تُستخدم الرسوم الهزلية (الكاريكاتورية) منذ القرن التاسع عشر في تسليط الأضواء بصورة ساخرة على الصفات البارزة للشخصيات الشهيرة أو للتعليق الساخر على أحوال أمة بأسرها. وتعكس الحالة الأخيرة بعضاً من الأمثلة المعروفة لدى الجميع من شاكلة شخصية «العم سام» بقبعته الطويلة، ممثلاً للولايات المتحدة. وتمثل المملكة المتحدة شخصية هزلية تدعى «جون بول» بقبعته القصيرة، وبطنه المنتفخة. أما الشخصية الفرنسية الساخرة فتحمل اسم «غاستون دوبون» الذي يرتدي البيريه الشهير، مع رغيف الخبز الطويل تحت إبطه، مدخناً سجائر غولوسيه الفرنسية القديمة. ومن جانبها – وأعني جمهورية إيران الإسلامية – فتمثلها شخصية «عويار حسان» الهزلية، الذي يعتمر القبعة المقوسة الصغيرة، مع قميص طويل، وسروال فضفاض.
وظهرت شخصية «عويار حسان» الهزلية للمرة الأولى في المجلات الإيرانية الساخرة مع بدايات القرن العشرين عندما كانت نسبة 80 في المائة من مواطني إيران يقطنون المناطق الريفية ويمتهنون الزراعة. وكانت شخصيته تعكس المزارع الإيراني البسيط الذي يفتخر دوماً بتاريخ بلاده العريق وماضيها التليد، لكنه دائم الخوف من مستقبلها الغامض المجهول. أما بالنسبة للعصر الحاضر، فإن شغله الشاغل منصبّ على «لقمة العيش» التي يحاول الحصول عليها وتأمينها يوماً بيوم. وللمضي قدماً في مجاهل الحياة، يركن «عويار حسان» في أول أمره على حدسه وغرائزه التي لا تخطئ وتُملي عليه دائماً النأي بنفسه عن الانشغال بالأمور العامة، وألا تكون له آراء محددة بشأن أي شيء، والأهم من كل ذلك، عدم إغضاب «المدينة» التي يعيش فيها علية القوم الذين هم أفضل منزلة، ويحكمون منها العالم بأسره. ومنذ أول ظهور له، مر «عويار حسان» على ثورتين كاملتين، وشهد حربين عالميتين مدمرتين، وتغيرين كبيرين في الأسر الحاكمة، مع زيادة هائلة بلغت ثمانية أضعاف من تعداد سكان البلاد. وفي غضون ذلك، تحولت الدولة الإيرانية إلى بلاد يغلب عليها طابع المدنية والتحضر، مع أناس من شاكلة «عويار حسان» (المزارعين) باتوا يشكلون نسبة لا تتجاوز 20 في المائة من إجمالي تعداد السكان.
غير أن اللافت للنظر في تلك الشخصية الهزلية، أن السمات الرئيسية للمدعو «عويار حسان»، على النحو الموضح في المجلات الساخرة تواصل إبراز الصفات الرئيسية للمواطن الإيراني العادي، على افتراض مفاده أن أي مواطن إيراني متواضع لا يضع نفسه في مرتبة أعلى من المواطن البسيط. ويكمن هنا سؤال حول ما إذا كانت الشخصية الهزلية، وبعد مضي قرن كامل من الزمان على أول ظهور لها، لا تزال تمثل المواطن الإيراني نفسه الذي يتيه فخراً بأمجاد الماضي، ويخاف ذعراً من المستقبل المجهول، وتشتد كراهيته لحكام البلاد، مع استمرار نأيه التام عن إثارة الانتباه إليه حفاظاً على لقمة عيشه؟
هناك من الأدلة ما يكفي للإجابة عن هذا التساؤل بنعم. وبعد كل شيء، وعبر عقود أربعة من الزمن، تعامل «عويار حسان» مع أغلبية الدهماء وتخفى وراء عباءة لاهوتية دينية جديدة. وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة مصطنعة؛ إذ رأى أن بلاده قد صارت الدولة الوحيدة في العالم – ربما باستثناء زيمبابوي – التي تجاوزت خط الفقر العالمي وأصبحت أسوأ مما كانت عليه الأوضاع فيها قبل أربعين عاماً كاملة. ورأى أن بلاده قد تصدرت قائمة الخزي والعار العالمية بأكثر عدد مسجل من سجناء الرأي، فضلاً عن عدد أحكام الإعدام. كما شهد بنفسه ترسيخ أركان الفساد الواسع النطاق، كنمط من أنماط الحياة. وعلى مدى أربعة عقود كاملة، كان «عويار حسان» يذهب إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بصوته في الانتخابات التي يدرك تماماً أنها مزيفة من أجل إقامة برلمان أشبه بسيرك سمج يخدم ممثلاً يقوم بدور رئيس الجمهورية على مسرح الحياة في إيران.
ومرة أخرى، تحاول نخبة القلة الثرية الحاكمة في الجمهورية الإسلامية تنظيم الانتخابات العامة لتلميع صورة ما تسميه زوراً وبهتاناً «الديمقراطية الإسلامية».
ولقد دعا المرشد الإيراني إلى أكبر إقبال ممكن من جانب الناخبين كوسيلة للقضاء على ذكرى الانتفاضة الأخيرة ضد النظام. وفي الحقيقة، كان من المفترض إجراء هذه الانتخابات تكريماً لذكرى الجنرال قاسم سليماني، أحد أقرب مساعدي خامنئي. ولقد حاول المتزلفون، إعادة تصوير شخصية سليماني بالجندي المقاتل الذي سعى جاهداً لإحياء الإمبراطورية الفارسية القديمة من خلال السيطرة على لبنان، وسوريا، والعراق، وأجزاء من اليمن. ومع ذلك، تمزقت الأقنعة الملائكية التي كانوا يريدون خلعها على شخصية سليماني واحداً بعد الآخر. فلقد خرجت علينا التسريبات المتعددة من قلب النظام نفسه تكشف لمحة عن الإمبراطورية الفاسدة التي شيدها سليماني بمعاونة عملائه في لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن. والأسوأ من ذلك، أن الجنرال عزيز الجعفري، القائد الأسبق لـ«الحرس الثوري»، قد صرح علناً بأن «الزعيم الصوفي» المزعوم كان ضالعاً بصورة شخصية في مذابح المتظاهرين في شوارع طهران.
ولا تحدوني الرغبة في التكهن أو التنبؤ، الأمر الذي ينبغي على الصحافي تركه لخبراء التنجيم. لكنني أعتقد – بعيداً عن محاولة حض المواطنين الإيرانيين على التصويت في الانتخابات، أن كشف حقيقة الدجال قاسم سليماني ربما يؤدي إلى تثبيط حتى شخصية «عويار حسان» الهزلية عن التصويت، ذلك الذي لطالما اندفع إلى صناديق الاقتراع خشية الوقوع في المشاكل.
يستند علي خامنئي وحاشيته المقربة على عنصر آخر في صياغة آمالهم العريضة في ارتفاع معدلات الإقبال على الانتخابات المنتظرة؛ إذ يقترب موعد الانتخابات من أعياد النيروز الوطنية، وهي تمثل الاحتفال بالسنة الإيرانية الجديدة، وفيها يحاول «عويار حسان» الظهور بمظهر احتفالي رائع حتى وإن فارقت بقرته العزيزة والوحيدة الحياة! وتتفضل حكومة الملالي على الشعب الإيراني بمنحة مالية خاصة لموظفي الجهاز الحكومي البالغ عددهم قرابة 5.5 مليون موظف، من الذين يندفعون إثر ذلك في موجات شرائية عارمة تضخ بعض الدماء القليلة في شرايين الاقتصاد الإيراني المنهك الهزيل؛ الأمر الذي يعزز الأجواء العامة والمناخ الداخلي في إيران لمدة تقارب الأسبوعين الكاملين.
