرير الأممي على الإحصاءات الوطنية الرسمية لسجلات السكان الأجانب خلال التعدادات السكانية. ويضم هذا وصف السكان الأجانب الذي تعكسه الأرقام أي شخص يتحرك أو ينتقل عبر حدود دولية، بغض النظر عن حالة الجنسية أو الدافع وراء انتقاله- بمعنى أن البيانات تشمل الأشخاص الذين انتقلوا بإرادتهم واختيارهم أو الذين اضطروا للانتقال.

“أكبر عدد من المهاجرين في دولة واحدة”

وتستضيف أوروبا أكبر عدد من المهاجرين الدوليين، إذ يبلغ مجموعهم الآن 82 مليونا؛ تليها أمريكا الشمالية التي تضم 59 مليونا من بينهم 51 مليونا في الولايات المتحدة وحدها، وهو “أكبر عدد من المهاجرين في دولة واحدة”.  أخيرا، تستضيف منطقتا شمال أفريقيا وغرب آسيا حوالي 49 مليون مهاجر. وتشهد هاتان المنطقتان بالإضافة إلى “أفريقيا جنوب الصحراء” أكبر تدفقات من أعداد السكان الأجانب.

كما يوضح التقرير أن “نسبة المهاجرين الدوليين من إجمالي السكان” تختلف اختلافا واسعا بين منطقة وأخرى، فعلى سبيل المثال يشكل الأفراد المولودون في الخارج نسبة 21% من سكان منطقة أوشينا (أستراليا ونيوزيلندا) بينما يمثلون 16% من مجموع السكان في أمريكا الشمالية.

الولايات المتحدة وألمانيا والسعودية

مع استمرار تزايد النزوح القسري فإن اللاجئين وطالبي اللجوء يمثلون تقريبا ربع الزيادات العالمية في أعداد المهاجرين الدوليين، والتي ارتفعت بمقدار 13 مليون في الفترة من 2010 إلى 2017.

وعلى الرغم من أن الهجرة عالمية، إلا أن معظم رحلات التنقل تتم ضمن مجموعة محدودة من الدول، وتصنف الولايات المتحدة وألمانيا والمملكة العربية السعودية في المراكز الثلاثة الأولى.

تسهيل هجرة الناس وتنقلهم بشكل منظم وآمن، ومنتظم ومسؤول، سوف يسهم كثيرا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة–وكيل الأمين العام ليو زينمان للشؤون الاقتصادية والاجتماعية

وقد صرح مدير قسم السكان في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، جون ويلموث، للصحفيين في الأمم المتحدة بأن العلاقة بين الهجرة والتنمية هي علاقة “راسخة للغاية” مرددا ما أكدته رسالة وكيل الأمين العام ليو زينمان قبل صدور التقرير.

وكان ليو زينمان قد قال في رسالته إن هذه “البيانات شديدة الأهمية” لفهم الدور الذي يلعبه المهاجرون وتلعبه الهجرة في تنمية كل من “بلد المنشأ والمقصد”.

وشدد وكيل الأمين العام على أن “تسهيل هجرة الناس وتنقلهم بشكل منظم وآمن، ومنتظم ومسؤول، سوف يسهم كثيرا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة”.

وقال السيد ويلموث، كملاحظة عامة عن التقرير، فإن مساهمة المهاجرين في كل من البلدان المضيفة وبلدان المنشأ، تشمل إرسالهم تحويلات مالية قيمة إلى بلدانهم الأصلية، كما يقدمون مساهمات اجتماعية كبيرة من خلال نقلهم للأفكار.

وتلتزم الأمم المتحدة بدعم الهجرة الآمنة من خلال الاتفاقات الدولية لحماية اللاجئين والمتنقلين بين الحدود بشكل عام. وقد اعتمدت الأمم المتحدة  الاتفاق العالمي بشأن اللاجئين والاتفاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي.

——————————-

أخبار الأمم المتحدة

 

الكردي الجيد والكردي السيئ

بكر صدقي

يبدأ كثير من المتكلمين السوريين كلامهم بشأن المسألة الكردية بمديح «الأخوة» الكرد وفضائل التعايش والتسامح، وغيرها من المقدمات اللطيفة، لينقضّوا، بعد ذلك، على كل مطلب سياسي لهذا القوم الإشكالي، بذريعة ممارسات قوى سياسية كردية، قد لا يختلف كثير من الكرد أنفسهم على مساوئها. والحال أن الكردي الجيد، في نظر الرأي العام العربي، هو ذلك الذي «يعرف حدوده» وحدود مطالبه، بصرف النظر عن حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، وممارسته السياسية أو مشاريعه الكانتونية أو الفيدرالية أو التوسعية. سبق لي تناول سياسات وممارسات هذا الحزب، في مقالات عدة، ولا يتسع المجال هنا لتكرارها في مقال مخصص لزاوية نظر أخرى إلى الموضوع.