ومع ذلك، فمن المحتمل أن تكون المنحة الحكومية الإيرانية أقل سخاءً في هذا العام عما سبقه من أعوام. فإن هذه الأموال السهلة التي تنبع من أرباح النفط الإيراني في طريقها للنضوب مع انخفاض صادرات النفط الإيرانية إلى أدنى مستوياتها خلال الخمسين عاماً الماضية.
وهناك عنصر آخر ربما يحطم آمال الملالي في الإقبال الانتخابي الكبير. فللمرة الأولى منذ استيلاء رجال الدين على السلطة في إيران، توجهت الأطياف والأحزاب والجماعات السياسية كافة ذات الصلة بالنظام الديني الحاكم في البلاد، بما في ذلك التحزبات الشيوعية المختلفة، والدوائر المصدقية، وبقايا ما يسمى بالعصبة القومية الدينية، بالدعوة العلنية لمقاطعة الانتخابات المقبلة. وحتى بعض «الإصلاحيين المعتدلين» المزعومين، والمعروف عنهم انتهازيتهم المطلقة للفرصة السانحة على حساب دعواهم الأخلاقية الواهمة، صاروا يدعون كذلك إلى مقاطعة الانتخابات المزيفة.
وفي هذه الجولة، يحق التصويت لما لا يقل عن 60 مليون مواطن إيراني. وكما هو معتاد، ربما تحاول السلطات التلاعب في نتائج الانتخابات بغير طريقة من الطرق المعهودة، مثل رفض تسجيل الكثير من الناخبين المحتملين، أو الملء المسبق لصناديق الاقتراع، أو تضخيم عدد بطاقات الاقتراع في بعض المحافظات. ومع ذلك، فإن المقاطعة الواسعة النطاق للانتخابات الإيرانية سوف يكون من العسير على النظام الحاكم حجبها أو التلاعب بها. فإن مثل هذا الرفض الهائل لمواصلة التمثيل السخيف في الحفلة التنكرية الخبيثة سوف يعكس أن «عويار حسان» لم يعد مستعداً لأن يسمح لأولئك «الأفضل منزلة» أن يواصلوا السير على جسده كما اعتادوا من قبل.
الشرق الأوسط
الغارات الإسرائيلية في سوريا «تكمل» اغتيال سليماني
متابعة: مركز عدل لحقوق الإنسان:
الغارات الإسرائيلية، ليل الخميس – الجمعة، على «مواقع إيرانية» في دمشق وأطرافها، ليست جديدة، لكنها تحمل أبعاداً ما يجعل منها «ضربة موجعة» لنفوذ طهران في سوريا تقترب من حدود معاني اغتيال واشنطن قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري»، قاسم سليماني، بداية الشهر الماضي. وقال مسؤول غربي لـ«الشرق الأوسط» إن تل أبيب «باتت أكثر قناعة بأن روسيا لم تعد قادرة على ضبط نفوذ إيران في سوريا، لذلك قررت تكثيف القصف، رغم تحفظات موسكو».
وكان «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أفاد بأن الغارات قتلت «سبعة مقاتلين، ثلاثة من الجيش السوري وأربعة من الحرس الثوري الإيراني»، فيما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بأنّ الدفاعات الجويّة تصدّت لـ«صواريخ فوق سماء العاصمة دمشق مصدرها الجولان المحتلّ». لكن ما الجديد في الغارات الأخيرة؟
1 – الأهداف: قتل أربعة من «الحرس الإيراني»، بينهم اثنان رفيعا المستوى، إذ أفاد موقع «جنوبية» اللبناني، بمقتل الجنرال رضائي محمدي مدير شؤون نقل قوات «الحرس الثوري» في قدسيا، والجنرال حاج حسين «مسؤول تذخير القوات الإيرانية في سوريا» بقصف منزله في محيط مطار دمشق الدولي.
2 – الدائرة: طاول القصف مطار دمشق الدولي والكسوة جنوب العاصمة وطريق دمشق – بغداد، إضافة إلى مناطق على طريق دمشق – بيروت وصولاً إلى مواقع بين العاصمة وحدود الأردن.
3 – التكرار: في 14 يناير (كانون الثاني) أسفرت ضربات إسرائيلية على مطار «تيفور»، وسط البلاد عن مقتل ثلاثة مقاتلين موالين لإيران، وفق «المرصد». وفي 20 نوفمبر (تشرين الثاني)، أعلن الجيش الإسرائيلي مسؤوليته عن سلسلة غارات جوية «واسعة النطاق» استهدفت مراكز سورية وإيرانية. وفي 6 من الشهر الحالي، استهدفت الغارات عشرة مواقع في دمشق ومحيطها.
4 – العمق: استهدفت غارات سابقة مواقع في العمق الجغرافي في وسط سوريا والبوكمال، في شمالها الشرقي، في حين تركز الموجة الأخيرة على عمق التأثير، ذلك أن القصف الأخير يأتي بعد أسبوع من استهداف مواقع سوريا وإيران في دمشق ومراكزها الحيوية.
5 – الموقف الروسي: جاء بعد قول السفير الروسي في دمشق ألكسندر يفيمو: «من دون شك، تحمل الهجمات الإسرائيلية طابعاً استفزازياً وخطراً للغاية بالنسبة للوضع حول سوريا. فالصواريخ لا تسقط في المناطق المتاخمة لإسرائيل فحسب، بل تصل أيضاً إلى مناطق العمق السوري، وشرق البلاد، وحتى في المناطق السكنية في دمشق». كما أعلنت موسكو أن القصف في 6 فبراير (شباط) كاد يُسقِط طائرة مدنية فيها 172 شخصاً مقبلة من إيران.
5 – فيتنام إيران: كان وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد نفتالي بينيت قال: «لا بد أن نتحول من العمل الوقائي إلى العمل الهجومي على اعتباره الإجراء الوحيد الذي يضمن لنا طرد إيران خارج سوريا. وإننا نقول لهم – الإيرانيين – ستتحول سوريا إلى فيتنام الإيرانية، وستواصلون النزف حتى مغادرة آخر جندي إيراني الأراضي السورية».
6 – دعم أميركي: أعلنت واشنطن أنها ستواصل الضغط على إيران في سوريا، وقال المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري في أنقرة أول من أمس، إن بلاده ستحافظ على وجودها العسكري في قاعدة التنف جنوب شرقي سوريا، وشرق الفرات قرب حدود الرعاق، علما بأن التنف تقدم دعماً استخباراتياً لإسرائيل، وترمي لقطع طريق طهران – بغداد – دمشق – بيروت، حسب دبلوماسيين.
7 – موقف إسرائيل: كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أعلن بعد غارات الأسبوع الماضي أن «(فيلق القدس) المكلف العمليات الخارجية لدى إيران، كان ضمن الأهداف»، لافتاً إلى «إجراءات ضرورية لمنع نقل أسلحة قاتلة من إيران نحو سوريا سواء جواً أو براً». وفُسّر كلام نتنياهو على أنه يريد توظيف ذلك في الانتخابات بداية الشهر المقبل.
8 – توتر بين اللاعبين: جاء بعد يومين من غارة أميركية على موقع سوري في القامشلي شرق الفرات، وبعد أيام من إسقاط مروحية سورية في إدلب، وقبل ساعات من إسقاط مروحية سورية، في شمال غربي البلاد، ذلك وسط توتر روسي – تركي على خلفية معارك إدلب وحلب.
9 – تهديد إيراني: قال عباس موسوي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أول من أمس إن طهران «ستوجه ردّاً ساحقاً سيجعل هذا النظام يندم على القيام بأي عدوان أو عمل أحمق ضد مصالح بلادنا في سوريا وفي المنطقة».
10: انتقام واستباق: جاءت الغارات وسط توقعات بإصرار طهران على الانتقام لمقتل قاسم سليماني في مناطق مختلفة، بينها سوريا، إذ تأكدت مشاركة تنظيمات تدعمها طهران في الهجوم على إدلب من جبهة جنوب غربي حلب. ولا يزال العميد المتقاعد محمد رضا فلاح زاده الملقب في دمشق بـ«أبو باقر»، وفي طهران بـ«سردار رضا» يقود عمليات التنسيق والتنظيم. يعزز ذلك تكامل استهداف النفوذ الإيراني في سوريا بين اغتيال واشنطن لـ«المهندس» واستهداف إسرائيل لتركته السورية.
لندن: إبراهيم الحميدي
————————————
الشرق الأوسط
السلام الدائم مرتبط بالعدالة والتنمية واحترام حقوق الإنسان
متابعة: مركز عدل لحقوق الإنسان:
قالت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن الدول التي تمر بمرحلة انتقالية سواء في أوقات النزاعات أو بعدها لا بد أن تحظى بمساعدة المجتمع الدولي ومجلس الأمن في تجاوز المرحلة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
جاء ذلك خلال إحاطة السيدة ميشيل باشيليت أمام مجلس الأمن صباح يوم الخميس في جلسة لمناقشة مسألة بناء السلام والحفاظ عليه بعنوان “العدالة الانتقالية في حالات النزاع وما بعد النزاع” بتنظيم من بلجيكا.
باشيليت التي كانت تتحدث عبر تقنية الفيديو من جنيف، قالت “إنه من أجل نجاح المجتمعات في الانتقال وبناء السلام، يجب معالجة قضايا مثل التمييز الممنهج والإقصاء والنقص في المؤسسات وانعدام المساواة والإفلات من العقاب.”

ميشيل باشيليت، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان
وأشارت المفوضة السامية لحقوق الإنسان إلى أن السلام لا يتحقق وحده بمجرّد إسكات صوت البنادق أو توّقف جرائم الانتهاكات، بل ينبغي الاعتراف بالمعاناة التي تكبّدها الضحايا وإعادة الثقة بمؤسسات الدولة وقوات إنفاذ القانون. “في السودان على سبيل المثال، كان الدافع الأساسي لإسقاط النظام هو مطالبة جميع أطياف المجتمع بالعدالة، وجاءت المظاهرات بعد عقود من تراكم الإفلات من العقاب على جرائم انتهاكات لحقوق الإنسان. وأدّت الاحتجاجات الشاسعة حول العالم إلى إعادة القوة للمطالب الشعبية من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين والعدالة المناخية والحقوق الأساسية.”
العدالة الانتقالية
بحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فإن العدالة الانتقالية تتألف من الآليات القضائية وغير القضائية على حد سواء، بما في ذلك مبادرات الملاحقة القضائية والجبر وتقصي الحقائق والإصلاح المؤسسي أو مزيج من ذلك. وأي مزيج يتم اختياره يجب أن يكون متوافقاً مع المعايير والالتزامات القانونية الدولية.
وفي حين أن مصطلح العدالة الانتقالية ظهر بعد موجة من الانتقالات السياسية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في أميركا اللاتينية ووسط وشرق أوروبا وفيما بعد في جنوب أفريقيا، جرى بعد ذلك تبني إجراءاتها كما تنفذها بعض الدول وتتابع مسارها دول أخرى حول العالم. وقد تطور هدف العدالة الانتقالية في العقدين الماضيين مع تنامي الخبرات وتغيّير ديناميكية الصراعات. وقد أشار مجلس الأمن إلى العدالة الانتقالية عبر تشكيل لجان تقصي الحقائق أو تكليف قوات حفظ السلام أو بعثات سياسية خاصة مثل بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق (يونامي)، كما أن المبعوثين الخاصين والممثلين الخاصين للأمين العام يعززون العدالة الانتقالية من خلال اتفاقيات السلام.
ولا يجب للعدالة الانتقالية أن تتطور في “فراغ” بل ينبغي أن تتزامن مع إجراءات انتقالية أخرى مثل الإصلاح في القطاع الأمني ونزع السلاح وإعادة الإدماج. ونجاحها يعتمد على مداها وسبل تصميمها وتنفيذها وإلى أي مدى تدعمها المجتمعات.
المحاسبة والمساءلة

ياسمين سوكا، رئيسة لجنة حقوق الإنسان خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن.
وقالت ياسمين سوكا، رئيسة لجنة حقوق الإنسان في جنوب السودان، في إحاطتها إن التقرير المتعلق بتسليم عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبته على ارتكاب قتل جماعي وجرائم الإبادة يُظهر أهمية التطرق لموضوع الإفلات من العقاب المرتبط مباشرة باستعادة حكم القانون كمتطلب لتضميد الجراح والمصالحة. إلا أنها أشارت إلى أن الكثيرين لم يخبروا أحدا بقصصهم ولهذا فقد يستغرق الأمر عقودا قبل إحقاق الحق والعدالة. وقالت: “أحث الأمم المتحدة على تقديم الدعم المطلوب، ومجلس الأمن على ضمان عدم تكرار الانتهاكات والتطرق إلى أسبابها غير المباشرة خلال النزاعات بوصفها عنفا هيكليا وتمييزا واستغلالا اقتصاديا.”
وشددت على ضرورة النظر إلى السلام والعدالة على أنهما أمران ضروريان يعزز كل منهما الآخر، وليس استبدالهما بمفاهيم خاطئة مفادها بأن السلام يجب أن يأتي قبل المساءلة.
البحث عن الحقيقة
لا يتحقق السلام وحده بمجرد إسكات صوت البنادق أو توّقف جرائم الانتهاكات بل ينبغي الاعتراف بالمعاناة التي تكبّدها الضحايا — ميشيل باشيليت
بدورها أثنت السيّدة باشيليت على مبادرات البحث عن الحقيقة، مشيرة إلى أن تلك المبادرات لا تتيح للضحايا إمكانية سرد تجاربهم فحسب، بل تخلق مساحات جديدة يمكن من خلالها للضحية والجاني إعادة الاتصال. “غواتيمالا على سبيل المثال تبرز في تقريرها النهائي التاريخي “ذاكرة الصمت” (1999) للجنة الحقيقة سجّلا رسميّا لانتهاكات حقوق الإنسان خلال النزاع. كما منح التقرير صوتا للضحايا وشكّل أداة مهمة للدفع بحقوقهم قدما. وأدّى التقرير إلى صدور أحكام حول جرائم العنف الجنسي المرتبط بالنزاع وغيرها من الجرائم، هذه الأحكام ضمدت جراح الضحايا وساهمت في تغيير حياتهم.”
واستشهدت بمساهمة المفوضية في ميانمار وجنوب السودان وسوريا واليمن. وقالت: “أدّت لجان الأمم المتحدة ولجان تقصّي الحقائق دورا مهما في الكشف عن الحقائق وقدّمت للسلطات المحلية والمجتمع الدولي صورة واضحة للعديد من القضايا التي تُعتبر في أغلب الأحيان شائكة وطويلة الأمد.”