مر الرأي العام العربي في سوريا، في تعاطيه مع المسألة الكردية، بعدة مراحل: أولاها التجاهل التام، بل قل الجهل النابع من عدم الاكتراث؛ وثانيتها بداية الاهتمام بالمسألة بوصفها خطراً على وحدة البلاد، مع تطوير مقاربات مختلفة لتفادي هذا الخطر؛ وثالثتها بداية الصدام المباشر.

ليست المراحل المذكورة أطواراً في الوعي وإعمال الفكر، معزولة عن الوقائع، بل هي انعكاسات مطابقة، إلى حد كبير، لتطورات الواقع المتحرك. فقد ارتبط الجهل والتجاهل وعدم الاكتراث مع حقبة طويلة من استفراد السلطة بمعالجة المسألة الكردية من منظور أمني، أي بوصفها خطراً على الأمن القومي ووحدة البلاد. من أبرز مفردات هذه المعالجة، الإحصاء الاستثنائي للعام 1962 الذي حرم عشرات آلاف الكرد من الجنسية السورية، تحولوا إلى مئات الآلاف مع توالد أجيال جديدة من هؤلاء «الأجانب» حسب التوصيف الرسمي؛ ومشروع الحزام الأخضر الذي قام على تغيير ديموغرافي لتشتيت الوجود الكردي جغرافياً، وإنشاء عازل بشري بين كرد سوريا وأبناء جلدتهم في تركيا. لا يمكن التعاطي مع المسألة الكردية اليوم بتجاهل هذه الوقائع، أو القفز من فوقها، أو الوعد بتلافي نتائجها، كالقول إن قيام نظام ديمقراطي على أساس المواطنة المتساوية كفيل بحل كل المشكلة الكردية. أو كالقول إن نظام الأسدين ظلم الشعب السوري بكل فئاته، فلا مظلومية تفضل على أخرى. لم تتعرض كل فئات السوريين لإسقاط جنسية قسم منها، أو لتغيير ديموغرافي، أو لحظر استخدام لغتها الأم وثقافتها الخاصة، أو للتهميش من مواقع معينة في جهاز الدولة لأسباب غير سياسية. هناك سوريون آخرون تعرضوا لاضطهاد سياسي، بلغ درجة الإبادة، لا شك أن آلامهم تفوق آلام الكرد، كتدمير مدينة حماه على رؤوس ساكنيها، في العام 1982، وقتل عشرات الآلاف من أهل المدينة المنكوبة. بيد أن موضوع حديثنا هنا لا يتعلق بدرجات الألم التي قد لا يفيد إجراء مقارنات فيما بينها، بل بأساس المظلومية القائمة على الانتماء الذي لا خيار للمرء فيه. لم يقتل الحمويون لأنهم حمويين أو سنّة، بل لأن النظام اعتبرهم حاضنة اجتماعية لحركة التمرد المسلح الإخوانية. في حين يقف وراء إجراءات كالإحصاء الإستثنائي والحزام العربي، اعتبار العنصر الكردي خطراً على وحدة البلاد، الأمر الذي لا يمكن مواجهته إلا بتطهير عرقي شامل، لم تكن الظروف مواتية لتنفيذه بصورة كاملة، في أي وقت من عمر الكيان السوري. فلم تقم تمردات كردية كبيرة إلى الحد الكافي لتبرير تطهير عرقي واسع النطاق.