جمهورية الكونغو الديمقراطية
وقالت باشيليت إنها عادت للتو من زيارة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث مكنت المشاورات التي أجرتها الأمم المتحدة في إقليم كاساي العديد من الضحايا من التعبير عن وجهات نظرهم بشأن الحقيقة والمصالحة وتضميد الجراح، ومنع تكرار الصراع في المستقبل.
“هذه المشاورات وضعت حجر الأساس لتشكيل لجنة السلام والعدالة والمصالحة، وهو مشروع محلي يدعمه صندوق بناء السلام، يربط بين إجراءات العدالة الانتقالية، والأسباب الجذرية للصراع.”
ضمان عدم التكرار مرتبط ببناء المؤسسات وأوسع مشاركة ممكنة لمنظمات المجتمع الدولي في اتخاذ القرارات – ميشيل باشيليت
وشددت باشيليت على أهمية عدم التكرار، وأوضحت أن ضمان عدم التكرار مرتبط ببناء المؤسسات وأوسع مشاركة ممكنة لمنظمات المجتمع المدني في اتخاذ القرارات.
ولفتت المفوضة العليا الانتباه إلى أن العدالة الانتقالية ليست بديلا عن المحاسبة الجنائية لمرتكبي جرائم الانتهاكات، ولكنّها وسيلة لإحقاق الحق وتمكين الضحايا وخاصة النساء والسكان الأصليين والأقليات الذين تعرّضوا للتهميش.
أهمية دعم الضحايا ومحاسبة المجرمين
وتطرق المشاركون خلال الجلسة لآليات تحقيق العدالة الانتقالية التي تهدف لاجتثاث أنظمة عدم المساواة والتمييز والانقسامات المجتمعية وغيرها من الأسباب الجذرية الهيكلية التي تؤدي إلى العنف وإدامة الصراعات.
وشددت ألمانيا خلال الجلسة على أن العدالة الانتقالية لا يجب أن تكون الهدف النهائي، ولكنها المسار لضمان عدم العودة إلى الوراء وتكرار الكوارث التي حدثت في الماضي، ودعت إلى تحمّل المسؤولية إزاء الماضي وصون حقوق الإنسان.
وأشارت فرنسا إلى ضرورة مكافحة عدم الإفلات من العقاب خاصّة فيما يتعلق بجرائم داعش. ودعت إلى دعم المحكمة الجنائية الدولية وحثت على الانضمام إلى نظام روما الأساسي. وأكدت فرنسا على أهمية التوصل لآليات للجبر وتعويض الضحايا وتوفير الدعم اللازم لهم وخاصة ضحايا الجرائم الجنسية وتقديم المساعدة الطبية والنفسية لهم.
وركزت تونس على أهمية تحقيق العدالة وردّ الاعتبار للضحايا وجبر آلامهم وحفظ الذاكرة الاجتماعية لكي تتمكن المجتمعات من الانتقال من أنظمة استبدادية إلى أنظمة ديمقراطية.
بدورها حذرت الصين من تأثر سيادة قانون الدولة، مشددة على أهمية بناء القدرات والمساعدة في التوصل إلى سلام دائم وتحقيق تطور يخدم شعب البلد وإصلاح القطاع الأمني فيه ونزع السلاح ومحاربة الفقر ومكافحة كل ما يهدد العودة إلى النزاع. وأشارت إلى أن بعض النزاعات ممتدة لعقود بسبب انتهاك القانون الدولي والمبادئ الدولية ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ودعت مجلس الأمن إلى الاضطلاع بمسؤولياته للتأكد من تطبيق قراراته ذات الصلة لتفادي الانقسامات.
أخبار: السلم والأمن
لحماية الأطفال في النزاعات المسلحة
متابعة: مركز عدل لحقوق الإنسان
صدر مجلس الأمن الدولي، اليوم الأربعاء، بيانا رئاسيا جدَّد فيه دعوته كل الدول الأعضاء وكيانات الأمم المتحدة إلى أن تعمل، منذ المراحل المبكرة لجميع عمليات السلام، على “دمج كافة أحكام حماية الطفل في جميع مفاوضات السلام واتفاقات وقف إطلاق النار،” بما في ذلك التركيز على “حقوق ورفاه الأطفال ومصلحتهم الفضلى.”
وكان المجلس قد استضاف اليوم جلسة رفيعة المستوى خاطبها الأمين العام وعدد من المسؤولين الأمميين المشتغلين على “دمج حماية الطفل في عمليات حلّ النزاع والحفاظ على السلام،” بالإضافة إلى كلمات من ممثلين رفيعي المستوى من الدول الأعضاء.
إرشادات عملية لحماية الأطفال، في الدول التي تعاني الصراعات المسلحة

UN Photo/Eskinder Debebeجلسة رفيعة المستوى خاطبها الأمين العام وعدد من المسؤولين الأمميين المشتغلين على حماية الطفل في عمليات حل النزاع والحفاظ على السلام
وقد ركزت إحاطة الأمين العام على وثيقة الإرشادات العملية للوسطاء بشأن حماية الأطفال في حالات النزاع المسلح بحسبانها “الخطوة التالية في استراتيجية الأمم المتحدة” لوضع الأطفال في صميم جهود الحماية وبناء السلام والوقاية.
من بين هذه، أكد الأمين العام على “ضرورة مراعاة احتياجات الأطفال خلال جميع مراحل الصراع، من جهود الوقاية إلى الوساطة والإنعاش من خلال التنمية المستدامة” الشاملة للجميع.
وقال الأمين العام في تقديم الإرشادات إنها “تستند إلى مبادئ تحظر التمييز وتضع مصالح الأطفال في المرتبة الأولى” مؤكدا أن دمج “تدابير محددة” لحماية الأطفال في عمليات السلام من شأنه تحقيق نتائج ملموسة لهذه الفئة الضعيفة، وللسلم عموما.
وشجع أنطونيو غوتيريش بقوة جميع الدول الأعضاء والمنظمات والوسطاء والجهات الفاعلة الأخرى “على الاستفادة الكاملة من هذه التوجيهات وتعميمها على نطاق واسع لتحقيق أكبر قدر ممكن من التأثير” واستخدامها في عمليات السلام والوساطة التي تدعمها الأمم المتحدة وترعاها وتسهلها.
كما حث غوتيريش الجميع على اتخاذ إجراءات ملموسة لإعطاء الأولوية لحماية الأطفال المتأثرين بالصراعات، مؤكدا على استعداد ممثله الخاص “لدعم جميع الدول الأعضاء في هذا الجهد، وخاصة مالي وسوريا واليمن.”
وضع الأطفال “في قلب عمليات منع وحل النزاعات“

© UNICEF/Sebastian Richطفل من بين الذين تم إطلاق سراحهم من صفوف الجماعات المسلحة، مع بدء عملية إعادة الإدماج في يامبيو، جنوب السودان.
وفي إحاطة عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، شدد السيد إسماعيل شرقي مفوض السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي على أهمية أن يكون الأطفال “في صميم كل جهودنا لمنع وحل النزاعات العنيفة” مؤكدا على الحاجة إلى “تدابير ملموسة لتجنب كل أشكال سوء معاملة وإهمال واستغلال الأطفال، والاستجابة لها”.
وأضاف المسؤول الأممي أنه لا يجب منع انتهاكات حقوق الطفل فقط بل “التصدي لها قبل وأثناء وبعد النزاعات”.
وقال السيد إسماعيل شرقي إن انتهاكات حقوق الطفل التي لا تتم معالجتها “تديم ثقافة الإفلات من العقاب والظلم والخروج على القانون، وهي نفسها التي قد تكون المسببة في نشوب النزاع في المقام الأول، وتوفر أرضا خصبة للعودة إلى صراع عنيف”.
وبالنظر إلى التأثير المدمر للنزاع العنيف على الأطفال وخاصة على تراجع حقوقهم وحرياتهم الإنسانية الأساسية، قال مفوض الاتحاد الأفريقي إنه من الضروري أن “تدمج جميع الجهات الفاعلة المشاركة في عمليات الوساطة ولغة السلام وأحكام حماية الطفل في اتفاقات السلام”.
حقوق الأطفال في عمليات السلام، وفي المراحل الانتقالية

UN Photo/Eskinder Debebeجو بيكر ، مديرة برنامج الدفاع عن حقوق الطفل في منظمة “هيومن رايتس ووتش” بالنيابة عن شبكة المراقبة المعنية بالأطفال والصراع المسلح. 12 شباط/فبراير 2020
وقد تحدثت أيضا أمام جلسة مجلس الأمن الدولي جو بيكر، مديرة برنامج الدفاع عن حقوق الطفل في منظمة “هيومن رايتس ووتش” بالنيابة عن شبكة المراقبة المعنية بالأطفال والصراع المسلح – المكونة من منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية.
وأوضحت المتحدثة أنه على الرغم من أن المجلس قد طالب “مرارا وتكرارا” بإدراج حماية الطفل في عمليات السلام، فإن الحقيقة المحزنة هي أن “عقد اتفاقات سلام تتضمن حماية الطفل هو أمر نادر الحدوث” فهو يمثل “الاستثناء وليس القاعدة” حسب قولها.
وكشفت السيدة جو بيكر أن تحليل الشبكة لـ 444 وثيقة منذ عام 1999 – العام الذي نظر فيه المجلس في موضوع الأطفال في النزاعات المسلحة – يظهر أن “أقل من 18 في المائة من هذه الوثائق تتضمن أحكام حماية الطفل”.
وأشارت السيدة بيكر إلى أن عمليات السلام “تتضمن أكثر من إنهاء الحرب” فهي تنشئ إطارا انتقاليا وأجندة سياسية واجتماعية واقتصادية للسلام وأولويات للاستثمار وتخصيص الموارد” بعد انتهاء الصراعات.
وأضافت أنه عندما يتم استبعادهم من هذه الإجراءات الانتقالية، تصبح احتياجات وحقوق الأطفال “غير مرئية” مما يؤدي إلى مظالم جديدة أو إلى أن “يحمل جنود أطفال سابقون السلاح مرة أخرى” حسب تعبيرها.
وأكدت مديرة برنامج الدفاع عن حقوق الطفل في منظمة “هيومن رايتس ووتش” للمجلس أن تلبية احتياجات الأطفال المتأثرين بالنزاعات في عمليات السلام “ليست مجرد ضرورة أخلاقية أو قانونية” بل هي “ضرورية لتحقيق سلام دائم.”
الجدير بالذكر أن هذه الجلسة الخاصة في مجلس الأمن الدولي تتزامن مع “يوم اليد الحمراء” أو اليوم العالمي لمكافحة استغلال الأطفال كجنود، وقد رأس الجلسة وزير الخارجية البلجيكي بحضور ومشاركة ملك وملكة بلجيكا التي تدعم هذا الموضوع المرتبط بالسلام والأمن العالمي.
أخبار الأمم المتحدة
اختتام مؤتمر إقليمي رفيع المستوى حول التحديات التي يطرحها وجود المقاتلين الإرهابيين الأجانب
متابعة: مركز عدل لحقوق الإنسان:
ختتم في فيينا، اليوم الأربعاء، مؤتمر إقليمي رفيع المستوى حول التحديات التي يطرحها وجود المقاتلين الإرهابيين الأجانب. ونظم المؤتمر مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وحكومة سويسرا، بحضور أكثر من 400 مشارك يمثلون أكثر من 70 دولة.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن الهدف من هذا المؤتمر هو مواجهة التحديات التي يشكلها المقاتلون الإرهابيون الأجانب، مثل عودتهم المتوقعة من العراق وسوريا، وكذلك إعادة النساء والأطفال المرتبطين بهم.
وكيل الأمين العام لمكتب مكافحة الإرهاب التابع للأمم المتحدة، السيد فلاديمير فورونكوف، قال إنه “يتعين على المجتمع الدولي أن يؤكد ويسترشد بمبادئ المسؤولية الجنائية الفردية، وافتراض البراءة، والحق في الاستئناف، ومعايير العدالة المعترف بها دوليا.”
وكان هذا الحدث جزءا من سلسلة من المؤتمرات الإقليمية التي سيتم الاستفادة من نتائجها في المؤتمر الثاني رفيع المستوى للأمم المتحدة لرؤساء وكالات مكافحة الإرهاب في الدول الأعضاء، والمقرر عقده في فيينا في تموز/يوليو المقبل.
أخبار الأمم المتحدة
وفد كردي يلتقي السفير الأميركي في الحسكة
متابعة: مركز عدل لحقوق الإنسان:
عقد «المجلس الوطني الكُردي» المعارض اجتماعاً مع السفير الأميركي ويليام روباك في قاعدة أميركية بمدينة الحسكة، واستمع إلى رؤية الولايات المتحدة وضرورة إعادة العملية السياسية لإنهاء الأزمة الدائرة منذ 9 سنوات، وفق قرارات الشرعية الدولية والقرار «2254»، وناقش الجانبان كيفية العمل على وحدة المعارضة السورية وتوحيد خطابها وإيجاد حل للخلافات الكردية – الكردية القائمة. و«المجلس» من الجماعات السياسية الكردية الثلاث في سوريا، حسب مصادر كردية.
وكان وفد من «الإدارة الذاتية لشمال وشرق» سوريا و«مجلس سوريا الديمقراطية»، دخل في مفاوضات سياسية مع النظام الحاكم برعاية روسية، وعقدت بداية الأسبوع الماضي اجتماعات مع مبعوث من الخارجية الروسية بالقاعدة الروسية في حميميم، ثم عقدوا اجتماعاً رسمياً في دمشق مع رئيس «المكتب الوطني السوري» اللواء علي مملوك، وبحثوا سبل تشكيل «لجنة عليا» مهمتها مناقشة قانون الإدارة المحلية في سوريا من جهة؛ والهيكلية الإدارية للإدارة الذاتية من جهة ثانية.
وتطالب هذه الأحزاب و«مجلس سوريا الديمقراطية» باللامركزية الإدارية والاعتراف الدستوري بهياكل الحكم المدنية في 7 إدارات ذاتية شمال شرقي سوريا، والحفاظ على وحدة الأراضي، وإنهاء الاحتلال التركي، وتعزيز مفهوم الأمة الديمقراطية والمساواة بين مكونات الشعب السوري، وتوزيع ثروات البلاد بشكل عادل، بالإضافة إلى الاعتراف بمناهج التعليم الخاصة المدرّسة بالمناطق الخاضعة لنفوذها في 3 محافظات؛ وهي الحسكة والرقة ودير الزور شمال شرقي البلاد، وفي مدينتي منبج غرب نهر الفرات، والطبقة جنوب الفرات.
يأتي ذلك في وقت يشكل فيه «التحالف الوطني الكردي» الإطار الثاني المؤلف من أحزاب وقوى مقربة من الإدارة الذاتية، كما تشارك في هياكل الحكم المدنية وهي ممثلة في «مجلس سوريا الديمقراطية»، ويضم 5 أحزاب سياسية؛ من بينها «حزب الوحدة الكردي» و«اليسار الكردي» و«حركة الإصلاح»، وكانت في اجتماعات «حميميم» الأخيرة ولقاء علي مملوك.