تخبرنا وقائع التاريخ السوري بأن الإجراءات المذكورة (وملخص فلسفتها موجود في الكتيّب الشهير للضابط محمد طلب هلال) بدلاً من أن تحقق مقاصدها بإزالة «الخطر الإنفصالي» المفترض، أدت إلى العكس تماماً: نمو الوعي القومي للكرد وتطور مطالبهم التي بدأت برفع المظالم والحقوق الثقافية، لتنتهي إلى إرادة الاستقلال. هذا منطقي: أنت لا تعتبرني جزءًا من الشعب السوري، بل خطراً على وحدة البلاد، ثم تطالبني بالتمسك بالهوية الوطنية. هذا غير منطقي ولا عادل. أنت لا تراني جزءًا منك، ليكن إذن، أنا لستُ جزءًا منك. هذه هي المعادلة الأساس في المسألة الكردية في سوريا. بل أكثر من ذلك، فالإطار المرجعي الذي يدور الحديث عليه، الكيان السوري، هو إطار إشكالي تكوينياً. فلم تشهد سوريا، طيلة تاريخها القصير، إجماعاً وطنياً على شرعية هذا الكيان، بل احتقرته الإيديولوجيات الرائجة (القومية العربية والإشتراكية والإسلامية والقومية السورية) لمصلحة كيانات افتراضية أو متخيلة. فما الغريب، والحال هذه، أن يلقى المصير نفسه لدى الإيديولوجيا القومية الكردية، خاصةً وأنها الشقيقة الصغرى لتلك الأيديولوجيات ولا طموحات مركزية لديها، أي الإمساك بالسلطة في سوريا؟

حين لعب الدكتاتور الراحل حافظ الأسد بورقة حزب العمال الكردستاني للصراع مع تركيا، منذ منتصف الثمانينات، لم يلق هذا الحزب أي اعتراضات من الرأي العام، بما في ذلك التيارات المعارضة للنظام، مع أنه كان يجند الشبان الكرد السوريين ويرسلهم للقتال في تركيا، ويجبي الخوات من المقتدرين الكرد السوريين لتمويل حربه في تركيا. بل إنه بلغ الأمر ببعض قوى المعارضة حد الاعتراف بحق تقرير المصير للكرد، ما دام الأمر لا يتعلق بسوريا.

المرحلة الثانية تقابل انتفاضة 2004 وما تلاها من سنوات. فلأول مرة، في تاريخ الكيان السوري، يقوم تمرد شعبي واسع النطاق ضد النظام. بدءًا من تلك اللحظة بدأ اهتمام جدي بالمسألة الكردية في سوريا. لكن الاهتمام كان نابعاً من خوف. فهذا الكردي الضعيف الذي طالما اتهمناه بالنزعة الانفصالية، بغير وجه حق، أثبت أنه يملك القوة ويستطيع أن يفعل الكثير. ما الذي يضمن عدم مطالبته بالاستقلال، إن لم يكن اليوم، فغداً أو بعده. وإذا كان النظام اختار مزيجاً من الحل الأمني العنيف وشيئا من السياسة، في مواجهة الانتفاضة، فالرأي العام، بما فيه المعارضة، اختار المواجهة الإيديولوجية: فاكتشف أن كرد سوريا بأكثريتهم جاؤوا من تركيا، وإذا كان لا بد من تقديم بعض التنازلات، فلتكن محصورة بالحقوق الثقافية ورد بعض المظالم كالإحصاء الاستثنائي، على ألا تصل درجة التنازل عن جزء من الأرض السورية. وتقابل المرحلة الثالثة سنوات الثورة السورية وتداعياتها المستمرة إلى اليوم. كانت ثورة آذار 2011 فرصة حقيقية لتشكل شعب سوري وهوية وطنية سورية لم يوجدا قط قبل ذلك. الفرصة أهدرت، ليس فقط فيما خص المكوِّن الكردي، بل كل السوريين بمختلف انتماءاتهم الجزئية. وبخصوص الكرد والمسألة الكردية، لا يتحمل ما أسميناه بالرأي العام (العربي) وحده مسؤولية هذا الإهدار، بل يشاركه في المسؤولية الرأي العام الكردي المبني، إلى حد كبير، على ردات الفعل. وهذه، في نهاية التحليل، حصيلة تراكم تاريخي يغطي معظم عمر الكيان السوري.

الشروط المعروفة لتصدر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المشهد الكردي في سوريا، أدت إلى تعقيد المسألة الكردية بأكثر مما كانت في السابق. وجاء استقواء هذا الحزب بالأمريكيين والروس لتوسيع مناطق سيطرته خارج المناطق الكردية، ليشكل نذير صراع عرقي لا سوابق له في تاريخ سوريا، باستثناء نموذج مصغر عنه في انتفاضة 2004.

————————————————-

بكر صدقي:  كاتب سوري

من صفحة الكاتب: د خالد حسين

الأمم المتحدة تتبنى مبادرة لبنان إنشاء “أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار”

الأمم المتحدة تتبنى مبادرة لبنان إنشاء “أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار”

متابعة مركز “عدل” لحقوق الإنسان

صوتت الجمعية العمومية للأمم المتحدة أمس بغالبية (165) دولة على المبادرة التي كان قدمها رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون لإنشاء “أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار”.