أما الإطار الثالث فيتمثل في «المجلس الوطني الكردي» المُعلن نهاية 2011، ويعمل في «الائتلاف الوطني السوري» وهو عضو في «الهيئة العليا للمفاوضات» السورية، ويشارك في اللجنة الدستورية وعملية السلام في جنيف، ولديهم موقف معارض من النظام الحاكم ويراعي تحالفاته السياسية مع المعارضة السورية، ويضم 12 حزباً سياسياً؛ أبرزها الحزب «الديمقراطي الكردستاني – سوريا» وحزب «يكيتي الكردستاني» و«حركة الإصلاح الكردية» وحزب «المساواة الكردي» وحزب «الوحدة الكردستاني»، إلى جانب مشاركة شخصيات مستقلة.
ويعمل «الحزب الديمقراطي التقدمي» الكردي، أحد أبرز الأحزاب الكردية، خارج هذه الأطر، وحضر اجتماعات حميميم ودمشق، ويدعو الحكومة السورية وقطبي الحركة الكردية للجلوس إلى طاولة المفاوضات وإيجاد حلول سياسية.
تقرير: كمال شيخو
الشرق الأوسط
تجميل وجه النمر الميت
ممدوح المهيني
كم هو أمر يدعو للتأمل، ذلك الانقلاب بموقف الأصوات المتحمسة للدفاع عن النظام الإيراني. فقبل تناثر جسد قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني على طريق مطار بغداد، كانت الرواية الرائجة والمرسلة باستمرار على بريد البيت الأبيض هي أن النظام قوي ويجب التصالح معه ومهادنته. أحد «البروباغندست» قال إن محاصرته شبيهة بمحاصرة النمر الشرس، ورأى أن استيلاءه على الناقلات وإسقاط المسيّرات وضرب مخازن النفط، هي ردات فعل طبيعية على خنقه ومضايقته. وقد رأينا أن تصرفات المسؤولين الإيرانيين معتدة بذاتها ومقتنعة بهذه الدعايات والشعارات الرخيصة.
الآن ومع تراجع دعوات الانتقام لمقتل سليماني تغيرت الرواية القديمة، واستبدلت بها رواية أخرى تماماً، ولكن لتحقيق ذات الهدف. إنها تعمل جاهدة لإقناع الإدارة الأميركية والقوى الدولية المؤثرة أن إيران ليست ضعيفة كما نعتقد. لكن يدرك الإيرانيون قبل غيرهم أن أسطورة النمر المحاصر قد تحطمت بلا رجعة. وقام «الحرس الثوري» بإسقاط الطائرة الأوكرانية المدنية مبدداً أصغر الشكوك حول هذا الأمر. كل ما يفعله المدافعون عنها هو مخادعتنا وإقناعنا بأن النمر الميت ما زال على قيد الحياة بوضع لمسات من الماكياج على وجهه لإيهام المجتمع الدولي بوزنه الإقليمي للتفاوض معه. ويمكن أن نرى بجلاء 3 مسارات مكررة في هذا الاتجاه…
المسار الأول؛ تعبر عنه كتابات ومواقف مكررة تؤكد فكرة أن إيران تملك أدوات القوة وليست ضعيفة كما نتخيل. فقد أشار الباحث ولي نصر الذي عارض موقف الإدارة الأميركية من الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض العقوبات بمقاله «المسار الخاطئ بمواجهة إيران»، إلى أن الشرق الأوسط عالم متقلب، وسيجد ترمب نفسه بمواجهة إيران وحيداً بعد أن تتخلى عنه دول المنطقة. لا شك أنها حجة مغالطة تماماً وفي غير وقتها، فما نراه منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ليس فقط رفض بعض الحكومات في المنطقة للنفوذ الإيراني، بل أيضاً الشعوب في العراق ولبنان التي كانت إيران تدعي سابقاً أن المجتمعات الشيعية فيها تابعة بشكل كامل لها، حيث نسمع الهتافات المطالبة بطرد إيران تتردد على أوسع نطاق وتحرق قنصلياتها في البصرة والنجف وهي ذات الأماكن التي تم التسويق لها سابقاً أنها جيوب إيرانية. وعندما قتل سليماني خرج المحتفلون في بغداد ومزقت صوره ووزعت في سوريا (حتى داخل إيران) الحلوى، ولم يستسلم اللبنانيون حتى هذا اليوم لتهديدات قائد «حزب الله» على أمل استعادة وطنهم.
وتشير حجة أخرى إلى أن الدول تقسمت بعدما فقدت الهوية العربية، وحلت مكانها المصلحة القومية، وهذا دليل على انقسامها، ما جعلها تدخل في صراعات فيما بينها، مدللاً بذلك على الأزمة القطرية. الرسالة لترمب واضحة، الدول العربية ممزقة لا يمكن الاعتماد عليها. لكنها حجة خاطئة مرة أخرى، لأن مقاطعة الدوحة ليست بسبب بحثها عن مصالحها القومية الخاصة، بل بسبب ارتباطاتها المثيرة للقلاقل مع الأنظمة المارقة، مثل النظام الإيراني والمنظمات المتطرفة. القول إنه ليست هناك هوية عربية شاملة يمكن البناء عليها لمكافحة التدخلات الخارجية حجة لا يمكن الوثوق بها، لكن المؤكد والمهم أن الشعوب المنتفضة الآن مؤمنة بأسباب تختلط فيها الدواعي الوطنية والقومية والاقتصادية، ومتوحدة في رؤيتها برفض التدخلات الإيرانية والحكومات والميليشيات التي زرعتها، وترى أنها السبب خلف تردي مستوى حياتها، وتطالب بالخلاص منها.
المسار الثاني؛ من خلال محاولة تحطيم وتخويف الشخصيات في إدارة الرئيس ترمب المصممة على معاقبة النظام الإيراني على كل انتهاكاته خلال عقود. وأبرز هذه الشخصيات وزير الخارجية مايك بومبيو، فقد كتب ديفيد إغناتيوس في «الواشنطن» مقالاً تحريضياً بحق الوزير بحجة تعامله «الفظّ» مع صحافية تعمل في إذاعة NPR. ومن يقرأ المقال حرفياً يرى فيه دفاعاً نبيلاً عن مذيعة لأنها تلقت معاملة غير لائقة كما تدعي (الوزير يكذبها)، لكن الهدف الحقيقي هو الهجوم على بومبيو نفسه من أجل الإطاحة به. بومبيو هو العقل المفكر فيما يخص نظام الملالي ويتحدث بحماسة وإيمان عميقين حول أهمية التخلص منه. هجوم إغناتيوس يهدف إلى تخويف بومبيو لدفعه إلى مدّ يده في النهاية لمصافحة إيران، وإلا تلطيخ صورته وتهديد طموحه السياسي، أو – وهذا الخيار الثالث – تصويره أنه عقبة في طريق التنازل لإيران وتحويله إلى عبء على أكتاف الرئيس الأميركي حتى يضطر يوماً ما لإزاحته لعقد صفقة مع خامنئي. وترى هذه الطائفة من المحللين أن خروج جون بولتون مدحوراً، كأحد الصقور المعادية لطهران، فرصة قابلة للتكرار مرة أخرى.
الاتجاه الثالث هو محاولة إسقاط حلفاء الولايات المتحدة من أجل فتح الطريق لطهران في المنطقة، وشهدنا مشاركات ومقالات في هذا الاتجاه؛ حيث نُشر في صحيفة «الواشنطن بوست» مقال بعنوان «السعودية وأميركا لم تكونا أبداً حليفتين»، ومقال في معهد «بروكينغز» بعنوان «العلاقات السعودية الأميركية بحاجة لإعادة التفكير». نشرُ هذه المقالات في هذا التوقيت يحمل الدلالة الواضحة التي يفكرون فيها. محاولة واضحة للتمويه والتغطية على حالة الضعف الإيراني من خلال تلطيخ صورة القوة الأخرى المجابهة لها في المنطقة وتصويرها أنها مصدر الشر. استغلال لحظات الارتباك الإقليمي بتقديم رؤية جديدة مغايرة تماماً عن الواقع، ذلك من أجل منح جرعة من الحياة للنظام الإيراني، لترميم صورته من جديد. وبعد قراءة هذه المقالات ومتابعة هذه المقالات لا يمكن تسجيل ملاحظات منطقية للرد عليها ومجادلتها، فهي تتجاهل بشكل كامل سلوك النظام الإيراني الداعم للميليشيات والمنظمات الإرهابية السنية والشيعية، وتتجاهل مطالبات الشعوب العربية للتخلص منه، وتعده الحليف المثالي للولايات المتحدة. محاولة علنية لتسويقه من جديد. بالإمكان تجميل وجه النمر الميت، لكن من المستحيل إعادته للحياة من جديد.
* المدير العام لقناتي «العربية» و«الحدث»
الشرق الأوسط
من الأكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا؟
متابعة: مركز عدل لحقوق الإنسان:
أكدت منظمة الصحة العالمية، اليوم الثلاثاء، أن عدد الوفيات الناجمة عن وباء فيروس كورونا قد تجاوز ألف شخص، في وقت اجتمع فيه المئات من خبراء الصحة في مقر المنظمة في جنيف للمساعدة في وقف انتشار المرض.
وأشارت فضيلة الشايب، المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية في جنيف، إلى أن هناك 42،708 حالات مؤكدة تم الإبلاغ عنها في الصين، حتى الآن. وأضافت:
| س. هل تنشر الحيوانات الأليفة فيروس كورونا المستجد؟ ج.في الوقت الحاضر لا توجد أي بينة على أن الحيوانات المرافقة /الأليفة مثل الكلاب أو القطط قد تصاب بفيروس س. من الأكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا المستجد؛ كبار السن أم صغار السن؟ ج. يمكن أن يصاب الأشخاص من جميع الأعمار بفيروس كورونا المستجد. ولكن قد يكون كبار السن والمصابون بالربو أو السكري أو أمراض القلب هم الأكثر عرضة للإصابة بمرض وخيم حال التقطوا العدوى بفيروس #2019nCoV |
“فقد 1،017 شخصا في الصين أرواحهم بسبب هذه الفاشية. خارج الصين، لدينا 393 حالة في 24 دولة، وحالة وفاة وحيدة حدثت في الفلبين. ”
تأتي هذه التطورات في الوقت الذي عقد فيه حوالي 300 من العلماء ووكالات الصحة العامة ووزارات الصحة وممثلي البحوث اجتماعا لمدة يومين في منظمة الصحة العالمية لتبادل أحدث المعلومات حول الفيروس وتحديد أفضل السبل لمواجهته.
وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال حديثه في منتدى البحوث والابتكار حول فيروس كورونا المستجد 2019، في مقر المنظمة، إنه لا يوجد في الوقت الحالي لقاح للحماية ضده، وليس هناك علاجات مثبتة لعلاج المصابين.
وناشد العلماء مشاركة رؤيتهم العلمية، ودعا إلى توفير إجابات للكثير من الجوانب المجهولة فيما يتعلق بالوباء. وأضاف:
“لا يزال هناك الكثير مما لا نعرفه … نحتاج إلى معرفتكم الجماعية ورؤيتكم وخبراتكم للإجابة على الأسئلة التي لا نملك إجابات عليها، ولتحديد الأسئلة التي قد لا ندرك أننا بحاجة إلى طرحها.”
وقالت منظمة الصحة العالمية إن إحدى النتائج المأمولة من الاجتماع هي خارطة طريق للبحث متفق عليها، يمكن للباحثين والمانحين التوافق حولها.
إمكانية توفر اللقاح خلال 18 شهرا
وقال الدكتور تيدروس إن من الضروريات الأساسية تقاسم عينات وتسلسل الفيروس التاجي، مشددا على أنه “من أجل إلحاق الهزيمة بهذا الفاشية، نحتاج إلى مشاركة منفتحة وعادلة، وفقا لمبادئ العدالة والإنصاف.”
وفي حديثه للصحفيين، قال الدكتور تيدروس إنه قد يمر 18 شهرا قبل توفر اللقاح الأول، “لذلك يتعين علينا أن نفعل كل شيء اليوم، باستخدام الأسلحة المتاحة.” ودعا الدول الأعضاء إلى أن تكون “شرسة” في محاربة الوباء قدر الإمكان وأن ينظر إلى الفيروس على أنه “العدو رقم واحد،” للصحة العامة.
في أعقاب تفشي فيروس إيبولا في غرب أفريقيا، وضعت وكالة الصحة الأممية استراتيجية لتطوير العقاقير واللقاحات لمجابهة الأوبئة في المستقبل، ولتسريع أنشطة البحث والتطوير أثناء تفشي المرض.
وتماشيا مع هذا البروتوكول، أوضح الدكتور تيدروس أن فريق “مخطط البحث والتطوير” في منظمة الصحة العالمية بدأ العمل في أوائل كانون الثاني/يناير من هذا العام، لتنسيق وتسهيل تبادل المعلومات حول عناصر البحث في الاستجابة.
وردا على تصريحات المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، قالت السيدة الشايب في مؤتمر صحفي إن الكثير ما زال مجهولا بشأن الفيروس، الذي لا يزال يشكل تهديدا أساسيا في الصين.
من المبكر جدا فهم الفيروس
وقالت فضيلة الشايب إننا “ما زلنا في مرحلة مبكرة لفهم هذا الفيروس.كيف ينتقل؟ مصدره؟ فترة الحضانة؟ السمات السريرية؟ وشدته؟ … 99% من الحالات في الصين. لا يزال هذا الفيروس يمثل حالة طوارئ إلى حد كبير لهذا البلد، لكنه يمثل أيضا خطرا كبيرا على المنطقة وآسيا والعالم.”
الكثير لا يزال مجهولا
ردا على سؤال مفاده بأن فترة حضانة فيروس كورونا قد تكون أطول من أسبوعين – الجدول الزمني المقبول حاليا – قالت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية:
“لدينا الكثير الذي نجهله عن هذا الفيروس. نحن نقول ذلك من يوم إلى 14 يوما. لكننا نرحب بكل أنواع الدراسات والأوراق العلمية التي توفر المزيد من المعرفة للمجتمع العلمي، لفهم هذا المرض والفيروس نفسه بشكل أفضل.”
أخبار الأمم المتحدة
دوريات أميركية وروسية في ذهاب وإياب:
متابعة: مركز عدل لحقوق الإنسان:
بعد واشنطن سعي إلى تعزيز وجودها في الشمال والشمال الشرقي السوري باتت لقاءات دورياتها مع دوريات روسية عابرة في لقاءات مكررة، لكن من دون وقوع صدامات. وحدثت عدة مرات اعتراض دوريات أميركية على مرور الدوريات الروسية.