وتعليقاً على ذلك، قال الرئيس عون إن هذا التصويت “يعطي لبنان دفعا إضافياً للسير قدماً في تحقيق هذه المبادرة التي تساهم في إرساء لغة الحوار ونبذ العنف والتطرف”. وبعدما شكر الدول التي دعمت مشروع القرار وصوتت له، أكد أن “إنشاء الأكاديمية سوف يضع لبنان في موقعه الطبيعي الرائد على صعيد الحوار بين الثقافات والأديان ونشر رسالة التلاقي والتواصل بين الشعوب”. كما أكد “استمرار التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة في سبيل تعميم ثقافة الحوار ومعرفة الآخر، خصوصاً على صعيد الشباب بما يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة وأهدافها”.

وقالت مندوبة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة أمال مدللي في كلمة لها إن “الأكاديمية هي مبادرة أطلقها الرئيس عون لمنح لبنان والمنطقة والعالم ساحة جديدة لتعم ثقافة السلام والتعايش والتسامح، خصوصاً أن لبنان خبر الألم والحرب وتعلم تحويل السيوف إلى محاريث”. ورأت أن “هذه المبادرة جاءت في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى مثل هذه الخطوات، حيث يشهد العالم انقسامات عديدة وانتشار خطاب الكراهية، فيما يجب علينا أن نتعلم العيش بسلام”.

وأوضحت أن “هذه هي الروح التي ألهمت المبادرة في بلد جامع يحظى بخلفيات دينية واثنية مختلفة، وحديقة حاضنة لمعتقدات وعقائد روحية عديدة تسعى إلى غاية واحدة”. مضيفة: “أن دعمكم لمشروع القرار هذا هو تصويت للسلام، ولشكل مختلف من أشكال القلق الإنساني مما نراه اليوم من حولنا، أنكم تمنحوننا الأمل. أن المشروع يستذكر كل قرارات الجمعية العمومية ذات الصلة بثقافة السلام ويرحب بمبادرة إنشاء (أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار) في بيروت ويشجع الأمين العام ووكالات الأمم المتحدة الخاصة ذات الصلة على دعم جهود الأكاديمية، كل في حدود الموارد المتاحة له ووفقا للولاية الموكولة اليه”.

المصدر: صحيفة “النهار”، 17 أيلول/سبتمبر 2019

رئيس لجنة التحقيق بسوريا “منطقة خفض التصعيد” تحولت لساحة معركة

رئيس لجنة التحقيق بسوريا “منطقة خفض التصعيد” تحولت لساحة معركة

متابعة مركز “عدل” لحقوق الإنسان

أعلن رئيس لجنة التحقيق بشأن سوريا باولو سيرجيو في مداخلة حول سوريا بمجلس حقوق الإنسان، يوم أمس الثلاثاء 17 أيلول/سبتمبر، أن “منطقة خفض التصعيد” في إدلب تحولت إلى ساحة معركة.   

وأكد باولو سيرجيو بينيرو في مداخلته على أن عمليات الحكومة السورية في إدلب تسببت بنزوح نصف مليون مدني، مضيفاً أن العديد من النازحين يعيشون في ظروف سيئة وينامون في العراء.

وتأتي تصريحات بينيرو بعد أن كانت القوات التابعة للحكومة السورية، قد هاجمت خلال الأشهر الأخيرة، محافظة إدلب التي تقع ضمن مناطق خفض التصعيد، حيث يتحصن مقاتلون متطرفون أجانب إلى جانب فصائل أخرى أكثر اعتدالاً، قبل أن يتم الاتفاق على وقف للنار خرقه النظام عدة مرات في الأسابيع الأخيرة.

ومن جانب آخر تطرق إلى وضع النازحين في مخيمي الركبان والهول، قائلاً: “الناجين من فظائع داعش في مخيم الهول يعانون ظروفا غير مستقرة”. مضيفاً: “أن النازحين في المخيمين المذكورين يعيشون أوضاعاً سيئة جداً”.

هذا ويبلغ تعداد سكان مخيم الهول نحو (74) ألفاً، بحسب مسؤولين في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ويعد هذا الرقم ضخماً، حيث يشكل الأطفال أكثر من ثلثي هذا الرقم، حيث تصل نسبتهم في المخيم إلى (66%) من عدد السكان، و“أغلبهم لا يملكون أوراقا ثبوتية”، لا سيما الذين ولدوا على أرض ما سمي بـ “دولة الخلافة” المزعومة بعد التحاق آبائهم بها، بحسب تقارير للأمم المتحدة.

المصدر: وكالات