فالولايات المتحدة قامت بتوسيع قواعدها العسكرية الموجودة في حقلي العمر النفطي بدير الزور وتل بيدر، وكثّفت وجودها بشكل أكثر من السابق.
بينما روسيا تحاول إيصال النظام وتوسيع سيطرته من خلال إيجاد نقاط استناد لها في المنطقة ما يدفع إلى اعتراض الدوريات الأميركية لها، لكن من دون حوادث.
أما مؤخرا فاعترض أحد حواجز النظام في قرية خربة عمو جنوب شرق قامشلي دورية أميركية، وبعد مناوشات كلامية استنجدت حاجز النظام بأهالي القرية (الغالبية عرب) ما دفعت القوات الأمريكية إلى استخدام طائرة مروحية لتفريق التجمع.
المصد: أهالي مدينة قامشلي
أميركا لن تحل بالآمال الأزمة السورية
روبرت فورد (*)
أتولَّى التدريس في جامعة ييل الموجودة بولاية كونيتيكت، وفي الأسبوع الماضي زار مسؤول سابق رفيع المستوى بإدارة أوباما الجامعة. وتبادلنا أطراف الحديث حول المأساة الدائرة فصولها في سوريا حالياً وأزمة إدلب. وكنا قد سبق وأن عملنا معاً في الملف السوري قبل استقالتي من الوزارة في فبراير (شباط) 2014. كما تحدثنا عن الأخطاء التي سقطت فيها واشنطن أثناء محاولتها إيجاد حل سياسي للأزمة السورية. واتفقنا على أن الخطأ الأكبر كان قرار عدم توجيه هجمات ضد حكومة الأسد بعد الهجوم الذي شنته بأسلحة كيماوية ضد غوطة ريف دمشق في أغسطس (آب) 2013، وأسفر عن قتل مئات المدنيين.
وحسب وجهة نظر المسؤول الرفيع السابق، فإن الهجوم الكيماوي ضد الغوطة كان الخطأ الأكبر من جانب حكومة الأسد. وكان من شأن الفيديوهات الصادرة من الغوطة والتقارير الاستخباراتية التي نشرت علانية، جعل من الصعب على روسيا الدفاع سياسياً عن الأسد. ولم تكن روسيا تدافع عن الأسد عسكرياً في ذلك الوقت. في الواقع، لم تصل القوات الجوية الروسية سوريا إلا بعد ذلك الهجوم بعامين طويلين. وحظي الأميركيون بدعم قوي لشن ضربة ضد النظام السوري داخل دول بالمنطقة، وكذلك فرنسا. وكان باستطاعة واشنطن تشكيل قوة عمل عسكرية من دول عدة من أجل هذا الغرض.
واتفقنا أنا والمسؤول الرفيع السابق في الرأي حول أن توجيه ضربة عسكرية نهاية أغسطس أو مطلع سبتمبر (أيلول) 2013 كان سيلحق الضعف بحكومة الأسد، لكن لن يقضي عليها. ولم يكن من بين أهدافنا قط تدمير الحكومة السورية، خاصة بعد الكارثة التي وقعت ببغداد عام 2003. وفي خضم حديثنا، تذكرنا كيف اختفى مسؤولون سوريون في أغسطس 2013. وأرسل البعض الآخر عائلاته من دمشق إلى بيروت. كانت علامات القلق بادية على مسؤولي النظام السوري. وبالتالي، فإن توجيه ضربة عسكرية للقوات السورية، خاصة الجوية منها، ربما كان سيقنع المسؤولين حول الأسد بأنه ليس بإمكانهم استخدام الأسلحة الكيماوية أو القوة الجوية، وأنه ما من حل عسكري للأزمة. ربما كانوا حينها ليقرروا أن الوقت حان للتفاوض حول حل سياسي للأزمة في جنيف. وتذكرت أنا وزميلي السابق كيف أن الروس آنذاك كانوا يرغبون في توجه مسؤولو النظام السوري إلى جنيف.
بدلاً عن ذلك، ومثلما ذكرت في هذه الصحيفة من قبل، ساور القلق الرئيس أوباما في سبتمبر 2013 من بدء تدخل عسكري أميركي طول الأمد في سوريا وقرر التفاوض مع روسيا حول اتفاق بخصوص سوريا لإنهاء برنامج الأسلحة الكيماوية الذي تملكه الأخيرة. ولايزال أوباما وأفراد الدائرة المحيطة به يعتقدون أن ذلك الاتفاق كان بمثابة نصر دبلوماسي رغم أن الأسد عاود استخدام الأسلحة الكيماوية عدة مرات خلال السنوات الست الماضية. (ومن المهم هنا الإشارة إلى أنه رغم الدعاية الروسية، أصدرت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي بياناً، الأسبوع الماضي، أكدت خلاله على أنه جرى استخدام غاز الكلور في هجوم ضد مدينة تقع تحت سيطرة المعارضة في أبريل (نيسان) 2018 أدى إلى مقتل 40 شخصاً).
ورأينا في يناير (كانون الثاني) 2014 عندما قدم وفد سوري إلى جنيف أن حكومة الأسد لم تشعر بخزي ولا ندم، وإنما كانت على ثقة من أن أوباما لن يقدم على استخدام القوة العسكرية ضدها. وألقى وزير الخارجية السوري، المعلم، خطاباً طويلاً سادته نبرة التحدي، وربما ما يزال بعض القراء يتذكرون الإهانة التي وجهها علانية إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
داخل جامعة ييل، الأسبوع الماضي، اتفقت أنا وزميلي السابق على أنه بحلول يناير 2014 كانت واشنطن قد فقدت أفضل فرصة لاحت أمامها لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية.
من ناحية أخرى، صرح زميل آخر سابق، السفير جيمس جيفري، الذي يتولى إدارة الملف السوري حالياً، أمام مؤتمر صحافي بأن واشنطن مستمرة في فرض عقوبات اقتصادية ضد النظام السوري، ليس بهدف إسقاطه، وإنما لتغيير سلوكه. وقال إن الاقتصاد السوري في حالة مزرية للغاية وربما الآن سيبدأ الأسد في التفاوض حول الدستور السوري. وأندهش من هذا القول لأني أعلم أن جيفري رجل ذكي ولا بد أنه يدرك جيداً أن الأسد لم يأبه يوماً لرفاهية الشعب السوري.
أيضاًن اعترف جيفري بأن روسيا ربما لن تتمكن من الضغط على الحكومة السورية، التي تحظى كذلك بدعم إيران، كي تقدم تنازلات. وبذلك يتضح أن جيفري ليست لديه حلول للأزمة الإنسانية في إدلب فيما عدا فكرة أن العقوبات الاقتصادية ربما تؤدي يوماً ما إلى إقناع الحكومة السورية بقبول وقف إطلاق النار، أي أن زميلي السابق يقدم لنا أملاً، تماماً مثل آمالنا المحبطة في يناير 2014.
إنه مجرد أمل، وليس استراتيجية واقعية أو تحليل لإنقاذ أبناء إدلب. من جانبي، يجب أن أكون أميناً وأعترف بأنه ليس لدي لا أمل ولا استراتيجية. إن الحكومات والأشخاص الراغبين في تقديم العون لأبناء إدلب ينبغي لهم إرسال مساعداتهم إلى المنظمات الإنسانية العاملة على الأرض داخل معسكرات النازحين واللاجئين. هذه المنظمات الإنسانية، وليس الدبلوماسيين، هي الأبطال الحقيقيون.
(*) السفير الأميركي السابق لدى سوريا والجزائر والباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن
* * خاص بـ«الشرق الأوسط»
